فَعَلَتها تونُس

single

إنّها تونُس..! الصّغيرة الكبيرة، القليلة الكثيرة. إنّها تونُس..! الّتي زرتُها قبل أزيدَ من ثلاث سنوات، عريسًا، وهي اليومَ عُرس وعروس. إنّها تونُس..! الّتي كَم راق لي جوُّها وبرُّها وبحرُها، ترابُها وسماؤها، بَشَرُها وشجرُها وحجرُها. إنّها تونُس..! القِبلة الثّقافيّة، والحضاريّة، والجَماليّة، والسّياحيّة، والاستجماميّة، والطّبّيّة (الطّبّ التّجميليّ). إنّها تونُس..! مصدّرة أجود أنواع الزّيوت والأعناب، والملبوسات الجلديّة، والخَزَفِيّات، والمنسوجات. إنّها تونُس..! قِبلة البحث اللّغويّ العربيّ في عصر ما بعد الحداثة. إنّها تونُس..! قِبلة الإرادة والتّحرّر والحرّيّة والحياة، فعلى جبين هذه القِبلة نطبع، اليوم، أطيب قُبلة.
قد تسأل - قارئيَ العزيز! - ما شأنك أنت المهتمّ بالشّأن اللّغويّ والأدبيّ، في هذا الشّأن السّياسيّ الثّورَوِيّ التّحرّريّ؟ فأجيب: إنّ اللّغة والأدب ليسا بمعزِلٍ عن الحياة المَعِيشة، بل هما مِرآتها على الصُّعُد كافّة. وإنّه بقدْر ما تتفجّر الأفعال والثّورات من رَحِم الجوع، والفقر، والعَوَز، والبِطالة، والإحباط، والفساد، والاستبداد؛ بقدْر ما تتفجّر من رَحِم الكلمات. فأنا لا أعرف ثورة في التّاريخ الإنسانيّ، دينيّة أو دنيويّة، كانت بمنأًى عن نبيٍّ سلاحُه معجزتُه وكلامُه، أو قائد سلاحُه بارِدُه (سيفه) وبارودُه وكلامُه، أو فيلسوف سلاحُه فكرُه وكلامُه، أو أديب سلاحُه خيالُه ولغتُه وكلامُه. أوَلم يُثنّي نزار قولَه: "إنّ الثّورة تولَد من رَحِمِ الأحزان"، بقوله:
"أسقطتُ بالكلمات ألف خليفة وحفرتُ بالكلمات ألف جدار"؟!


*إلى روح أبي القاسم الشّابّيّ..!

هو ابنُ تونُس، المولود في بلدة الشّابّة التّونسيّة، عاش شابًّا وتُوفّي شابًّا، وهو ابنُ خمسة وعشرين عامًا، هي من عُمر رَيْعان الوَرد وعُنْفُوان القَتاد (الشَّوْك)؛ فهو المولود في الرّابع والعشرين من شهر شُباط (شهر التّطهّر الرّوحيّ عند الرّومان) (1909) والمُتوفّى في التّاسع من شهر تشرين الأوّل (شهر الحُبّ عند نزار) (1934). فبين الطُّهر والحُبّ، إذًا، عاش أبو القاسم خمسة وعشرين ربيعًا أو خريفًا، كانت كافية لتخلّده شاعرًا للإنسانيّة والوِجدانيّة والإرادة والحياة.
فإلى روحه الخالدة، الّتي اشتعلت عِزًّا وأملاً وضياءً، في دماء الشّباب التّونسيّ الثّائر على الفساد والطُّغيان والأصنام، أرى أن تُهدى هذه الثّورة، ثورةُ الياسمين.

 

*بَيْن تخوّف.. وأمل..!


ينتابنا التّخوّف، نعم! من أن يعتليَ هذه الموجة الثّورويّة العاتية، طاغية متآمر آخر، أو أن يعرف احتواءَها أربابُ الطُّغيان في هذا العالم وأسيادُ الطُّغاة، الّذين وصفهم محمود درويش في معلّقته: "مديح الظّلّ العالي" بالطّاعون. بيد أنّا - في الوقت نفسه - يسكننا الأمل في وعي الشّعب التّونسيّ، الّذي اجترح بإرادته وشجاعته هذه البطولة الرّائعة، مُتحرّرًا من رِبْقة الظّلم ونِير الاستبداد؛ ويسكننا الأمل بأمله هو - الصّادر عن ألمه هو - في الحرّيّة والحياة؛ فمن ذاق حلاوة الحرّيّة، حقًّا، تأنَف نفسه مرارة الاستعباد.


  
*شُكرًا لكم.. والعُقبى لهم..!


شكرًا لكم يا أهل تونُس على هذا الكسْب، وعلى هذه القُدْوة، الّتي نأمل أن تقتدي بها شعوب المِنطقة العربيّة بأسرها، فتسحب البساط من تحت أرجل العروش والجيوش، وتقلب الطّاولة على نُدَماء الأنظمة والحكّام، الطّاعنين في السّنّ والحُكم، والّذين - والله - ما بلَغُوا الحُلْم (الرّجولة) بعد! 

 

*خُذوا العِبْرَة من عَبْرَته..!


نريد أن يكون قد بلغ من الإنسانيّة حدّ الدّمع، فذرَف منه شيئًا أو بعض شيء، حين فرّ هاربًا كالفِئران من قَبْضة شعبٍ قَبَض على أنفاسِه نحوَ ربع قرن. نريد أن يكون قد بلغ من الإنسانيّة حدّ الدّمع، حين قَلَب له أسيادُه ظَهر المِجَنّ ("يَعْنِي قَدَحولُه")، فظلّت طائرته تحوم وتعوم، بحثًا عن مَهْواها (نعم! مَهْواها..!) إلى أن وجدته عند "حَرامِي الحَرَمِين"! فخُذوا العِبْرَة، قبلَ العَبْرَة..!

 

* الكاتب دارس عاشق للّغة العربيّة، مترجم ومحرّر لغويّ
 الكبابير/ حيفا

قد يهمّكم أيضا..
featured

لماذا هذا النقاش والاصطفاف بين الرفاق عبر الفيس بوك!!

featured

مقاطعة انتخابات الكنيست هي قطع حبل المواطنة

featured

الطيرة عزيزة علينا، فلْنصنْها

featured

هذه بصقة اسرائيلية على لِحاكم وليست مطرا من السماء

featured

انتحاريون وسط النار!

featured

نضال نقابي عالي الأهمية

featured

الكرمل يشتعل من جديد