من اجل وقف التدمير الخارجي والذاتي في سوريا
تزداد أزمة سورية استعصاء على الحل السياسي، وتزداد، استطرادًا، أعدادُ الضحايا وحجوم الدمار، ويشتد تراكم الخسائر التي يسببها الصراعُ المسلح والعقوباتُ الدولية المفروضة على البلد وتوقُّفُ الأعمال بسبب الصراع ونقصُ الإنتاج. وبهذا، تشتد معاناة الشعب السوري بأطيافه كافة، الموالين منه للنظام والمعارضين والذين بين بين، المنهمكين في الصراع والساكنين، الذين بقوا في البلد والذين هجروه.
وفيما الأزمة مستمرة، تتبادل الأطراف المتصارعة الاتهام بشأن المسؤولية عن تردّي الوضع. النظام يتهم المعارضة المسلّحة الموجَّهة والمموَّلة من الخارج، وهذه تتهم النظام. والمعارضة الداخلية، هذه التي حذّرتْ من مغبّة الاحتكام إلى السلاح، تتهم الطرفين. وداخل المعارضة المسلحة، الموجَّهة والمموَّلة من الخارج كما ينبغي إعادة القول، تتعدد الفصائل وتتنافس وتتنابذ. وقد دخلت هذه الفصائل مؤخرًا في طور التنازع بالسلاح، فضلاً عن تنازعها جميعها مع جيش البلد، وراح كل منها يرمي المسؤولية على غيره ويوزع شتى التهم.
ومع استمرار التردِّي وإحكام استعصاء الحل السياسي، يمكن التنبؤ، دون خشية الوقوع في الخطأ، بأن النزاع بين الفصائل المعارضة مرشح لأن يشتد فيصير ظاهرة عامة لا فكاك منها. تتنازع الفصائل على جلد دبّ لم تظفر به. وموجهو هذه الفصائل ومموّلوها الخارجيون قد يتفقون على ضرورة مناوءة النظام، غير أنَّ لكلٍّ منهم حاجاتٍ خاصة به، ما يؤدي إلى استبعاد اتفاق الفصائل، خصوصًا أنّ لكل فصيل حاجاتٍ خاصةً به هو الآخر.
الصراع ممتد منذ ما يقترب من إكمال سنته الثانية. وفي ثنائيّ نظام ومعارضة، أفضى الصراع إلى الوضع الذي نشهده الآن. فعلى جانب، هناك نظام ظلت له مؤسساته المدنية والعسكرية، وبقيت هذه المؤسسات متماسكة. وظل للنظام وجوده في مدن الدولة وبلداتها كلّها ومعظم قراها، كما ظلت له سيطرتُه على الطرق الرئيسية من الجنوب إلى الشمال ومن الشرق إلى الغرب وقدرتُه على المبادرة العسكرية وتدمير تجمعات المسلحين الناشطين ضده الذين زادت أعدادهم على مائة ألف.
وعلى الجانب الآخر، هناك معارضات غير موحدة، لا في الفكر ولا في المستوى ولا في الوسائل ولا في الأساليب. فأطياف الأفكار تمتد ما بين الشيوعي المتطرف والاشتراكي الديمقراطي المتشدد وما بين السلفي الذي يُفكر في الحاضر بعقول الموتى الغابرين ويراه بعيونهم. والمستويات تراوح بين ما يُسمِّي ذاته حزباً أو جبهة أو جماعة وبين ما هو في واقع أمره زمرة أو عصابة.
وهناك المعارضة الداخلية وما في حكمها، هذه التي عارضت اللجوء إلى السلاح، وأطلقت بداية الحراك الشعبي الديمقراطي السلمي، وأرغمت النظام على تغيير الدستور واستبعاد مادته الثامنة البغيضة التي تجيز التفرد والفردية وأحلت محلها مواد تؤكد على التعددية. وهي ذاتها المعارضة التي أبت الإتكاء على الخارج المعادي لبلدها وليس للنظام وحده، وأبت، خصوصاً، دعوة المعارضة المسلحة إلى تدخل دول حلف الأطلسي لإسقاط النظام السوري. إنها، إذًا، المعارضة التي استهدفت مقاومة سلبيات النظام، خصوصاً سمته الفردية وقمعه الآراء الأخرى والفساد الذي استشرى في ظله، ولكنها لم تقبل تدخلاً خارجياً يُنذر بتخلّي الدولة السورية عن الإيجابي في سياستها.
