فلسطين في اليونسكو رغم أنف إسرائيل والولايات المتحدة

single
أخيرا نالت فلسطين العضوية الكاملة في منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم ("يونسكو") بعد أن كانت عضوا مراقبا فيها، وهي عضوية تستحقها فلسطين حقا، أرضا وشعبا وتاريخا، فلطالما أسهم الفلسطينيون في إغناء الثقافة العربية، بالشعراء والأدباء والمؤرخين والباحثين والفنانين والإعلاميين والتربويين.
لقد حصلت فلسطين على هذه العضوية على الرغم من محاولات الإنكار والتهميش، التي مارستها إسرائيل، وبعض القوى الغربية الحليفة لها، التي ترى في حضور فلسطين حصارا لها وإدانة أخلاقية وقانونية للمظالم التي ترتكبها بحق فلسطين وشعبها وتراثها الحضاري. لا بل فإن هذه العضوية أتت على الرغم من تدخّل الولايات المتحدة الأمريكية التي وصلت حد التهديد بوقف حصتها في ميزانية هذه المنظمة الدولية.
حصلت فلسطين في هذه المعركة على الضمير، وعلى الحرية والعدالة، على أصوات 107 دول، وامتناع 52 دولة عن التصويت، في حين عارضها 14 دولة (بينها الولايات المتحدة وألمانيا وكندا وإسرائيل)، ما يبيّن تعزّز التعاطف الدولي مع شعب فلسطين والإدانة الدولية الواسعة للممارسات الإسرائيلية العدوانية والعنصرية والاحتلالية.
حقا لقد شكل "انتصار" فلسطين في "اليونسكو" انتصارا دوليا للحق والعدالة والحرية، لكن هذا الانتصار ما كان له أن يتحقق بدون صمود الفلسطينيين وعنادهم في كفاحهم ضد الاحتلال والعنصرية. ومن جهة أخرى يجب أن يفهم بأن  هذا الانتصار هو احد تجليات "الربيع" العربي، وأحد تجليات لحظة الضعف التي تمر فيها الهيمنة الأمريكية على النظام الدولي، واحد تجليات مسارات نزع الشرعية الدولية عن إسرائيل.
قبول فلسطين في عضوية "اليونسكو" هو أيضا نتاج الجهد المثابر والحضور الغني والفعال والمثمر لممثل فلسطين في هذه المنظمة الياس صنبر، الذي يعتبر من أبرز المثقفين الفلسطينيين؛ فهو باحث ومؤرخ ورئيس تحرير مجلة "الدراسات الفلسطينية" (التي تصدر في باريس)، وكان مسؤولا عن الوفد الفلسطيني في المفاوضات المتعلقة بحق عودة للاجئين في المفاوضات المتعددة الطرف، التي كانت انبثقت عن مؤتمر مدريد (1991)، وله مواقف مبدئية وواضحة في هذا الشأن. أيضا لإلياس صنبر مؤلفات عديدة منها : "بلاد تتنقل" و"صورة الفلسطيني".
وفيما احتفى الفلسطينيون بهذا الانجاز التاريخي، الذي ينتصر لعدالة قضيتهم ولحقوقهم، ردّت إسرائيل، كعادتها، على هذا القرار بعصبية وهستيرية وغطرسة بالغة، بثلاثة توجهات، أولها استيطاني، ويتمثل بإعلان بنيامين نتنياهو (رئيس الحكومة الإسرائيلية) عن إعطاء الإذن لبناء ألفي وحدة استيطانية (1650 منها في القدس والباقي في مستوطنتي غوش عتصيون ومعاليه أدوميم). وثانيها اقتصادي، ويتمثل بوقف تحويل الأموال الضريبية العائدة أصلا للسلطة الفلسطينية، في محاولة للتضييق على السلطة. أما ثالثها، فميداني، ويتمثل بإطلاق يد الجيش الإسرائيلي للقيام بعملية برية في قطاع غزة، بدعوى وقف إطلاق الصواريخ من قبل فصائل المقاومة الفلسطينية.
