هي رَيَّا التي لا تُهز ولا تُذل، حفيدة المختار يوسف درويش، وابنة مصطفى وهيا
*قصة طابور العين ترددت كثيرا في عائلتنا، وعادة تفيض قصص العين بالعواطف والمحبة والعشق الممنوع والنظرات المخطوفة، وتنتهي بلوعة وحسرة وحب خالد بين رجل شاب وامرأة جميلة. اما قصة جدتي أنا مع العين فهي من نوع آخر..*
في هذه الأيام العصيبة تاريخيا، ومعنويات الشعب الفلسطيني ليست في أحسن حال، تلوح قصص الذاكرة من كل شرفة وتخرج من نافذة كل بيت عربي، وتدور في فضاءات افتراضية في كل مكان.
اختارت قيادات هذا الشعب من خيرة الرجال، في الأساس رجال، ان يقفوا معا ليخلطوا تراب الجليل والساحل والمثلث والكرمل برمال النقب كرمز لوحدة الأرض والنضال أثناء مسيرة العودة.
طابور الرجال هذا وقف جنبا الى جنب بعد 68 سنة، بعد ان وقفت جدتي رَيَّا بنت يوسف درويش سلايمة عطشى تعبانة تقف في طابور من نوع آخر، طابور من النساء هناك تحت سفح الجبل، وقفت تحمل دلوا قديما أمام نبع البلد، تنتظر دورها لتملأ عينه مياها تروي أطفالها وتغسل هدمتها المتعفرة بتراب الرحيل والتهجير، لعل رائحة النكبة المتعرقة من طول المسير تستبدل بريح صابون الزيت الجميل.
خرجت جدتي وعائلتها من السجرة المجاورة إلى الكهوف والجبال والأحراش، حيث انتهى بها المطاف في زريبة مواش في طرعان. أصر الجد موسى الا يلحق بعائلة زوجته، عائلة مختار السجرة، واختار الاتجاه المعاكس، هم إلى الحدود السورية وهو الى الحدود الطرعانية، إيمانا منه بانها أزمة وستمرّ، وسيرجع هو أول الناس لبيته.
رحلت جدتي عن هذه الدنيا ولم تسامحه أبدا على فعلته هذه. احلم أحيانا بستي رَيَّا، أتخيلها مع زنارها الحريري الأحمر المخطط وثوبها المورد الأخضر، وحطتها السوداء أحيانا وأحيانا بيضاء، تحتسي القهوة صباحا، وتجلس الحجة عيدة بجانبها تشبك أعواد القش من القمح اليابس لتحولها لاطباق القش.
أحيانا أتذكر هذه المرأة الجبارة ونقاشاتها المريرة اللانهائية مع أبي، تحثه على أن يذهب لليهودي في ايلانيا، المستعمرة التي بنيت في العشرينيات بجانب الشجرة ويتفق معه، كانت تصر على ان تضمن أرضها، "زتوناتنا وبدنا زيتهم لو اليهودي أخد نصهم".
كما في كل عام كانت تنتصر عليه وتفعل ما تريد، "رَيَّا تفعل ما يدور في ذهنها"، هذا الصيت الذي لحق بها في القرية الجديدة. قصة طابور العين ترددت كثيرا في عائلتنا، وعادة تفيض قصص العين بالعواطف والمحبة والعشق الممنوع والنظرات المخطوفة، وتنتهي بلوعة وحسرة وحب خالد بين رجل شاب وامرأة جميلة.
اما قصة جدتي أنا مع العين فهي من نوع آخر، فبعد انتظار طويل في الحر الشديد، دون أن تتكلم أو تبكي لأحد، جرت بقدميها الجريحتين خطوة بعد خطوه إلى أن اقترب دورها من النبع، وحين جاءت اللحظة التي تتلمس يداها الماء البارد وتردان بها روحها، استوقفتها امرأة أخرى، بدا عليها القوة والعنجهية، لحظة لحظة، من أنت يا امرأة؟ صاحت بها وشطفتها بنظرة ازدراء واشمئزاز من رأسها حتى أخمص قدميها..
انا رَيَّا من السجرة.. أجابت جدتي بصوت حازم.. وهمت لتنحني بالدلو في الماء، "قومي قومي ماذا تفعلين؟"، صاحت المرأة بها، "أنت من المقاطيع الذين جاؤوا البلد؟. نصبت جدتي قامَتَها وقالت "نعم، طردَنا اليهود وجئنا الى بلدكم لفترة قصيرة، إلى أن تنتهي الحرب ونرجع لديارنا".. لم تسعف جدتي قصة الحرب واللجوء، فزجرت بها المرأة الأصلانية، "غريب وبيلقّ حليب؟، غريبة أنت، فانقلعي من هنا لنهاية الطابور، أهل البلد أولا!".
