أميركا : العودة إلى الدبلوماسية

single

أحد أشكال الدبلوماسية الأميركية سيكون "التعامل مع الثورات المشتعلة" في العالم العربي وتعزيز قوة "الناتو"!

//

نستحضر وأميركا تحيي الذكرى العاشرة لهجمات الحادي عشر من سبتمبر العقد الغريب وغير المتوقع الذي شهدته الولايات المتحدة والتطورات المترتبة عليه في الساحة الدولية. فخلال العشرية الأخيرة التي أعقبت الهجمات انخرطت أميركا سريعاً في حربين متزامنتين شملتا بلدين مختلفين بدعوى القضاء على الإرهاب وضرب معاقله، ولنفس الغرض خاضت واشنطن حملة شعواء على الجماعات الإرهابية من العراق إلى أفغانستان وباكستان وصولاً إلى الصومال واليمن، والنتيجة أن أميركا وعلى مدى العقد الأخير غيرت أسلوبها في الدفاع عن نفسها وفي التعامل مع الأخطار والتهديدات الخارجية مقارنة بما كان عليه الحال قبل الحادي عشر من سبتمبر. فقد اعتمدت واشنطن مقاربة أعطت فيها الأولوية المطلقة للجيش الذي خولته بضرب كل من يتجرأ على الأمن القومي الأميركي واهتمت في هذا الإطار ببناء دفاعات قوية وتعزيزها واللجوء في مرات عديدات إلى ضربات استباقية، ومبدأ إطلاق النار أولاً ثم طرح الأسئلة تالياً، في مؤشر واضح على عسكرة السياسة الخارجية وإلحاق هذه الأخيرة بوزارة الدفاع.
وإذا كانت ردة الفعل العسكرية مفهومة ومنطقية في المرحلة الأولى التي تلت الهجمات، بالنظر إلى صدمة الأميركيين وتفاجُئهم بالضربات التي استهدفت نيويورك وواشنطن، فإن التحديات المستقبلية تفرض على الولايات المتحدة تفكيراً مغايراً وتحولًا جوهرياً في طريقة تعاطيها مع المشكلات المطروحة.
ولا يعني ذلك تهميش الجانب العسكري والدفاعي الذي سيظل حاضراً في التفكير الأميركي لردع بعض الأخطار، كل ما هنالك أن طبيعة التحديات الجديدة خلال السنوات المقبلة تستدعي الجمع بين الدبلوماسية وممارسة السياسة الخارجية بتنسيق وتعاون كاملين مع الحلفاء، وهي مقاربة تحتم على واشنطن تبني منهاج التفاوض والحوار حتى مع الأنظمة غير الصديقة واعتماد أساليب الترهيب والترغيب. لكن الأهم من ذلك القدرة على حشد الرأي العام الدولي وتشكيل التحالفات السياسية لشق طريقنا في الساحة الدولية. والحقيقة أن هذا الرجوع الأميركي إلى الدبلوماسية وإعطائها الأولوية في السياسة الخارجية سيأخذ أشكالاً متعددة؛ فأولاً سيكون على أميركا تجريب الدبلوماسية التي بدأت تتصاعد وتيرتها في العراق وأفغانستان بعد حربين غير مكتملتين وكلفة إنسانية ومالية باهظة، بحيث تحُسم الصراعات ليس في ساحات المعارك مع المسلحين بل على طاولة المفاوضات مع الأطراف جميعاً. وهنا تمكن الإشارة للتدليل على هذا التوجه إلى سحب إدارة أوباما القوات الأميركية من العراق وطلبه من وزارة الخارجية تولي الأمور مع متم السنة الجارية عندما يعود الجنود إلى أرض الوطن، وهو ما ستلجأ إليه الولايات المتحدة في أفغانستان خلال السنوات المقبلة بعد تبين استحالة كسب الحرب عسكرياً. وفي تجليها الثاني ستعمد الدبلوماسية الأميركية إلى التعامل مع تحديات خاصة، مثل تخفيف الطموحات النووية لكوريا الشمالية وإيران، فبعد حربي أفغانستان والعراق فقدت أميركا ومعها حلفاؤها الرغبة في تجريب الحرب مرة أخرى في الشرق الأوسط وآسيا، وبدلاً من ذلك ستحتاج أميركا لاحتواء الأنظمة المارقة إلى قيادة تحالف دولي واسع يضيق الخناق على إيران وكوريا الشمالية تحديداً.
