في ظل استمرار حالة التردي الذي وصلت له الاوضاع على الساحة الفلسطينية وطالت كافة المستويات الخارجية والداخلية على حد سواء، وقد بات يهدد استمرارها ليس فقط المشروع الوطني الفلسطيني بل مجمل التكوين المجتمعي الفلسطيني، في ظل هده الاجواء التي تزداد قتامة من يوم لآخر يبحث الفلسطينيون عن سبيل ومخرج لهذه الازمة ، ويجمع الفلسطينيون على أن ما اوصل القضية الفلسطينية لهذه الحال من التردي تقع مسؤوليته بالاساس على الفصائل المتحكمة بدفة القرار السياسي الذي يقود الانقسام ويعمل على استمراره باشكال شتى ، ولايعفي الشعب الفلسطيني القوى الاخرى من المسؤولية عن هذا التردي لكن من منظور مختلف يكمن في طموح الناس لدور اكثر فعالية لهذه القوى لما لها من تاريخ ومكانة في مسيرة الكفاح الوطني الفلسطيني، وتعبيرا عن ذلك تتصاعد المطالبة والحاجة في نفس الوقت لوحدة قوى اليسار الفلسطيني أو على الأقل تطوير العلاقة التنسيقية ما بين مكوناته وتياراته المتعددة ، والمتتبع للوضع الفلسطيني الراهن يلمس الحاجة لمثل هذا الامر ولا أبالغ إن قلت ان وحدة قوى اليسار وتعزيزها في إطار جبهة موحدة لليسار الفلسطيني غدت مطلبا جماهيريا واسعا يؤمل في ان يسهم ذلك في إخراج الوضع الفلسطيني من مأزقه الذي يعيش ،إن الرغبة هذه تتنامى على وجه الخصوص من الفئات الاجتماعية الواسعة التي يحلو لتيارات اليسار التغني بأنها المعبّر عن طموحاتهم ، خاصة وأن العوامل التي تدفع نحو وحدة اليسار الفلسطيني كثيرة ليس أقلها أنه بالرغم من تنوع تياراته إلا انه يسار ماركسي بالدرجة الأولى وإن كانت توجهاته السياسية تتباين بين الحين والآخر، لكن بتفحص بسيط يمكن للمرء أن يكتشف دون عناء أن الرؤى الاجتماعية والفكرية لهذا اليسار متقاربة ، فاليسار الفلسطيني تتراوح جذوره بين الجذور الشيوعية ويمثلها حزب الشعب الفلسطيني كامتداد للحزب الشيوعي الفلسطيني ، بالاضافة للتيارات اليسارية التي تعود بجذورها الى القومية العربية وسلكت طريقا معقدا للتطور الفكري باتجاه الماركسية وتمثلها كل من الجبهتين الشعبية والديمقراطية، ويضاف لهذه القوى تيارات وقوى اعتمدت المنهج المادي الجدلي خلال صيرورة التطور التي سلكتها، كماينتمي لهذا التيار أيضا أعداد واسعة من المثقفين التقدميين والنشطاء الذين لا صلة تنظيمية لهم مع تنظيمات اليسار بسبب الأزمة التي يعاني منها اليسار ومدى قدرته على التصالح مع هؤلاء النشطاء في مجال القدرة على الاستيعاب في اطار من الاحترام المتبادل ،إن تنظيمات اليسار هذه تقاربت بشكل كبير خلال مسيرة الكفاح المشترك من أجل التحرر والاستقلال، لكنها وإن تلاقت في المفاهيم حول القضايا الاجتماعية، نجدها لم تحس ملامستها لهذه القضايا وتجعل منها قاسما للعمل المشترك بين صفوف الجماهير، وهكذا نجدها قد عجزت وما زالت بتقديري عن الجمع الناجح بين المهام الاجتماعية والديمقراطية وبين مهام التحرر الوطني وخصوصياته، بهذا المعنى ليس من الصعب معرفة الخصائص المشتركة التي تميز اليسار عن سواها من القوى لكن الأمر الصعب والذي يحتاج إلى إبداع وتطوير، يتمثل في القدرة على ترجمة مفاهيم اليسار والنضال من أجل تطبيقها في الساحة الفلسطينية واشراك القوى الاجتماعية ذاتها التي يدافع عن مصالحها اليسار ، بدون شك عملية شائكة ومعقدة لا أرى أن واقع اليسار الحالي قادر على الاضطلاع بها طالما لم يعد تجديد نفسه تنظيميا وفكريا ويجيد الجمع الناجح بين ما هو اجتماعي وما هو وطني.