نظرت جدتي إليها مصدومة جريحة، وألقت بدلوها على الأرض. واخترق صوتها الجبال الصخرية "أنا من لا تريد ان تشرب من مياهكم هذه قط مهما حييت".. وفرت مهرولة من هناك، عابرة الطابور الطويل من النساء اللواتي خرسن أثناء عرض الإهانة العلنية التي وقعت هذه الشابة ضحيته. التعب والإرهاق شديدان، ولم يمنعاها من الوصول إلى الزريبة بسرعة البرق، حيث مكث جدي مع أطفاله الثلاثة، هناك قالت له: "قم يا موسى قم.. لن نمكث في هذه البلدة أبدا بعد اليوم، سنعود للسجرة حالا، ولو قتلونا جميعا، لسنا أغلى من شهدائنا ولسنا أحسن حالا من اهل البلد، قم من الأرض وتعال نخرج".
لم ينفعل جدي من موجة الغضب هذه، ولم يحرك ساكنا، اجلسي اجلسي، وصلي على النبي، ماذا حدث معك؟. وجلست رَيَّا تبكي وتبكي وتبكي... وحدتها، وذلها، وأهلها الذين تهجروا جميعا، وأطفالها الجياع وزوجها العاجز أمامها واسودت الدنيا في وجهها. ولكن "غريب وبيلقّ حليب" لم تفارقها، وكل أهوال التهجير والقتل والتفجيرات تقزمت أمام "التغريب"، فهي حفيدة المختار يوسف درويش، وابنة مصطفى وهيا، هي رَيَّا التي لا تهز ولا تذل، كيف تطرد هكذا من النبع؟ كيف؟
سيطر الغضب والحزن والمس بالكرامة على جدتي، أربع سنوات باعت فيها كل ما حملته من ذهب الا نقوطها من والدها وهو عبارة هن بضع ليرات، واشترت أرضا في طرعان، وبنت عقدا لتسكن فيه، ولكن طابور المذلة لم يفارقها، قررت رَيَّا أنها ستحفر بئرا في ساحة الدار. يقال ان جدي عارض الفكرة الجنونية، وأقر ان زوجته فقدت صوابها، فحفر البئر يكلف غاليا ويأخذ وقتا طويلا. ولكنه كما نعرف رَيَّا حصل، اربع سنوات من الحفر والنقر بالصخر فتحت باطن الأرض الجوفاء حتى وصل الحفر الى تجمع ماء كبير تحت الأرض، مغارة كبيرة تخفي الكثير من التاريخ في طياتها. انها تلك البئر التي دفعت ثمنها رَيَّا ثمن الأرض كلها، ولكنها الآن لها، مياهها وحياتها وبيتها حول هذه البئر التي لا تنضب المياه منها.
لي مع هذا البئر ذكريات، صيحاتنا لا نهائية، يسمع صداها الذي كان يرجع دوما، ولم يخيب أملنا أبدا. أما أبي فكان يحكي لنا، ان مجموعة من الصبيان نزلت إلى البئر للبحث هناك ودخلت المغارة. وكانت المغارة كبيرة لدرجة، أن الصبيان كانوا يركضون فيها حتى يصلوا لبوابة حديدية قديمة من العهد الروماني، ولم يخبروا أحدا بذلك خوفا من استيلاء اليهود عليها أيضا.
كانت هي حرب الـ 67 التي أرعبت سكان القرية، حيث أشيع ان اليهود قد وضعوا السم في مياه العين الجبلية. ووصلت الإشاعة لساحة بيت رَيَّا وموسى. فكيف سيشرب أهل البلد الآن ؟ ماذا سيفعلون؟. وإذ بها، رَيَّا تقرر، ان تدعو كل أهل القرية لشرب الماء من بئرها، وأرسلت زوجها للجامع ليعلن، ان في البئر ماء يكفي للجميع، وفتحت رَيَّا البوابة الخضراء الحديدية لتستقبل نسوة طرعان اللاتي وفدن إليها لتعبئة حاجتهن من الماء العذب النقي. لا غريب هنا ولا قريب، كلنا أبناء بلد، أهلا وسهلا بكم.. قالت بكل رحابة صدر، بعد أن أعادت لها حرب جديدة كرامتها، وقد دوست في حرب قبل عشرين عاما.
.jpg)
عين قرية السجرة المهجّرة الباقية فينا
