أوديت خالدة الذكر وفي الذاكرة

single

صورة لرفاق شبيبة والرفيقة ام جابر في وداع الرفيقة العزيزة أوديت



رحلت الرفيقة أوديت بعد صراع طويل ومرير مع مرض عضال لتودع رفاق دربها الوداع الأخير في رحلة سرمدية رحلة اللاعودة. رحلت وقد ودعها رفاقها الأعزاء بإكبار وإجلال، حملوها على الأكف والأكتاف بقلوب فاجعة وعيون دامعة، عزّ عليهم الفراق فاغرورقت المقل والمآقي. رحلت وكانت علَمًا من أعلام النضال والكفاح. اشتهرت بتواضعها، وتميزت بتضحياتها. شقت طريقها في زمن خيم الظلام الدامس المعتم في سماء شعبنا، اجترحت الصعاب مع رفاقها فأضاءت لهم الدروب. قفزت في حينه فوق كل الحواجز الاجتماعية وتخطّت الأشواك السلطوية لتنتزع من لظى الطائفية والحمم السلطوية حريتها في العمل والتفكير ولتعيش طليقة في ساحات النضال الواسعة دفاعًا عن حقوق شعبها والمرأة. فأوغرت لها السلطات صدرها فاعتقلتها سنة 1958 مع رفاقها الأشاوس في معركة البقاء.
انخرطت في صفوف الشبيبة الشيوعية في سن مبكرة، ثم إلى الحزب فالى حركة النساء الديمقراطيات لتكون قائدة مع الرفيقة أم جابر أطال الله في عمرها ومع كوكبة من تلك المناضلات البطلات أم السعيد بلال وأم عاطف سروجي وأم منذر حكيم وغيرهن فاضلات كثيرات حوّلن الحركة النسوية إلى خلايا نحل متفاعلة أثمرت بانتساب المئات إلى الحركة النسوية في منطقة الناصرة اللواتي عشقن دربها واعتنقن أفكارها.
رحلت الرفيقة أوديت وكانت معطاءة سخية في الكفاح والمال. مخلصة أمينة وفيّة لرفاقها وحزبها، حسنة الطوية والسيرة وظلت الأممية العريقة والشيوعية الأصيلة. كانت في مهنتها خياطة ماهرة وبيتها يعج بعشرات النساء والعرائس اللواتي يأتين في طلب خياطة الملابس. ضحّت وبقناعة من العيش في بحبوحة، إلى العيش بتقشف وبالنزر اليسير من راتب شهري زهيد، متفرغة للعمل السياسي بين الشبيبة الشيوعية والحركة النسوية.
غادرتنا وقد ملأت بصماتها ساحات النضال، كنت تراها والغبار يتطاير من تحت قدميها وهي تجوب الشوارع والأزقة والحواري في الناصرة وقراها وتنتقل من بيت إلى بيت لتوزيع منشور أو نشرة أو الاتحاد أو الغد وتجنيد الرفيقات وحضهم على المشاركة في المناسبات العديدة السنوية. الأول من أيار، الثامن من آذار. يوم الأم ويوم الطفل بتنظيم كرنفالات الأطفال، مواظبة دؤوبة لا تضن ولا تكل ولا تمل، مخزون من الطاقة التي لا تنضب، واصلت الليل مع النهار، ظلّت على هذه الشاكلة إلى ان أقعدها ذلك المرض اللعين.