نقول هذا مع إدراكنا الشديد أن عوامل عدة أثرت على مكانة ودور اليسار الفلسطيني، أدت إلى تراجعه الشديد في الساحة الفلسطينية، فقد كان لانهيار الاتحاد السوفييتي وبلدان المنظومة الاشتراكية دور هام في تراجع مكانة اليسار ليس فقط الفلسطيني بل العالم أجمع، ومع هذا الانهيار المدوي انهارت كل العقائد الجامدة التي طغت على هذه التجربة لسنوات طويلة، وفي ظل ذلك تم التعامل مع الفكر الاشتراكي التقدمي وكأنه عقيدة جامدة أصابته فطالت سهام الغدر كافة المستويات، وقد بدأ الفكر الليبرالي ينمو ويروج بشكل متسارع ليس فقط من أجل اغراق البشرية في المفاهيم الاستهلاكية بل عمل على تصفية الحساب ليس مع التجربة السوفييتية فحسب بل مع مجمل الفكر الإنساني التقدمي وجوهره الماركسي ، في أثناء هذا الصراع الفكري انتعش في العالم العربي بشكل متزايد الفكر الديني الأصولي ، كما تنامت نزعة المحافظين المسيحيين في الولايات المتحدة الأمريكية وامتدادها في العالم.
إن انهيار الاتحاد السوفييتي هذا أثر في مجمل العلاقات والتحالفات الدولية وكان من الطبيعي أن يكون لذلك انعكاسات سلبية على مجمل دور ومكانة اليسار، بل في إرباكه ليس على الصعيد العالمي فحسب، وقد امتد ذلك ليطال كل المنتمين لهذا التيار الفكري ولم تكن قوى اليسار الفلسطيني بمنأى عن هذه التأثيرات والانعكاسات السلبية، ومع هذا الارتباك ارتبكت أيضا المعالجات الفكرية لهذا التغيير الحاد الذي تعرضت له المنظومة الفكرية والسياسية. وبات خطابها يفتقد للتماسك والثقة اللذين اعتادت عليهما الجماهير من هذه القوى مما أثر سلبا عليها وعلى جمهورها بطبيعة الحال ، هذه التغيرات تزامنت مع تغيرات في الخرائط الجيوسياسية على الصعيد الإقليمي تمثلت بحرب الخليج الأولى والثانية وتراجع دور القوى ليست اليسارية فقط بل القومية أيضا على الصعيد العربي وهذا بدوره أرخى بظلاله السلبية على مكانة اليسار الفلسطيني ودوره ، هذا علاوة على ما سبق من تأثيرات تمثلت بخروج المقاومة من بيروت التي مثلت على مدار عقدين من الزمن مكانا هاما لنشاط اليسار الفلسطيني سياسيا وفكريا ليس فقط على الصعيد الفلسطيني بل امتداده على الصعيد العربي والعالمي أيضا.
إلى جانب هذه التأثيرات جاء نشوء السلطة الفلسطينية ليشكل منعطفا مفصليا في تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية، وفي هذا المنعطف فشل اليسار الفلسطيني في اجتراح الإبداع في التعامل مع هذا المتغير وبقي أسيرا في تفكيره وممارساته لحالة ما قبل هذا المنعطف ، فنشوء السلطة الوطنية فرض تحولات هامة على الصعيد السياسي والاقتصادي والاجتماعي ، وباتت متطلبات أداء السلطة تجاه الجماهير تشابه إلى حد كبير متطلبات الأداء في الدول المستقرة المستقلة كما أن متطلبات المجتمع وخدماته وقضاياه باتت مطلوبة من السلطة وليس من الاحتلال .
