كيف يستطيع أن يكون حرًا من لا يملك من أساس الحرية المادي شيئًا وكيف له أن يرقى إلى المطالب الروحية من كان خاوي البطن والجيب؟
جاء في كتاب «الحرية والمسؤولية» تأليف (كوسولابوف وماركوف): «أن مصير شعار الحرية غريب غرابة غير عادية، إنه، وهو القريب إلى قلب كل إنسان يبدو للوهلة الأولى واضحًا أشد الوضوح بالنسبة إلى العقل أيضًا، ولكن تجربة الأجيال الكثيرة تشهد على أن هذا الوضوح ليس سوى وهم من الأوهام في بعض الأحيان». وقد حذر فلاديميير ايليتش لينين منذ عام 1919 من أن الرأسمالية «سترفع ضدنا راية الحرية» (لينين، المؤلفات الكاملة، المجلد 38، ص347).
ويستشهد الكاتب بقول (غومولكا) القائد البولوني «من المضحك أن الذين يعلموننا معنى الحرية هم أولئك الذين داسوها، ويدوسونها بمنتهى الوقاحة». (البرافدا: 21 تموز 1963).
ويرى المؤلفان: «أن أمام الحركة الثورية للشغّيلة يكون شعار الحرية في المجال الدعائي المباشر، أشد لزومًا بالنسبة للمستثمرين منه إلى البروليتاريا، وإلى الدولة التي جاءت بها الطبقة العاملة إلى السلطة»... ويمكنني أن أضيف... وإلى كل دولة يشعر المستعمرون والرأسماليون أنها صامدة أمام مؤامراتهم في انتزاع الثروات الوطنية، أو القرارات التي تخدم رأس المال المالي الصهيوني غالبًا أو إرادة إسرائيل والصهيونية العالمية». لهذا وفي حالة سعي الأمم المضطهدة لتثبيت استقرارها المالي والسياسي حتى لو لم يكن في الخط الاشتراكي الحقيقي، فيكفي أن تكون في خط وطني أو قومي صحيح حتى ترى أن ذئاب الرأسمالية ممثلة بأميركا والدول الأوروبية الرأسمالية الأخرى، تترقب كل حال ومجال وتحاول اختراق الحصن الطبقي والوطني والقومي، وما يمثله من ممانعة وصمود أمام إرادة الكارتيلات المتنوعة التي تمثلها الشركات العالمية. ولا ننسى شعاراتها التي تضيق أو تتسع باسم الحرية.. فهي تحاول البلعمة في أسواق العالم الثالث لربط شرايين الأمم الضعيفة إلى مضخات نهب الدولار الواسعة، امتصاصا لثروات دول تراها الحكومات الرأسمالية سوقا زراعية من جهة وسوق تصريف لبضائعها من جهة أخرى وأي وقوف في وجه المخترق الرأسمالي، وأي ممانعة فلا بد من أن تواجه بأخطر الشعارات التي هي صورة حق يراد بها باطل وأهمها شعار الحرية. وإذا كنا نتابع الإعلام الرأسمالي والإعلام التابع له في دول العالم الثالث غير متناسين السيطرة اليهودية والصهيونية عليه (مردوخ مثلا) والإذاعات العميلة فكيف لانرى الشكلية التي تدعي الإنسانية في المظاهرات التي اجتاحت وتجتاح شوارع أوروبا وكيف يتم قمعها وهي مظاهرات محقة في مطالبها ولا نرى الإذاعات المأجورة أو الحكومية شرقًا وغربًا تتصدى لما يجري: ومظاهرات اليونان وبريطانيا مثال لذلك. وإن كان التوجه نحو العالم الثالث بشعار الحرية هذا الشعار العظيم الذي لا أراه يتحقق إلا بمقومات الحرية الحقيقية التي تعني حقوق الإنسان المادية (مأكل مشرب ملبس مسكن) والروحية (الثقافة والابداع والتعبير الحر المسؤول) وفي سبيل ذلك يتناسى قادة وإعلاميو وعملاء الاستثمار والاستعمار، ما نراه أمامنا. فمن يملك كل شيء فهو حر في كل اتجاه. فكيف يستطيع أن يكون حرًا من لا يملك من أساس الحرية المادي شيئًا وكيف له أن يرقى إلى المطالب الروحية من كان خاوي البطن والجيب، ويكفينا أن نرى أكواخ الصفيح في دوائر المدن الرأسمالية وهل يكفي حق الاضراب لينال العامل الغربي حريته وهل تقاس حرية المتسول في حي هارلم في «نيويورك» بمالكي البورصات في «وول ستريت».
لهذا تطالعنا ديماغوجيا الإعلام الرأسمالي والمأجور من جهة خارجية، ومطالب العملاء والمأجورين في الداخل الذين يدخلون ساحة المطالب الإنسانية الحقة، مستغلين ما يدور في الوطن من أحوال سياسية واجتماعية فيركبون الموجة المتجهة إلى صدق الحياة ويقودون من مستنقع الفساد الذي وقعت فيه بعض السلطات في أكثر بلدان العالم الثالث دون حساب للمواقف القومية والوطنية التي تمثلها بعض الأنظمة التقدمية. وحساب مشاكلها مع الرأسمالية والصهيونية من جهة ومع تطوير الواقع الاجتماعي والسياسي والإنساني لشعوبها.
وفي نظرة إلى ما يجري لابد أن نرى أن فاعلية القوانين التي تصنعها الحكومات في المجتمعات المتنوعة توازي دائما الواقع الطبقي لتلك السلطات بما يتناسب ورؤاها من منظور طبقي أيضًا ومع كل ذلك يمكننا أن نتجاوز بعض الحقائق العامة خصوصا في واقع القضاء مثلا فكلما كانت القوانين في مصلحة الإنسان كإنسان وكلما كان القضاء عادلا وبعيدًا عن مؤثرات السلطة التنفيذية، اقترب من الحق الذي يمثله. ولهذا كان في شكلية الدعوة البرجوازية وإتماما لمصالحها فصل السلطات ولسنا ضد ذلك لكي يكون التحرك نحو الحقوق أقرب إلى الواقع. ويرى ماركس: «أن الإنتاج الاجتماعي هو القاعدة المادية لرفع درجة حرية الإنسانية تجاه الطبيعة فإن مملكة الحرية غير ممكنة إلا بإعادة بناء كبيرة ونوعية للعلاقات الاجتماعية وللإنسان نفسه». (من كتاب الحرية والمسؤولية ص 76).
أما إذا كانت راية الحرية راية سياسية فقط فإنها ركض في الفراغ، والحرية المطلقة بلا حدود هي ضرب من الضياع لأن حدود الحرية الشخصية للأنا تقف عند حدود الحرية الشخصية للآخرين وهذا ما يجعل للحرية حدودًا في وجهة الأهداف أما في واسع الدلالة فإن الحرية بنت النضال في سبيل مجتمع العدالة والكفاية، آنذاك يصبح الشعار الأمثل «خبز وسلم وحرية» وهذا ما يقلق بالتأكيد الدول الرأسمالية خارجًا والعملاء داخلا.
* كاتب سوري