وربما ما كان بامكان إسرائيل اتخاذ هكذا مواقف، وعلى هذه الدرجة من الصلافة والعنَت، لولا الموقف الأمريكي المسبق بوقف حصّتها في موازنة "اليونسكو"، وهو ابتزاز مكشوف لا يليق بدولة عظمى، تدعي تحمل مسؤوليات دولية، وضمنها حثّ عملية السلام، فضلا عن انه إجراء لا ديمقراطي من قبل دولة تدعي الحرص على نشر الديمقراطية في العالم.
وكان مندوب الولايات المتحدة في منظمة "اليونيسكو" ألقى كلمة اتسمت بالعنجهية والغباء والحماقة، إثر التصويت على قبول عضوية فلسطين في المنظمة، اعتبر فيها أن الفلسطينيين في ذلك إنما يحاولون عبور طرق مختصرة لنيل عضوية الأمم المتحدة ووكالاتها، ما يضرّ بالمفاوضات (!) متناسيا أن الفلسطينيين خاضوا مفاوضات مضنية ومعقدة ومعذبة طوال عقدين من دون جدوى، وأن إسرائيل لم تتنازل لرئيسه (باراك اوباما) حتى على مستوى وقف جزئي للأنشطة الاستيطانية في الضفة الغربية؛ ناهيك عن أن إسرائيل هي التي تحتل أراضي الفلسطينيين،  منذ عقود عديدة، وعلى الضد من قرارات المجتمع الدولي بهذا الشأن!
الآن على القيادة الفلسطينية أن تردّ بحزم وبوضوح ومن دون أي تهيّب أو تردد على سياسات إسرائيل الصلفة والعنصرية هذه. إذ آن أوان تغيير المعادلات، مع كل هذه التطورات الحاصلة، أو التي يمكن أن تحصل في المنطقة العربية.
على ذلك لا ينبغي أن ترسل القيادة الفلسطينية إشارات متضاربة ومضطربة بشأن توجهاتها السياسية، وبشأن ما تنوي عمله، مثلا، من نوع الإشارة المتعجلة وغير المدروسة بشأن حل السلطة.
آن الأوان للحسم واتخاذ مواقف واضحة، ذلك أن "الربيع" العربي، ولحظة الضعف التي تمر بها الولايات المتحدة إزاء قدرتها على التحكم بالنظام الدولي، توسّع هامش العمل والمناورة عند الفلسطينيين. هذه لحظات تاريخية، عربية ودولية نادرة ينبغي استثمارها لإعادة بناء البيت الفلسطيني (المنظمة والسلطة والفصائل) على قواعد مؤسسية وديمقراطية وتمثيلية وعلى أساس التمسك بالحقوق الوطنية؛ بدلا من التسلّي بكلام غير مفهوم ومتردد عن حلّ السلطة.
هذا يتطلب أولا وقف التنسيق الأمني مع إسرائيل. وثانيا، إلغاء الاتفاقات الاقتصادية المجحفة معها. وثالثا، مقاطعة السلع الإسرائيلية غير الضرورية. ورابعا، حثّ المقاومة الشعبية ضدها. ودوليا، هذا يتطلب حمل ملف القضية إلى الأمم المتحدة وطلب الوصاية الدولية على الأراضي المحتلة، بدلا من تضييع عقود أخرى في مفاوضات غير مجدية وعبثية. وفلسطينيا هذا يتطلب استعادة الوحدة الوطنية وتفعيل منظمة التحرير ورسم استراتيجية سياسية ونضالية واضحة. ثمة الكثير مما يمكن عمله بعد "استحقاق أيلول" ونصر "اليونسكو".
قد يهمّكم أيضا..
featured

"انتفاضة" المأوى!

featured

لا تتحقق الديمقراطية إلا بالكفاح الحقيقي

featured

رسالة الأسير: أكتب لك، أنت الحر وأنت الحرّة

featured

ألاحتلال ومأزق سياسة الميتوس "الخرافة"

featured

توقّعوا العجائب

featured

السنة الجديدة تبدو مثل السنة الراحلة

featured

"أَرْضُ الأُمِّ"