*كنا نراك على ثقل الأيام تشحذ من مقالع الصبر فلسفة.. تقوّي بها العزائم، وتهوّن على الآخرين ما أنت فيه... فتُعزّي وتُؤنس بدلاً منْ أنْ تُواسى على آلامك.. وكأنّ نبيّ الشعر كان يراك وهو يردّد: إن العظيم على العظيمِ صبور...*
كنّا أربعةً نحكي للأيام حكاية المصاهرة والنسب.. ننسج حروفها من حقولِ الجدّ والتعب. ونبني أطوابها على الإباء والشرف.. نسرد فرحها من ينابيع المعرفة وأخيلة ثقافة المبدعين... نمتطي صهوات اللقاء بشغف، أماسيَ الأعياد وآحاد الأسابيع.. حتى إذا أنست لنا حجارة الدار العتيقة، صارت أروقة المنزل ميادين المرابع، إليها الجوامح تأنس...
أربعة كنّا ومن حولنا ريعان الفتوّة والشباب يرقص بمهارةٍ.. يزيد علينا بهاءَ الأيام بهاءً.. فهل كثيرٌ إنْ سمّيَ ماهرًا..
أربعة كنا وكان الحبيب كبيرنا... درجْنا إلى تلك العتبات من ورائه... وقد أسّس لكل ذاك الأنسِ وذاك الحبِّ والصفاء.. فسرنا على بناتِ خَطْوه لنعطي للألفة هناك معنى الحياة. فلتشهدْ حجارة البيت العتيقة إذن، على صدى الحكاية من مبتدأ الرواية الى خبر العُمر.. فيا ليتها الأيام أبقت على رباعيتنا.. فيطول غناء قصيدها.. وشطرات أبياتها أكثر وأكثر..
على الوفاء أقمناها أيامًا، والحارسة الأمينة كالرّبان الماهر تحرّس على حبّات الدرر واللآلىء من كل سوءٍ.. ترقب مجرى الرياح حتى تسلم أشرعة الربّان.. فلا تؤذيها الرياح العاتية، ولا ترتطم براسيات الهموم. كانت تقيم لنا أعراس اللقاء من كل مشتهى حتى تطيب السويعات ونسعد... فيملأ ضوعها صدورنا... إلى أن كانت المفاجأة واقتحمت المظلمة مساكن الفرح وجعلتنا نتأرجح - طيلة عام - بين ضياء النهار وحالك الظلام.. فأدركتنا جدليّة الأيام - الحياة والموتُ.. وسهمتنا المنايا فأصْمت!
فاعذريني أيتها الأبجديّة إذا التفتّ في وقفتي هذه إلى حياتنا الخاصّة وما كان لنا مع الحبيب طيلة الأيام، فما زال مسك كلامه يسكن في النفوس ويطيّبها.
فكيف ننساك.. وماذا نقول فيك وماذا نذكر عنك.. يا أيها الإنسان الذي جعل اليراع سيف حقّ لا تنبو شفاره... وضياءَ الدنيا شراعًا للفكر، يأخذ من همس النجوم ألق الإبداع، ومن حاديات السحاب قطر العطاء.
بالأمس كنّا نستمع معك إلى الكثير الذي قيل فيك.. وما أبقوا.. فماذا يمكننا – بعد - أن نضيف إلى تلك الحالة العلمية التي عشتها؟! ولكن من يومها إلى يومنا ما زال السؤال يؤرقنا.. إن كانوا قد عرفوك كما عرفناك.. وقد عشناك وأنت تعاقر خمرة الحياة.. وما كنت تنهل من دنانها إلا العزّة والإباء والكبرياء.. حتى عندما اشتدّت حلكة الألم.. وضاقت المنافس.. كنا نراك ترقى إلى علياء الحكمة، بعد أن ألهبت سياط الوجع تضاريس الجسد.. ولكنها أبدًا ما طالت شيئًا من كبريائك ولا من تلك النفس الأبية التوّاقة للحياة.. فما توقفت لحظة عن رسم الآتي، وعن تخطيط المراحل القادمة، فلله كيف يمكن للجسد أن يخون القلب النابض بالحياة، ومساحةُ المدى آماله العراض..
كنا نراك على ثقل الأيام تشحذ من مقالع الصبر فلسفة.. تقوّي بها العزائم، وتهوّن على الآخرين ما أنت فيه... فتُعزّي وتُؤنس بدلاً منْ أنْ تُواسى على آلامك.. وكأنّ نبيّ الشعر كان يراك وهو يردّد: إن العظيم على العظيمِ صبور...
وها نحن نعيش مشوار الصبر.. نكابد ألم الفراق وحرق الحنين.. تصحبنا دائمًا الذكريات إليك... ويبقى صدى الأيام الخوالي في جعاب الذاكرة.. حتى إذا عدنا إلى أماسيَ الأعياد، وآحاد الأسابيع نضوْنا منها بعض السهام التي تعيدنا إلى تلك المطارح ومواقع الفرح التي شربنا من دنان خمرتها.. حكاية حجارة الدار العتيقة.. وطيبة أهلها لنعيشها من جديدٍ على الوفاء والتضحية والمحبة أزليّة أيامنا المتبقّية لنا من بعدك، يا أيها الكبير حبيب!!
عنهم جميعًا...
