*شيوعي أنت.. إذا احفظ شرف الشجاعة.. كن طاهرا ومستقيمًا.. ولا تحمل وجهين.. فأنت يا رفيقي أبو العبد من خيرة المخلصين والشرفاء*
الرفيق صالح خلف – أبو العبد – النسر الأحمر المحلق دومًا في فضاء الحرية – الشامخ دومًا كشموخ الثوار الأحرار والصادقين.. رجل المواقف الصلبة.. رجل الشهامة والإباء.. نصير المظلومين والأحرار ينبوع من العطاء.. مقدام لا يبالي بحجم التضحيات.. لا تلين له قناة.. مهما قسى ويقسو عليه الدهر لا يعرف الانحناء ولا التخاذل.. قوي الشكيمة.. تجد عنده كل صفات المناضل الشجاع والإنسان المحب والعاطفي.. ينحاز إلى الفقراء والشرفاء.. يكره أذناب خفافيش الليل بقدر ما يحب وطنه وشعبه لا يرحمهم أبدًا.. لان الرحمة عنده للبؤساء والمشردين أينما كانوا.. إنني وبكل فخر واعتزاز أنام مطمئنًا من أمثالك أيها المناضل الشيوعي الأحمر حتى النخاع.. اطمئن بأنك ستبقى حاملا الراية والشعلة ومن المستحيل ان تخبو نار الشعلة التي تنير دربنا إلى الحرية، لأنك حاملها وقلّة أمثالك من يحملونها.. فهم وحدهم معك ومعنا قابضين على الجمر في زمن التخاذل والعهر السياسي والأخلاقي. إنني يا رفيقي وأنا ممدد على البرش والذي طحن من جسدي سبع سنوات تقريبًا وقبلها ست سنوات على أبراش وسجون مختلفة أخالك أمامي منتصبًا كالأشجار ومبتسمًا كالزهور لطلات الندى عند الصباح.. تصافحني وتعانقني بحرارة ولهفة.. أصافحك وأعانقك بكل حرقة.. ودموع.. دموع المحبة والوفاء تتلاقى وتُحدث فيضانًا من الحب والشوق والأمل من الذي رافقنا منذ اليوم الأول من تعارفنا في أزقة جت بلدنا الحبيب وأنت تتأبط جريدة "الاتحاد" كما تتأبط الأم ابنها الرضيع، وأنا أتأبط جريدة الراية بكل حماسة وشغف يا ونيسي في اقسي الظروف.. ان وفاءك يا رفيقي بلغ وفاء السموأل.. ان أية رسالة ومهما قلّت كلماتها بسبب ظروف خارجة عن إرادتك الا إنني اشعر وكأنها تغطي كل سمائي المكفهرّة بالنجوم البراقة لكي تزيل عني وحشة الليل الدامس وترشني برذاذ من الدفء والأنس والمحبة.. ان رسائلك المزينة بالوفاء هي زادي واكسجيني في هذه المرحلة القسرية الطويلة من المعاناة داخل هذا الحصار الخانق جسديًا ونفسيًا. ان كلماتها العسلية سراج يضيء علي ليل السجن الحالك.. فكما تعلم انّ الرسائل قليلة جدًا.. جدًا والتواصل مع الخارج شبه معدوم لأن الأغلبية بين أبناء شعبنا تجهل كثيرًا ما معنى الرسالة أو الزيارة أو التحية لأي أسير يتواجد في صحراء قاحلة من القهر والاستهداف اليومي للنيل من معنوياته وإرادته، وكأنهم مع الأسف من حيث لا يدرون يشاركون في هذه السياسة. ان رسائلك يا عزيزي تفك القيد عني وتحررني إلى حين وصول رسالة أخرى أو زيارة من أحبائي من أفراد أسرتي.. هذه الرسائل تنقلني حيث أنت وأسرتك الشامخة.. اشعر وأنا اقرأ كلماتك وكأنني أحادثكم جميعًا واشد أيضًا على أياديكم الطاهرة واقبّل جباهكم السمراء الناصعة، فأمام أفعالك الكبيرة من اجلي واجل القضية لا يسعني الا ان أحييك بحرارة مثمنًا دورك الوطني والإنساني المذهل.
