إنطلقتْ بنا الحافلة ،نحنُ ومجموعة من طلاب مدرسة "يني" الثانوية ،إلى قلب القدس الشرقية المحتلّة ،النازف معاناة وألما وتشريدا، إلى الشيخ جرَّاح . وفي القلب فرح وحزنٌ يتصارعان . وفي سماءِ كفرياسيف غيومٌ تتلبَّدُ ببطءٍ يغيظُ شدَّة انفعالنا وتسارع حماسِنا . إنَّها غيومٌ ربيعيةٌ تُبشِّرُ بخيرِ المطرِ المتواصلِ ،من موسمِ الشتاءِ المنصرم .
أمَّا الفرح ،فهو بغلَّةِ الحصاد . بتلك الغمارِ ،التي شدَّتها السواعدُ الفتيَّة ،في أوَّلِ عهدها في العمل الوطني الشعبي . عملُ الميدان الجماعي ،الذي يملأُ شوارعَ القريةِ بأنفاسِ الشباب والصبايا وهم يطرقونَ الأبوابَ ،فتدخلُ ابتسامةٌ جوريَّةٌ إلى قلب أهلِ الدار ،طالبةً المساهمة في تفتُّحِ ابتسامةٍ مماثلة ،على وجوه أطفالِ المهجَّرين ،في الشيخ جرَّاح .
أمَّا الحزنُ ،فهو على استمرارِ معاناةِ التشريد ،بحق العائلات ،في الشيخ جرَّاح ،من 2/8/2009 وحتَّى آذار الجاري الهدَّار . ومع هطولِ المطرِ ،من ديمةِ آذار "أبو الأمطار" ،تفيضُ روحُ التضامنِ في نفوسِنا ،مع العائلات المقدسيّة ،التي تتصدَّى للترحيلِ الاحتلالي وتكافحُ لئلاّ يتحوَّل الى لجوءٍ ثانٍ ،فيذوقُ الآباءُ مرارةَ النكبةِ ،مرَّتين في العمر ويشاهدون أبناءَهم وهم يذوقونَ مرارتَها. وهم أحياءٌ في الوطنِ
لاجئون .
في الطريق ،وبالقرب من أراضي "المنصورة" العربيّة ،أخذَ سائقُ الحافلة يشرح عن المقبرة العربيّة الإسلامية ،من حقبة المماليك والتي اكتُشِفَتْ، أثناء شقّ مقطع،
من شارع عابر إسرائيل وعن استمرار العمل فوقها ،كالمعتاد، بسبب عدم صلتها بالتاريخ اليهودي . فهززنا رؤوسَنا تعجّبا،قائلين : إنها غير صالحة للتجارة الصهيونية . إنّها سلعة ،لكنّها للأسف 00 عربيّة .
وتابعَ السائقُ شرحه عن بعض المواقع . حتّى وصل الى النفق ،في نهاية شارع عابر إسرائيل ،قبل التوجّه الى شارع القدس ،بمحاذاة تل أبيب ،من الجهة الشرقية . فقال : عند وصول أعمال شقّ هذا الشارع الى هذا المقطع ،تمَّ اكتشاف قبرَين عبرِيَيْن ،فأقاموا هذا النفق ،بطول 740 متراً وبتكلفة أكبر بثلاثة أضعاف ،من شقّ الشارع حفاظاً على القبور واحتراماً لحرمة الموتى !
وصلنا إلى الشيخ جرَّاح وأخذت الحقائقُ تنتصبُ أمامَ أعيننا، شاهقةً ثابتةً، كجبال القدس ،عصيَّةً على التجاهل وهي أكبر من كلّ ما خلفها . قمَّةٌ وراءَ قمَّةٍ أكبرُ من سابقتها، تتربّعُ على سفوحٍ عريضةٍ واسعةٍ . 28 منزلاً ،يقطنها 550 نفرا . جميعهم لاجئون هُجِّروا عام 1948 . قضتْ هذه العائلات 37 عاما في مقارعة الإحتلال ومستوطنيه، في المحاكم الإسرائيلية ،لتثبيت وجودهم في منازلهم . وهي من أطول القضايا في المحاكم . تخلّلها صنوف ٌ من الضغوط والمضايقات والإغراءات والاعتقالات ،ولم تنتهِ فصولُ معاناتها بعد .