أما الشكل الآخر للدبلوماسية الأميركية في المرحلة المقبلة فيركز على الانشغالات الأساسية التي تؤرق المجتمع الدولي مثل مشاكل الاحتباس الحراري والاتجار بالبشر والجريمة المنظمة وعصابات المخدرات والانتشار النووي، فضلاً عن التعامل مع الثورات المشتعلة في العالم العربي، ناهيك عن قضايا أخرى تهم المصلحة الأميركية مثل تعزيز قوة "الناتو"، ودعم التحالف الأميركي في المحيط الهادي، والتعامل مع القوى الصاعدة في الصين والهند والبرازيل.
ومع أن القوة العسكرية ستبقى مورداً أساسياً يعتمد عليه الرؤساء الأميركيون كلما احتاجوا لذلك، فإن أميركا ستكون بحاجة أكبر للقوة الدبلوماسية، كما أن أغلب تلك المشاكل لا يمكن لأميركا التعامل معها لوحدها بمنأى عن حلفائها، أو بالاستخدام المفرط للقوة العسكرية، فلن تستطيع الولايات المتحدة مثلاً محاربة الفقر والاحتباس الحراري من خلال جنودها، ولا معالجة الجذور الدينية والسياسية العميقة للإرهاب من خلال القوة العسكرية.
ولا شك أن هذا الالتزام المتجدد بالدبلوماسية يحتل موقعاً أساسياً ضمن الاستراتيجية القومية للولايات المتحدة باعتبارها الطريقة الأمثل والأكثر واقعية لبناء التحالفات وإشراك الأصدقاء لمواجهة الأعداء في العقود القادمة. ولدعم هذه المقاربة الجديدة يتعين على القادة في واشنطن الالتزام ببناء وزارة الخارجية بنفس الطريقة التي بنوا بها وزارة الدفاع ووكالة الاستخبارات المركزية ووزارة الأمن الداخلي في السنوات التي أعقبت 11 سبتمبر، حيث عمد الكونجرس إلى ضخ أموال هائلة في الأعمدة الثلاثة للأمن القومي على حساب العمود الرابع الذي لا يقل أهمية والمتمثل في وزارة الخارجية. وفي نفس السياق لابد من تغيير طريقة تفكيرنا في قضايا الأمن القومي، فبدلاً من التركيز فقط على القوة العسكرية التي اعتمد عليها بوش في تسوية المشاكل العالمية، لابد من إعطاء الفرصة للدبلوماسيين، لاسيما في المرحلة القادمة التي استنفدت فيها 11 سبتمبر مفاعيلها وظهرت تحديات جديدة تفرض حلولاً سياسية ودبلوماسية.
ولحسن الحظ يبدو أن أوباما بصدد إعادة الولايات المتحدة إلى المقاربة الأميركية التقليدية في التعاطي مع المشكلات العالمية من خلال الدبلوماسيين وموظفي الإغاثة والمنظمات غير الحكومية التي تمثل مجتمعة جيشاً أكثر فعالية ورصيداً مدنياً لمعالجة القضايا المعقدة، فيما سيبقى الجيش في الاحتياط على أهبة الاستعداد للدفاع عن الأمن القومي الأميركي. وفي الوقت الذي تتصاعد فيه الأخطار والتهديدات العالمية التي تستدعي حضوراً أميركياً على الساحة الدبلوماسية، ومعها بعض الأصوات في أقصى اليمين واليسار تدعو إلى الانعزالية، يتعين على الإدارة الحالية إبراز فوائد الدبلوماسية والحاجة إلى استمرار الانخراط الأميركي في القضايا العالمية، ليس فقط لحماية المصالح الحيوية للولايات المتحدة، بل أيضاً لأن العالم بحاجة إلى قيادة أميركية متزنة تعمل مع باقي القوى لفض النزاعات وإيجاد الحلول الناجعة للمشاكل القائمة.

 

* وكيل وزارة الخارجية الأمريكية السابق وأستاذ الدبلوماسية بجامعة هارفارد ("كريستيان سياينس مونيتور")

قد يهمّكم أيضا..
featured

ألخطأ والخطيئة والانتحار والنحر – والمخرج

featured

التحريض الحكومي ومجاري العنصرية

featured

أمعركة وطنية.. أم مناورة دبلوماسية فاشلة؟

featured

الجماهير العربية والقائمة المشتركة

featured

أسئلة 25 يناير - القتل بالحنين وبدونه

featured

ألاعيب أحزاب "الوسط"