*كلماتها ترن في أذني*


كان لقائي الأول بها سنة 1954 رفيقة شابة سمراء ممتلئة الجسم قوية التعبير واضحة التعابير، كان ذلك اللقاء في ربيع تلك السنة من شهر نيسان بعيد نجاح اضراب ومظاهرة المدرسة الابتدائية في عرابة ضد ضريبة الرأس المشئومة، جرى اللقاء في نادي الشبيبة الشيوعية في السوق، بإشراف الرفيقة أرنة خميس لإعداد مدرّبين لقيادة أبناء الكادحين، وكنت مندوب فرع الشبيبة لهذا الغرض، فقد لمعت الرفيقة الشابة السمراء المتحمسة والممتلئة جسدًا وحيوية، عرّفت نفسها بالرفيقة أوديت نمر. ساهمت بتقديم مداخلة حول الموضوع أغنت الدورة والمدربين وسلحتهم بدررها القيّمة بتعليمهم أسلوب قيادة الأطفال. والمثل التي عليهم ان يتحلوا بها لتنشئة هذا الجيل وصقلهم ليكونوا رافدًا للشبيبة الشيوعية.
ظلت كلمات الرفيقة ترن في أذني فكانت تلك الكلمات البلسم والدواء الشافي لإزالة ما تبقى من غشاوات على أفكاري وموروث من العادات والتقاليد والأساطير والشعوذات البالية. توالت اللقاءات في اجتماعات الشبيبة الشيوعية وكان نشاطها مميزًا ونافذًا، معها عرفت كوكبة من الرعيل الأول للشبيبة الشيوعية منهم من قضى والبعض لا زالوا أحياء يرزقون. في طليعة تلك الكوكبة عرفت غسان حبيب، نصرالله كردوش، جوزيف ذيب، وقسطندي جرجورة ومصباح زياد وحسن البنّا، ونعيم سيلاوي، ومحمد شريف وإبراهيم أبو حنا وجورج غريّب وغيرهم ممن لم تسعفني الذاكرة لذكر أسمائهم.
مرت الأعوام وشاء الزمان ان تُلقى على عاتقي مهمّة سكرتير منطقة الناصرة للشبيبة الشيوعية وذلك في صيف سنة 1969، عندما أنهى الرفيق غسان حبيب عمله في الشبيبة الشيوعية ليتفرغ للعمل الحزبي. كنت حينها في التاسعة والعشرين من عمري وقد خيّم عليّ حالة من الهم واعتراني التوجس والتهيّب وتساءلت مع نفسي هل بمقدوري أنا ابن القرية الفلاح ان أقوم بهذه المهمة الصعبة وأملأ الفراغ الذي يتركه ذلك القائد العريق والنجم المتألق. أدركت الرفيقة أوديت بذكائها الحاد وبعد نظرها الثاقب ما كان يجيش في صدري وما يعتمل في نفسي من ريب وتوجس. ففي اليوم التالي، حضرت الى النادي، وجلست الرفيقة الوديعة التي لا زالت كلماتها من اللقاء الأول ترن بأذني، وكاشفتني بما يدور بخلدي من تخوّف، فصارحتها بالحقيقة ومن توجسي، فقالت لا تهتم سأكون العون لك وساعدك الأيمن مع الرفاق الآخرين جورج غريّب ومصباح زياد أطال الله في عمرهما.
أوفت الرفيقة بوعدها وكانت أمينة لعهدها ودارت الأيام ومرّت السنون حتى أضحت منطقة الناصرة للشبيبة الشيوعية في طليعة المناطق في كل النشاطات ومجالات العمل وحازت لسنوات طويلة على ان تكون المنطقة السباقة في تلك النشاطات بإخلاص وتفاني تلك الكوكبة من سكرتارية المنطقة وكانت الرفيقة أوديت قد عادت للتو من دراستها الحزبية في احد معاهد الدراسة الحزبية الماركسية في موسكو، عادت مفعمة بالحيوية والنشاط وانعكس ذلك في نشاطها اليومي، بما قدمته من زخم في الفكر والممارسة نهلت من تلك الينابيع عادت لتروّي تلك النباتات اليانعة وتلك الورود المتفتحة من شباب وشابات في صفوف الشبيبة الشيوعية، ظلت سخية بعطائها في السنين حتى سنة 1980 عندما احترفت واعتكفت في حركة النساء الديمقراطيات.
ربطني بها علاقات عائلية قوية وصداقة متينة وفتحت بيتها على مصراعيه لعائلتي وللرفاق بضيافة كريمة. كرمها فاق الكرم الحاتمي، طباخة ماهرة، وفنانة اكتسبنا منها الكثير. كرم الضيافة، جودة الطهي، التضحية والعطاء والتواضع. كنّا على اتصال دائم بالهاتف أو بالزيارات خاصة عندما أقعدها المرض. وكانت هي لا تبخل في الاتصال والسؤال عن صحتنا. قصيرة القامة طويلة الذراع، شامخة في حزبها، باسقة في حركتها النسائية.
للرفيقة أوديت سجل حافل وتاريخ مفعم بالنضال والمواقف البطولية في ظروف صعبة ومحرجة تعجز الصفحات، وينضب المداد عند تسجيلها. غابت عنا جسدًا ولكنها لم تغب عن ذاكرتنا فقد استطاعت بسيرتها الحميدة وتفانيها العظيم ان تجسّد في ذهننا مجسّمًا حفر في ذاكرتنا وارتسمت صورتها التي لم ولن تمحى. ومهما حاولت ان أوفيها حقها بهذه العجالة، فالقلم عاجز ان يسطر ما تستحقه من الاحترام والتقدير الكبيرين.
فذكراك يا رفيقة أوديت خالدة
فنامي قريرة العين ولك رفاق يكملون الطريق

قد يهمّكم أيضا..
featured

"بدون نظرية ثورية لا يمكن أن تكون حركة ثورية" (لينين)

featured

المسنون ضحايا سياسة الحكومة

featured

وقاحة وزارية تصل الى هاوية الزعرنة !

featured

الماركسية... وسرير بروكوست (1)

featured

كـأننا يا بدرُ لا رُحنا ولا جينا

featured

من والى أبو سنان وأخواتها