لا تزال تفاعلات أحداث رام الله مستمرة. أمس سارت مظاهرة من احد مراكز المدينة حتى مقر الرئاسة في المقاطعة، وخلافًا لسابقاتها فلم يتعرّض مشاركوها والصحفيون الذين غطوها الى اعتداءات وتطاولات من قبل أجهزة وعناصر الأمن الفلسطينية. وهذا يؤشّر بقوّة على أنه كان بالامكان تفادي الاعتداءات المعيبة لعناصر الأمن على المتظاهرات والمتظاهرين يومي السبت والأحد الأخيرين.
بطبيعة الحال، فإن شكل التعاطي الفلسطيني الرسمي، أمنيًا، مع المسيرة أمس متأثر بالاحتجاج والغضب الكبيرين على ممارسات القمع. وهو موقف عبرت عنه أحزاب وفصائل وهيئات شعبية ومنظمات حقوق إنسان فلسطينية، إذ دانت محاولات خنق حرية تعبير المتظاهرين عن آرائهم بشكل سلمي ضد استقبال نائب رئيس حكومة اليمين شاؤول موفاز في المقاطعة، وأكدت على وجوب اجراء تحقيق فيما جرى. هنا نشير باهتمام الى بيان الرئاسة الفلسطينية الذي أكد "قدسية حرية التعبير" وأعلن عن تشكيل لجنة تحقيق تحت مسؤولية وزارة الداخلية الفلسطينية.
من نافلة القول ان هذا الشعب الفلسطيني الصامد والمقاوم للاحتلال لا يمكنه السماح بإنتاج "آلة قمع وطنية"، ومن حقه وواجبه أن يرفض استنساخ ممارسات "أمنية" تذكّره – من حيث بطشها وليس دوافعها بالضرورة - ببعض موبقات أجهزة "أمن" الاحتلال الاسرائيلي البغيض.
من المهم جدًا أن يتم استخلاص العبر اللازمة من هذه الأحداث، وهذا مشروط بإجراء تحقيق جدي وشفّاف وتحديد المسؤولين عن قمع المتظاهرين الفلسطينيين، والقيام بخطوات تأديبية وعقابية حقيقية بحقهم فيما لو ثبت وجود أي تقاعس أو اهمال أو إخلال بالأنظمة الملزمة من قبلهم.
قد لا يتفق المرء بالضرورة مع جميع مطالب وشعارات المظاهرات والمسيرات، ولكن هذا لا يغيّر من وجوب احترام حق التعبير السياسي لمختلف فئات وشرائح الشعب الفلسطيني. هذا مركّب أساس في المناعة المجتمعية والحصانة الوطنية لهذا الشعب، ومن المحظور تركه يُدار وفقًا لاعتبارات ومعايير المسؤولين الأمنيين. وكما قيل مرة: الأمن قضية خطيرة الى درجة يُمنع ابقاءها رهن أيدي الأمنيين!
نحن نأمل ونثق أن المستويين، الرسمي والشعبي، الفلسطينيين قادران على تحويل الأحداث المؤسفة الى تجربة سياسية مفصلية يُستفاد منها لما هو في صالح الدفاع عن الحريات والمواقف والحراك السلمي ضمن القانون.