سامحني بل اعذرني ان كنت أثقل عليك، فهذا ينبع من الثقة الكبيرة التي أوليك إياها، فانا أدرك كم هو صعب عليك من ناحية صحية.. أرجوك فقط ان لا ترهق نفسك كثيرًا بالاتصالات إلى البيت لأن تكلفة الاتصالات باهظة فيكفي المصاريف اليومية الباهظة التي تخص أفراد أسرتك.
رفيقي الوفي: منذ صغرك وبدايات وعيك السياسي انحزت إلى جانب الكادحين والشرفاء والأوفياء.. لم تبحث عن أي منصب ولا عن أي جاه، فلهذا السبب بقيت وفيّا لحزبك ولوطنك وأبنائه، لقد قرأت في رسالتك الأخيرة عن عمق الفرحة التي تملأ قلبك ووجدانك والتي من خلالها تخبرني بأنك قد توصلت في قريتنا جت إلى توزيع مئة عدد من جريدة "الاتحاد".. هذه البلدة التي كان يوزع فيها بصعوبة عددين أو ثلاثة في سنوات الحكم العسكري وما بعده بقليل.. هذا الحكم العسكري البغيض والمجرم.. لقد لمست فرحتك بمثل هذا الانجاز من خلال كلمات رسالتك وكأنك رزقت بمولود جديد.. إن دل هذا على شيء فإنه يدل على عظمة التفاني لحزبك ورفاقك المخلصين ممن صمدوا أمام العواصف والانهيارات العشوائية أمثال الرفاق الأشاوس الرفيق محمد نفاع أبو هشام والرفيق المخضرم غازي شبيطة أبو وهيب وآخرين.. فمن داخل هذه الأقبية والعلب الإسمنتية أحييك واحيي كل السائرين على الدرب.. درب الكفاح من اجل الحرية والانعتاق من قيود السجن وقيود الاضطهاد والاستغلال.. إنني اختتم رسالتي إليك بكلمات شعرية جميلة قرأتها في كتاب للراحل توفيق زيّاد قبل عشرات السنين باسم الكتاب "نصراوي في الساحة الحمراء" وهي كلمات شعر لشاعر قاوم النازيين.. الكلمات تقول: شيوعي أنت.. إذا احفظ شرف الشجاعة.. كن طاهرا ومستقيمًا.. ولا تحمل وجهين.. فأنت يا رفيقي أبو العبد من خيرة المخلصين والشرفاء.
ملاحظة: سلاماتي الحارة لأسرتك العظيمة فردًا فردًا.. ولكل الرفاق المخلصين والأوفياء في الحزب عندكم.. وعلى رأسهم الرفيق محمد نفاع والرفيق غازي شبيطة والذي سأكتب له رسالة خاصة مرفقة مع رسالتك. أما بخصوص الرفيق محمد نفاع فلقد قرأت له زاوية "جواهر اللغة". أحب ان أضيف على معنى رَوَبَ والذي غاب عن الرفيق وجل من لا يسهو ان معنى كلمة رَوْب – قميص النوم عند النساء أيضًا، وقرأت له مقاله 28 حزيران تحت عنوان "قوة التضامن الاممي مقابل هذا الادعاء القومي والديني".. أحييه على هذه النظرة العلمية الثاقبة والموضوعية، فكم تتقارب وجهات النظر بيننا.. انه موقف شجاع وليس غريبًا على مناضل شيوعي أممي ان يكون جليّا وشجاعًا في مواقفه وهذا انطلاقًا من عظم المسؤولية والإدراك بخطورة تشعبات المؤامرة ومراميها على المنطقة بأسرها بل على الدول التي ترفض الانحناء للصهيونية وللاستعمار الغربي المتوحش، ان نزيف دماء شعوب العالم ما زالت تجري فكفى بكاء التماسيح من طرفهم على شعوب المنطقة.
(سجن الجلبوع – قسم 2)
