"أَرْضُ الأُمِّ"

single

كانت تُسمَّى لوبيا صارت تُسمَّى لوبيا

  • مهما تغيَّرت الأسماء وتبدَّلت حُلل المكان ولغة ساكنيه، فالأرضُ لا تنسى أهلَها ولا لغتَها، وتبقى في حوار وسجال مع أبنائها الأصليِّين، لتذكِّرهم بأنَّها تذكُرهم وتُحبُّهم وتعشقُهم وتشتاقُ إليهم

عندما سألتُها، بحضور أبنائها، عن مكان سُكْناها أجابتْني بأنَّها عادت إلى بلادها بعد أن قضت فترةً طويلةً في الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة، ما بين الدِّراسة والعمل، أجابت سائلةً: أسكنُ في ﭼيڤعات أَپني، هل تعرف المكان؟ أجبْتُها بالنَّفي، فأرادت أن تساعدَني متسائلةً: هل تعرف أين يقع موشاڤ لاپي؟ نحن على التَّلَّة المقابلة له، إنَّه يقع شرقي تقاطع غولاني.
لم يحتقنْ الدَّمُ في شراييني، لكنَّ سريانَه تسارعَ في عروقي بانسجامٍ مع نبضات مضخَّةِ جسدي، وعندها قرَّرتُ تهدئة دورتي الدَّمويَّة، كي أستطيعَ أنْ أفسِّرَ لأبنائها، على الأقل، وبطريقة التفافيَّة، "حتَّى لا أُدخِلُ السِّياسة" في حوارنا العاديِّ، ما هو هذا المكان..
قلتُ لها: أنا لا أعرف أين يقع  موشاڤ لاپي، لكنِّي أعرف ماذا كان قبل بنائه ومن هم سكَّانه الأصليِّين..
لقد كانت قرية لوبيا، أكبر قُرى قضاء طبريَّا، لواء صفد، الواقعة شرقي مفرق مسكنة، ما بين النَّاصرة وطبريَّا، عامرة بأهلها وطرقها وبيادرها ومعاصرها ومدارسها وزراعتها وقويَّة بالقرى التي تجاورها، الشَّجرة وكفر سبت والمنارة وحطِّين ونمرين وطرعان، حتَّى عام الكارثة..
لقد سقطت لوبيا بعد سقوط النَّاصرة، وأقيمت هذه المستوطنة على أراضيها بعد احتلال القرية بعام واحد. وقبل عشرين عامًا بُنيت مستوطنة أخرى، تقابلها في المكان، باسم ﭼيڤعات أَپني.
سقطت لوبيا، ورحَّلوا بشرَها وهدَّموا حجرها وقلعوا شجرها، وزرعوها بأحراشٍ من أشجار الصّنوبر لتغطِّي معالم القرية المُدمَّرة وسكَّنوا فيها الغريب ليبني من حجارتها "قلاعه". قبَّح الله وجه الغريب، وأعاد لنا التِّين والزَّيتون والصُّبَّار والزَّعرور والسِّنديان وسهول القمح، التي اشتُهِرت بها..
فمهما تغيَّرت الأسماء وتبدَّلت حُلل المكان ولغة ساكنيه، فالأرضُ لا تنسى أهلَها ولا لغتَها، وتبقى في حوار وسجال مع أبنائها الأصليِّين، لتذكِّرهم بأنَّها تذكُرهم وتُحبُّهم وتعشقُهم وتشتاقُ إليهم وأنَّها لن تنساهم لأنَّها على لقاء حتميٍّ معهم، ما دامت تهبُّ على أرضها النَّسائمُ العطرة وتضيئُها شمسٌ تُشرِق من وراء الجبال الصَّامدة وتغْرُبُ مستحمَّةً في بحر الشَّام.