وهناك المعارضة التي لجأت إلى السلاح تحت شتى الذرائع والادعاءات، والتي رهنت ذاتها للقوى الخارجية المحتاجة إلى تدمير ما هو إيجابي من منجزات سورية، المتحقق من هذه المنجزات في عهد حكم آل الأسد والمتحقق قبله. وهذه المعارضة، بإجمالها وبسيطرة الإخوان المسلمين والسلفيين الآخرين على نشاطها داخل البلد، تعرض برامج تجيز شتى أشكال التدخل العسكري الأطلسي ضد سورية، التركي منه والأوروبي والأميركي، وكذلك الإسرائيلي، وتشرعن هذا التدخل، وتنذر باتباع سياسات متهاونة في الشأن الوطني ورجعية في الشأن الاجتماعي. ويعرف القاصي والداني، المحايد منهما والمنحاز، النزيه وغير النزيه، أن السلوك الذي يتّبعه هذا النوع من المعارضة يشي بالاستعداد للتفرد والتسلط وممارسة القمع بما يفوق ممارسة النظام في هذا المجال. أما السلوك الطائفي، وبضمنه القتل على الهوية، فهو سمة تميز في نحو صارخ المعارضة التي تباشرها فصائل الإخوان المسلمين بالذات والسلفيين الآخرين. ولا يباشر السلوك الطائفي احد سوى هؤلاء.
وهناك المعارضة التي بين بين. وهذه تضمّ أشتاتاً من المجموعات والشلل والشخصيات المتواجدة في الداخل كما في الخارج. وليس لهذه الأشتات الوزن الذي يجيز التعويل عليها لتشق طريقاً ثالثاً.
هو، إذَا، نظام متماسك، وقادر على المبادرة، ومتمتع بتأييد شعبي من درجة أو أخرى، ومستفيد من توازن دولي تؤيده فيه أطراف عديدة ذات تأثير وتساعده بالسياسة والمال والسلاح. وهي، إذًا، معارضات متنوعة الطبيعة، ومتعددة السلوك، ومتنافسة ومتنابذة وموغلة، بمعظمها، في ممارسات تستفزّ الجمهور وهذه المعارضات غير قادرة على زيادة شعبيتها، بل هي غير قادرة حتى على الاحتفاظ بمستوى الشعبية الذي كان لمناوئي النظام قبل أن تتمكن الفصائل المسلحة من تهميش المعارضين الذين أبوا استخدام السلاح.
لقد ضم كاتب هذه السطور صوته منذ البداية إلى الأصوات التي حذّرت من الانسياق وراء أي أوهام، الأصوات التي نبّهت إلى أن هدف أهداف المتدخلين الذين يحركون المعارضة المسلحة هو الدفع باتجاه تدمير سورية، وليس باتجاه أي إصلاح لحالها. والآن يبدو أن استمرار التدمير هو النتيجة الوحيدة الماثلة للعيان. ومسار التدمير لن يتوقف ما لم يُعِد النزهاء المعنيون بالأمر حساباتهم ويضعوا مهمة إفشال مسار تدمير بلدهم في مقدمة مهامهم.
إعادة الحسابات توجب العودة إلى ما كان صحيحاً منذ البداية: استبعادِ الضالعين في مخطط تدمير سورية، وتحاورِ الأطراف المعنية حقاً بالاحتفاظ بما هو ايجابي في البلد وإصلاح ما هو سلبي للاتفاق على وسائل هذا الإصلاح وأساليبه. وإذا كان صحيحاً أنه ما من حاكم فرد قادر على المبادرة إلى الإصلاح دون ضغوط، فالوسيلة الوحيدة الناجعة في سورية هي هذه الوسيلة التي جرّبها مطلقو الحراك الديمقراطي، حين توخوا دفع الجمهور إلى الضغط على النظام بالوسائل السلمية، وحين اتبعوا أسلوب مراكمة المكاسب واحداً تلو آخر والبناء على كل مكسب لتحقيق الذي يليه.
ويبدو أن على أحد ما أن يهمس في آذان الديمقراطيين المخلصين حقاً للديمقراطية ممن فتنهم ضجيج السلاح، فيقول لهم إن الذين شوّهوا الحراك الديمقراطي السلمي، وهؤلاء الذين أوقعوا جمهرة المعارضين في الوضع الذي هم فيه الآن، قد توخوا من هذا خلق الظرف الذي يديم الصراع فيؤدي دوامه إلى تدمير البلد وإخراجه من معادلة القوة في المنطقة. والذين من هؤلاء يعزّ عليهم أن يعترفوا بالخطأ ويتحرروا من الأوهام مطالبون بأن يتبصّروا الوقائع العيانية، وليس الوقائع التي تصورها دعاية يمولها أعداء أي ديمقراطية.
