كما الشتاء الغزير رحل ترحل أنت

single

الراحل د. إميل خوري

  • كلمات في رحيل الطبيب د. إميل خوري


ابتسامة وتفاؤل كنهر دجلة بماضيه العريق فعندما يفيض تتغير ملامحه، وعلى ضفافه تزهو الطبيعة بجمالها، فجاءت الأيام لتسجل جفافا على هذا الوجه النادر بتعابيره الصادقة، ولتغيب مسحة الابتسامة الهادئة، ونبقى مع عينين صغيرتين براقتين تشع بالدفء والدماثة.
ترحل يا ابا رامي مبكرا، وقد ودعت من قبلك ليس بقليل من الأطباء الأعزاء، فها هو د. غسان وزميلي في مقاعد الدراسة ود. الياس زريق  صديق الطفولة د. حسن متاني وغيرهم ولكل خانة في القلب..
نخوض عالم الطب على مدى عقود، نسعى بكل ما امتلكنا من معرفة كي نخفف ونسارع في انهاء آلام المرضى ومعاناتهم، ولكن ها هو المرض الشرس يدهم بعضا منا، ونجد أنفسنا نسأل كما يسأل المرضى . أين الفشل هل فينا أم في العلم أم في ماذا... والى متى...
كان فارق العمر بيننا بقدر شوط الدراسة الجامعية، لنلتقي في ميدان العمل، عرفتك كما عرفك الجميع، أيها الصديق والأخ العزيز د. إميل خوري، الطبيب الإنسان الدمث، المخلص لجمهوره ومجتمعه... وبراعته واسمه اللامع، لم يزده سوى تواضع أكبر، وتفانٍ أكثر.
كما حملت المسؤولية عن مرضاك وتفانيت من أجل صحتهم، شعرت بالمسؤولية تجاه شعبك الصابر والصامد في وطنه، فكنت صوتا صارخا في مواجهة العنصرية، وكنت الرفيق الداعم للمناضلين الشرفاء والقارئ الدائم لجريدة الشعب لجريدتنا "الاتحاد"، وحينما كنا نتحاور بالسياسة وقضايا المجتمع، وإن اتفقنا او اختلفنا في وجهات النظر، فكنا على يقين أن مواقفك تبنى على اسس المصلحة الوطنية العامة، بعيدا كليا عن مظاهر الانتهازية والآفات التي تضرب مجتمعنا.
وكما شعرت بالمسؤولية تجاه مرضاك ومجتمعك، عرفت منذ البداية، أن دورك الأول في المجتمع، هو بناء عائلة ناجحة مع شريكة حياتك د. ريتا، وتفانيكما لهذا البيت الدافئ، جعلكما تعتزان بالأبناء المهندس الناجح والرجل الواعد رامي وامير صغير العائله ولينا المعلمة والأم الحنون ود. منى الهادئة النشيطة فعلى البنيان الصالح تقوم المجتمعات العصرية والمتطورة.
آه لصورة   بمخيلتي لانشودة  ونكتة ضحكنا لها  وانت  النجم الذي اخذنا  الى  عالم  خاص بنا ولو لبرهة وزمن  قصير  لنستعيد ونعيش جزءا من طفولتنا  وكنت دائما تلفنا بحرارة صداقتنا  فتغمر قلوبنا  سعادة  وفرح خاص.
عمر الانسان، ليس بعدد السنوات التي عاشها، وإنما بما قدّم وأعطى وبنى وضحى، وإن رحلت عنا مبكرا بسنوات عمر ليست كثيرة، فإن عطاءك وميراثك لمجتمعك وبيئتك الصغيرة والاوسع كان يعد بأضعاف السنوات، ولكن هذا لا يعزينا، لأننا افتقدنا غاليا على قلوبنا.
ستكون الذكرى أليمة، وليس من السهل أن نعتاد على الفراق.. سنذكرك عند كل لقاء من تلك اللقاءات التي كانت تجمعنا، وعند كل بسمة من جلسات الفرح، فأنت الباقي بيننا وفي قلوبنا طالما بقينا.
ترحل يا أيها الحبيب في أول أيام الربيع، الذي يأتينا هذا العام بعد شتاء غزير لم تشهده البلاد منذ سنوات، وهذه الغزارة أنبتت طبيعة ربيعية في غاية الجمال، وأنت كالشتاء الذي ودعناه، نبع من العطاء والتضحية، ولا يمكن لهذا أن يذهب هباء، لأن عطاءك سيُنبِت، وها هو قد أنبت بيتا صالحا وذكرى عطرة طيبة ستبقى خالدة في نفوس محبيك.
نرتجف  قهرا ودموعنا  تمزقها  ابتسامتك الخالدة   ونقول لنكمل طريق النضال  وما دامت قلوبنا  تنبض  ستكون ذكراك لامعة وخالدة بيننا.

قد يهمّكم أيضا..
featured

غريب وبيلقّ حليب..

featured

عاشت ثورة شعب تونس

featured

ديك سميح عبد الغفور

featured

مقاومة بالصّرماية!

featured

برشلونة برشلونة

featured

الى أين نحن ذاهبون؟ (عرض حال)

featured

ليس ردا بل تكملة