  • أيدي الفلاحين


في رواية الكاتب السوفييتي تشينغيز آيتمتوف "أَرْضُ الأُمِّ"، تتحدَّث الأرضُ إلى ناسها ص 107: لا حاجةَ لي بخلافاتِكُم،  إنَّني أحتاج إلى تصادقِكُم وعملِكُم! ابذروا حبَّةً واحدةً فأعطيكم مائةَ حبَّةٍ، أغرسُوا نصبةً، فأنمِّي لكُم شجرةً، ازرعُوا حديقةً فأغمرُكُم بالثِّمارِ، ربُّوا ماشيةً فأكونُ لكُم عُشبًا، ابنوا بيتًا فأكونُ لكُم جِدارًا. تناسلوا تكاثروا فأكُون لكُم مأوىً رائعًا.
فتقول لها تولغناي ص 108:..تري أنَّ الحرب تقتلُ أفضلَ شغِّيلتكِ، أفضلَ رجالكِ، أنا لا أقبلُ بهذا ولن أقبلَ به مَدَى الحياة! إنَّ النَّاس يستطيعون، بل يجب عليهم أن يسدُّوا الطَّريقَ على الحرب. فتجيبُ الأرضُ مناديةً:..إنَّني أشتاق أشدَّ الاشتياقِ إلى أيدي الفلاحين، وأبكي، أبدًا..أين انتُم يا حارثيَّ؟ أين انتُم يا زارعيَّ؟ هبُّوا يا أبنائي زُرَّاعَ القمحِ، أقْبِلوا ساعدوني، فأنا اختنقُ، أموتُ! لكنَّهم لا يجيبون على ندائي..   
بعد ذلك سألتُ الزَّائرةَ عن المدرسة التي يدرسُ أبناؤها بها، بعد أن رأيتُ اسم المدرسة منقوشًا على صدورهم، فقالت لي يتعلَّمون في مدرسة زراعيَّة على سفوح جبل الطُّور، "كان قد درس بها رئيس الحكومة السَّابق يتسحاق رابين"، فقاطعتُها: ذكَّرْتِني بالمطربة يافَه يرْكُوني، التي رحلت عنَّا هذا الشَّهر، حيث أنَّها حين قامت بمصافحة رئيس الحكومة نتنياهو، عندما أراد تسليمَها جائزة الدَّولة، وضعت بيده رسالة كتبت عليها "سِرْ بخُطى رابين"..
خَرَجَت الزَّائرةُ وأبناؤها، بعد أن أنهت الزِّيارة بسرعة فائقة، حتَّى لا أتابعُ غضبَها
وإغضابَها بفتح جرحِ شعبي النَّازف والدَّامي..
أظنُّ أنَّني وضعتُ نِقاطي وحروفي التَّاريخيَّة على حُروفِها الوهميَّة، وأضأْتُ قنديلاً
منيرًا في نفق أبنائها الذي أراده آباؤهم أن يكونَ أو أنْ يظلَّ مُعتِمًا.

 

  • صحوة يافه يركوني


لقد صرَّحت يافه يركوني في مقابلةٍ معها عام ألفين واثنين، في برنامجٍ إذاعيٍّ لرازي بركاي، راديو غالي تساهال، بأنَّها تدعم وتؤيِّد ظاهرةَ رافضي الخدمةِ العسكريَّةِ وأنَّه على الحكومةِ أن تقرِّرَ العودةَ إلى حدود الرَّابع من حزيران مقابل السَّلام. "تقع دولة إسرائيل أمام هاوية، بدون قيادة" وتتابع "إذا لم يطرأ تحسُّن على الوضع، فسوف أنصحُ أحفادي بترك البلاد"، "نحن شعب عانى من الكارثة فكيف نستطيع أن نتصرَّفَ هكذا".
أصوات تنادي وتغنِّي للسَّلام (مع أنَّها غنَّت للاحتلال سابقًا) لكنَّها وصلت إلى قناعة عَسَى يصلها جميعُ من يشاركنا الوطن، حتَّى نصل إلى هدفنا المنشود، السَّلام العادل والثَّابت كما تنصُّه المواثيق الدُّوليَّة، ونسلم من شرِّ الحروب الحاقدة والمدمِّرة.
تُرى كم من هدمٍ ودمارٍ وطردٍ ونفيٍّ وتهجيرٍ وتكسيرِ عظامٍ سيعيشه شعبي، حتى تصل إليهم هذه القناعة البديهيَّة التي توصَّل إليها كلُّ احتلال.. 
إلى متى سينزِف هذا الجُرح الدَّامي حتى تعودَ لوبيا عامرة، حتَّى تنبت من جديد، السَّنابل الصَّفراء النَّضِرة ذهبيَّة اللون والملمس! ويخرجَ المارُّ "من قمحِنا من ملحنا من جرحنا"..حتى تعود لنا سهول اللوبياء الخضراء الخصبة، ونستعيد سهوب اللبؤة الواسعة لترتع بها وتبقى ملكةَ المنطقةِ بزئيرها..
كانت تُسمَّى لوبيا صارت تُسمَّى لوبيا وستبقى على هذا الاسم، لأنَّها ابنة "سيِّدةِ الأرضِ، أمِّ البدايات أمِّ النِّهايات.. 




يافه يركوني: أرفضوا الخدمة!

قد يهمّكم أيضا..
featured

في المسألة السورية

featured

هجمة أمريكية إمبريالية مجدّدة على أفغانستان

featured

Apocalypse "داعش» والحليف الأميركي

featured

أنقرة وواشنطن من التعاون إلى التنافس

featured

العبرة من أحداث رام الله

featured

الشعب الفلسطيني مع شقيقه المصري!

featured

" تساهل ما بيستاهل"

featured

هي ليس أية مدنية!