أم نبيل الكرد ،إمرأة مسنّة ،أضافت إلى بيتها القائم ،منذ العام ،1956 قسما جديدا للبناء ،في العام 1999 ،ليتّسع لها ولابنها نبيل وعائلته . وعند الإنتهاء من بنائه
أصدرتْ بلديّة القدس أمرا من المحكمة ،لعدم السماح بسكن المنزل ،بحجّة أنه يقع في المنطقة الخضراء . وأمرتْ بتسليم مفاتيحه لها . وعندما تقدّمتْ جمعيات استيطانية بطلب استملاكه من المحكمة ،بحجّة أن ملكيته تعود إليها ، قامت المحكمة بتسليم مفاتيح المنزل لهذه الجمعيّات . وبعد مواجهة بين عائلة الكرد وأهل الحيّ تمَّ طرد المستوطنين . فرضت المحكمة غرامة 100 الف ش .ج على عائلة الكرد بحجّة البناء غير المرخّص . فسدّدتها وتقدّمت بطلب ترخيص البيت ،الى البلدية ،فرفضت البلدية الطلب . فطلبت عائلة الكرد هدم بيتها ،خشية أن يسكنه المستوطنون فرفضت المحكمة الطلب .
ألمنزل الآن قائم ٌ ،لكنّه مهجور وممنوع على أصحابه أن يدخلوه . وهم يحرسونه ليل نهار ،من قطعان المستوطنين للعام الحادي عشر على التوالي ،دونما أمل بحلٍ قريب
والمعاناة متواصلة . ترمشُ العينُ في ذروة نشاط الإنسان ،ابتغاء إراحة العين ،ولو برهة . فما بالك بالعين الساهرة أحدَ عشرَ عاما ،دون برهةٍ من الراحة ؟!
يا أم نبيل الكرد ! أيتها المسنّة بتجربةِ الحياة والصبية بصمودِكِ الثائر ! جئنا نشدّ على أيديك ،فأعطيتنا زوّادةً للصمود لكلِّ العمر .
هلْ تُتْرَك أم نبيل وحدها ،يا أصحاب الضمائر ؟! إنّها حالة منفردة من المعاناة اليومية الجماعية لأهالي الشيخ جرَّاح . وحيّ الشيخ جرَّاح هو موقعٌ صامدً وهو ينزفُ في القدس العربية المحتلَّة . والقدس الشرقية هي عاصمة الدولة الفلسطينية العتيدة . وهي تتعرَّض لأكبر عملية تهويد وتطهير عرقي ،منذ العام 1967 . ولقد تبقّى من مساحة القدس الشرقية 36% فقط ! فماذا سيتبقى ،من البقية الباقية ،إذا طبقّتْ حكومة اليمين العنصري خطّتها ببناء 50 ألف وحدة استيطانية جديدة ،وسط مراقبة العالم "المتحضّر" الصامت ؟!
إنّ ما يجري من سرقة يومية مفضوحة للحقوق الوطنية العادلة والمشروعة للشعب الفلسطيني يتطلَّب أكبر هبّة شعبية ،دفاعا عن هذه الحقوق . فليهبّ أصحاب القضيّة أوّلاً ،وليخوضوا الكفاح العادل العنيد والمشرّف وسيتبعهم كل المناصرين لهذه الحقوق في العالم كلّه !
