رقصة النّصر

single

لم أمارس الرّياضة الجسديّة محترفا أو هاويا ما عدا رياضة المشي يوميّا، في أحضان الطّبيعة، التي تنشّط جسدي وذهني وتربطني بالشّجر وبالزّهر وبالطّير وبالفراشات وبالنّحل وبالعبير وبالنّسيم العليل وتكحّل عينيّ بالأفق حيث تعانق السّماء البحر وتقبّله. ووجدتُ نفسي، ولا أدري السّبب، أنفر من بعض ألوان الرّياضة الخشنة مثل المصارعة والملاكمة ولا أنجذب إلى ألوان رياضيّة راقية تحتاج إلى مهارات عالية مثل كرة السّلة وكرة اليد وكرة الطّائرة والغولف، وأهاب التّزلج على الثّلوج كما أهابه على الأمواج العالية، وأكره مصارعة الثّيران، وأنتشي حينما أرى أعزّ مكان في الدنيا، وأبتسم عندما أشاهد عدو الجمال.
أعشق لعبة كرة القدم على الرّغم من أنّني لم أمارسها ولم أعدُ يوما وراء طابة جلديّة في ملعب. أشاهد المباريات بل إنّني مولع بمشاهدتها، وكنتُ في سنوات خلت، عندما كانت رائحة الجنّة في الشّباب، أرتاد الملاعب وأجلس على المدرّجات لأشاهد المباريات السّاخنة وأصفّق بحماس عندما يسجّل فريقي هدفا، ولكني لا أفعل هذا اليوم، ولا علاقة لهذا بعمري بل يعود السبب إلى ما سمعته قبل سنوات من شتائم قذرة للاعبين والمدرّبين والحكّام كانت تهطل مثل المطر الغزير طيلة دقائق المباراة، بسبب (وهل هناك سبب؟) وبدون سبب وكأنّ الشّتائم جزء من المباراة، ومنذ ذلك اليوم حرّمتُ على نفسي دخول الملاعب. واسمحوا لي أن أثني على جماهير الكرة في الضّفّة الغربيّة الذين لا يشتمون ولا يلعنون، وحبّذ لو أنّ شبابنا في النّاصرة وسخنين وكفر قاسم ورهط يتعلّمون الذوق والآداب في الملاعب من شبّان وشابات بلدة يطّا مثلا، فللأذن حقّ وللأخلاق حقّ ولأخواتنا حقّ ولهواء الوطن حقّ.
أقضي ساعات طويلة ممتعة في بعض الأيّام وأنا أشاهد البثّ المباشر لمباريات كرة القدم على شاشة التّلفزيون، كما أترقّب وأنتظر المباريات المثيرة مثل مباريات المونديال وبطولة أوروبا والكلاسيكو السّاخن بين فريقيّ برشلونة وريال مدريد، هذين الفريقين العظيمين. أنا برشلونيّ الهوى وتشدّني الكرة وتُنسيني الدُنيا وهمومها وهي تنتقل من قدم السّاحر ميسي إلى تشابي إلى إنييستا إلى بدرو إلى داني ألفيس إلى فابريغاس فبيكيه فنيمار. هؤلاء اللاعبون مهندسون وفنيّون وعازفون ماهرون. وهواي لبرشلونة لا يضع غشاوة على عينيّ حينما أشاهد رونالدو وكريم بنزيمه المتألّقين.
أحرص على مشاهدة مباريات فرق شهيرة مثل بايرن ميونخ ومانشستر سيتي وتشيلسي وأرسنال ويوفنتوس كما أنّ هناك منتخبات رائعة مثل منتخبات البرازيل والأرجنتين وإسبانيا وإيطاليا وألمانيا. وأعتزّ وأفتخر باللاعبين العرب في الفرق الأوروبيّة، وأفرح وأضحك ملء صدري حينما أشاهد اللاعبين يرقصون رقصة النّصر بعد تسجيل الأهداف وهي رقصات خاصّة أحلاها وأجملها الرقص البرازيليّ والرقص الإفريقيّ.
يُحزنني في السنوات الأخيرة تراجع مستوى هذه اللعبة في العالم العربيّ فلن يشارك هذا العام في المونديال سوى فريق عربيّ واحد هو فريق الجزائر بينما شارك في المرّات السابقة فرق عربيّة من مصر وتونس والمغرب والعراق والسّعوديّة والإمارات. هل الأوضاع السياسيّة وعدم الاستقرار أدّيا إلى ضعف فرقنا ولاعبينا؟
واسمحوا لي أن أحلم وأتساءل: متى سنشاهد فريق فلسطين يرفع العلم الوطنيّ في المونديال؟
لا بدّ أن يتحقّق هذا الحلم بعد الاستقلال القريب. وشبّاننا قادرون على ذلك.

قد يهمّكم أيضا..
featured

جدي من هذه المدينة

featured

اسرائيل والاستيطان

featured

نتنياهو و "الحلول" البلطجيّة!

featured

أشهر من الحمص؟!

featured

... أُمِ القَطَف

featured

الساعة تتوقف في نابلس

featured

الإنتخابات في ظل السلطة

featured

ولـّت "البوشيّة" وبقيت الداروينيّة!