هذا الواقع خلق تداخلا وتشابكا بين القضايا الوطنية والاجتماعية، وفي هذه الحالة ، اليسار لم يعر القضايا الاجتماعية الاهتمام المطلوب وبقى خاضعا لمفهوم ومبدأ أولوية الصراع الوطني على الصراع الاجتماعي الديمقراطي، هذا بالرغم من أن قوى اليسار نظريا أدركت حقيقة هذا التداخل في المهام إلا انها لم تعط النضال الاجتماعي والديمقراطي الأهمية التي يستحقها ، وبقيت مواقفها من الصراع أو التحالف السياسي محكومة بالاستعلاء أو الاستخفاف بالنضال الاجتماعي الديمقراطي. ولم يقدم اليسار أي معالجة ملموسة للقضايا المجتمعية المتنوعة بل ان منظماته الجماهيرية وأطره النقابية أفرغت من محتواها فهي إما تحولت إلى منظمات NGOZ أو إلى أطر نقابية مرتبطة بالسلطة، وبذلك فقد أخلى اليسار دوره في هذه العملية إما لحركة حماس التي استغلت هذا الفراغ بشكل محكم أو لمنظمات حقوقية أخرى، أو في المراهنة على السلطة ذاتها في تصويب أدائها ، وبذلك فإن أداء اليسار هذا بكل تياراته وقياداته لم يكن مقنعا للجمهور سواء عندما تحالف مع السلطة أو حين قام بمعارضتها. واستمر دور اليسار في المراوحة حينا والتراجع حينا آخر، ولقد جاء نجاح حركة حماس في الانتخابات ليؤكد مثل هذا التراجع ، ولكن يمكننا القول ان سيطرة حركة حماس على قطاع غزة بفعل الانقسام وتداعياته التي باتت تفرز بشكل يومي تعديات وانتهاكات لحقوق المواطنين وحرياتهم ومجمل المسيرة الديمقراطية في غزة والضفة على حد سواء فتحت الطريق لليسار بأن يستنهض همته ويستعيد مكانته بين صفوف الشعب ويعمل على مغادرة حالة المراوحة خاصة في ظل ما يواجهه المواطن من مصاعب تطال مختلف أوجه حياته ، إن هذه الحلقة لم يلتقطها اليسار بشكل جيد حتى الآن بالرغم من بعض المحاولات إلا أنها ما زالت قاصرة ولم تصل للمستوى المطلوب بعد ،وما زال حتى الآن يراوح مكانه أسيرا لردات فعل ومواقف لم تتبلور كسياسة متكاملة حتى الآن لذلك بقي اليسار في مربعه الذي لم يغادره بعد .
رغم ذلك إن قوى اليسار الفلسطيني سعت في محطات معينة للتمايز في ظل حالة الانقسام الراهن لكنها لم تنجح كما يجب في إبراز هذا التمايز لدرجة تمكنها من أن تتحول إلى قطب يحدث التوازن المطلوب، رغم أن برامجها سعت لذلك في معالجتها للقضايا الديمقراطية وقضايا الكادحين والفقر، والبطالة والشباب والعمل النقابي، إلا أن ذلك اقتصر على نشاط بين هذه الفئات وعلى نشاط مناسباتي لا أكثر. وبقيت المحاولات التي تبذل في هذا الإطار غير قادرة على الايفاء بالغرض.
في الختام بالرغم من مرارة الانقسام واستمراره على الساحة الفلسطينية وأثر ذلك على المجتمع الفلسطيني والمشروع الوطني والاجتماعي برمته ، أقول رغم المرارة فإن هذه كلها تمثل ظروفا موضوعية تدفع بتزايد الحاجة لوحدة اليسار الفلسطيني ، لكن الظروف الذاتية لهذه الوحدة لم تنضج كما يبدو بعد ،وأعتقد أن ذلك يحتاج لجهد لكن لا بد من البدء بخطوات متدرجة على هذا الطريق نحو تشكيل جبهة موحدة لليسار الفلسطيني تتجه لقيام حزب موحد لليسار الفلسطيني، يبقى من المهم القول ان المحاولات المبذولة في هذا الاتجاه هامة على هذا الطريق لكنها ما زالت بطيئة بل أقرب إلى التعثر المحكوم بغياب البرنامج العملي الذي يستجيب لتحديات الواقع.
*عضو المكتب السياسي لحزب الشعب الفلسطيني