إنّ ما يجري في الشيخ جرَّاح معاكس تماما . فالعائلات المُهَجَّرة هناك تجد ،في نضالها اليومي أنصار السلام والدمقراطية في المجتمع الإسرائيلي وتفتقد إلى وحدة المظلومين من أصحاب القضيّة الوطنية . فأين التضامن الوطني ،من مختلف أنحاء المناطق الفلسطينية المحتلة ومن مختلف الأحزاب والهيئات التمثيلية . إنّ شعبا يقع تحت الإحتلال وبين ظهرانيه مناضلة عنيدة مثل أم نبيل الكرد حريٌّ به أن ينتفض كالمارد ليقاوم معها ويتعلَّم من إرادتها الفولاذية .
إنّ ما لمسناه في الشيخ جرّاح ،من نضال أممي مثابر لقوى السلام والدمقراطية ،من يهود وأجانب يعزّز قناعتنا بأهمية الكفاح الأممي ،في هذه البلاد . ويعطينا الأمل بصمود أم نبيل الكرد وسائر العائلات ،في وجه الإستيطان والإحتلال . ويدفعنا إلى مواصلة الكفاح حتّى تحقيق حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني ،أسوةً بالشعب اليهودي .
في القدس كانتْ ذروة المفارقات الإحتلالية . لقد رأينا قبر الشيخ سعد الدين حجازي
الذي حوَّله المحتلّون الإسرائيليون إلى قبر شمعون الصدّيق . وسخرنا من شرّ البلية الإحتلالي . ومن استعمال الدين بهذا الشكل العنصري العدواني كأحد أدوات الإحتلال الإستعماري . فكل شيء مباح أمام أهداف الحركة الصهيونية العنصرية !
يخطّط المُحتلّون على جبال القدس العربية لاقتلاع أهالي الشيخ جرَّاح ،عائلةً عائلةً ،كما تُقتلعُ الأضراسُ السليمة الأصلية ،من فم صاحبها، لاستبدالها بالأضراس الإصطناعية ،وسط جوقة من الإنشاد الديني تحاول أن تعلو على صرخات الألم لصاحب الأضراس المخلوعة . جوقة تكرّس الدين في خدمة الإحتلال .
يُريد المحتلّون الإسرائيليون أن يتابع الإستيطان تفشّيه في الجسد الفلسطيني ،من حدود الشيخ جرَّاح ،بداية التماس مع القدس الغربية ،إلى وادي الجوز شرقا ،ثمَّ جبل الطور وصولاً إلى سلوان . وبذلك تُطَهَّر المنطقة عرقيا ،لإقامة البستان التوراتي المزعوم .
تكبُر المفارقات تدريجيا،لتصل قمّة تناقضاتها على قمم القدس العربية . ففي الطريق بمحاذاة "المنصورة" شقّوا قبور العرب من أيام المماليك ليصنعوا الطريق . أمّا في القدس فيريد المُحتَلّون ،أن يشقوا بيوت الأحياء ويصادروا حاضرهم وحضارتهم ويُلغوا وجودهم ،لكي يفتحوا الطريق إلى الماضي السحيق ويُخَلِّدوا واقع الإحتلال .
هؤلاء المُحتلّون الطغاة إنما يصادرون ،في الشيخ جرَّاح ،مستقبل الشعبين ،الفلسطيني والإسرائيلي بالسلام العادل ويهدمون أخوّة الشعوب ويُخلون قسرا العدالة من قاموس الدولة والمنطقة والعالم . فيا أصحاب الضمائر الحيّة في الشعبين ،ويا أحرار العالم ! لا تتركوا أم نبيل الكرد وحيدة ! لا تتركوا الشيخ جرَّاح وحيدا ! لا تتركوا أصحاب الحق ،في مواجهة الإستيطان والإحتلال ،وحيدين ! إذا أردتم الدفاع عن قيم السلام والدمقراطية والعدالة ،فأحفاد الشيخ ،سعد الدين حجازي ،في انتظار تضامنكم وهم يواجهون الإحتلال والإستيطان ،الذي يريد أن يصادر التاريخ العربي وحاضر الأفراد ومستقبل الشعوب في المنطقة .
(كفرياسيف)
