نُحيي في هذه الأيام ذكرى الانتصار التاريخي الأول لجبهة الناصرة الديمقراطية في انتخابات البلدية عام 1975، والتي تلتها مسيرة مشرفة وانتصارات متتالية على مدى 35 عاما. ويحق لكل من ساهم في الماضي ولكل من يساهم اليوم في العطاء لهذه المدينة الحبيبة وشعبها الطيّب أن يحتفل ويستذكر ويُقيِّم، لتكون هذه المناسبة رافعة جدية واعية لمتابعة الطريق الذي لا طريق سواه وترسيخ قِيَم الجبهة المثبتة بالتجربة العملية أنها صمّام الأمان لشعبنا وخيمة أصيلة تحميه وتظلّله وأُسلوب حياة يُرشده ويُنير طريقه.
لقد أعادني وكثيرين مثلي، مقال الأخ أديب أبورحمون، المنشور في "الاتحاد" يوم الجمعة 26 تشرين الثاني، الى أيام خوالٍ نعتبرها وبحق أجمل أيامنا وأخصبها وكم كان موفّقا في سرده التاريخي المُميّز واستنتاجاته ورؤية المهام للمرحلة القادمة. هذا مهم لنا جميعا ولكنه مهم أكثر لجيل الشباب مُكَملي المشوار.
ليس المقصود من مساهمتي المتواضعة هذه، مجرد عرض وتحليل ودراسة الخ.. وإنما أردت أن أعود بالذاكرة إلى حدث أعتبره مميزا في تاريخ جبهتنا من حيث زمنية حدوثه والظروف التي أحاطت به وتوجهاته وتلخيصاته القابلة أغلبيتها للتنفيذ حتى اليوم وذلك إنعاشا لذاكرة الاخوة القدامى ومواضيع تفكير للاخوة الذين يحملون الراية اليوم. إنه المؤتمر الأول لجبهة الناصرة الديمقراطية الذي عُقد يومي 4 و 5 حزيران 1983 بعد تحضير طويل في كافة مؤسسات الجبهة، بدءًا بالأجهزة الجبهوية مرورا بالمجلس العام والمكتب والسكرتاريا.
تم تحضير رؤوس أقلام على شرف المؤتمر ضمّت فصولاً عِدة منها:
1) جبهة الناصرة الديمقراطية – قيامها ومسيرتها
2) الإدارة البلدية الجبهوية
3) المنشقون – فكرا وممارسة – (المقصود الحركة التقدمية)
4) علامات أساسية في طريقنا للمستقبل
5) نحو معركة الانتخابات البلدية القادمة – أكتوبر 1983
6) نحو مخيّم العمل التطوعي الثامن 17 – 22/8/1983
لقد شارك خلال يومي المؤتمر أكثر من 60 عضوا في الكلمات والمداخلات والنقاش: القدامى الذين تحدثوا بتأثر بالغ وهم يرون حلم حياتهم يتحقق ومنهم طيبو الذكر، ميشيل نصار وصبحي السروجي وسامي مسمار ومنعم جرجورة وفؤاد حمدان ونقولا ورور وشفيق بشارة وغيرهم ومنهم من حمل الراية وسار بها مع رفاقه الى الأمام.
أقتطف فيما يلي بعض النصوص التي كوّنت رؤوس الأقلام وبعض ما جاء في الكلمات والمداخلات على مدى يومي انعقاد المؤتمر:
* إن لانعقاد مؤتمر جبهة الناصرة الديمقراطية أهمية بالغة ودلالة مميزة على الصعيد المحلي للمدينة وعلى الصعيد القطري كذلك.
فعلى الصعيد المحلي تخوض جبهة الناصرة الديمقراطية نضالا مكثّفا ومدروسا منذ تأسيسها.ويتّخذ هذا النضال أشكالا متعددة بحسب الظروف الموضوعية في مجالات العمل البلدي وتطويره مستفيدين من الممارسة العملية والتجربة الغنية وأيضا في مجالات العمل الشعبي السياسي التعبوي. وقد أثبتت جبهة الناصرة الديمقراطية في جميع هذه المعارك أنها الطريق الوحيد لخوض هذه النضالات وأنها رمز لوحدة صف جماهيرنا النصراوية على مختلف طبقاتها وانتماءاتها.
* ليس صدفة أن تتبلور فكرة الجبهة الديمقراطية عام 75 وتُصبح حقيقة ملموسة. فإن تراكم الأحداث واستمرار بل وتزايد سياسة التمييز ضد كافة فئات شعبنا، أوصلنا جميعا الى الاستنتاج التاريخي بأنه لا يمكن أن نتحدى ونتغلب إلا إذا كنا موحدي الصفوف. إن الحقيقة التاريخية يجب أن تُقال ويجب أن يُدركها الجميع... أن الحزب الشيوعي، طليعة النضال ضد سياسة القهر والتمييز دعا دائما لإقامة جبهة ديمقراطية تضم كافة فئات شعبنا. إن صوت المناضل البارز المرحوم فؤاد خوري ما زال يُجَلجِل وهو يتحدث في مهرجان الألوف الانتخابي يوم 8 تشرين الاول 1966 إذ قال: "إننا نسعى في سبيل تأليف أوسع جبهة شعبية ديمقراطية لمصلحة الناصرة، ونعتقد أن جبهة ديمقراطية تحظى بأكثرية مقاعد البلدية تستطيع أن تتحمّل المسؤولية. ساهموا في بناء الجبهة الديمقراطية من أجل تغيير إدارة البلدية تغييرا جذريا لمصلحة الناصرة ولمصلحة الديمقراطية والسلام في اسرائيل".
* كان من الطبيعي أن تقوم جبهة الناصرة الديمقراطية كتحالف بين الهيئات الأربع: الحزب الشيوعي الاسرائيلي- فرع الناصرة، ورابطة الجامعيين ولجنة التجار والحرفيين وأصحاب المصالح الخاصة في الناصرة ولجنة الطلاب الجامعيين أبناء الناصرة فهذه الهيئات الأربع التي تُمَثِّل اجتماعيا وسياسيا وطبقيا الأكثرية الساحقة جدا من شعب الناصرة وتركيباته المختلفة، اما بالأهداف التي يمثلها هذا التحالف وببرنامجه فإنه يُمثل مصلحة كل أهل الناصرة الطامحين الى المساواة القومية والعدل الاجتماعي والسلام العادل والتطور العصري.
* ان انتصار 9 كانون الأول 1975 كان فاتحة عهد جديد بالنسبة لإدارات بلدية الناصرة يختلف جذريا عما سبقه من إدارات. ادارة البلدية الديمقراطية كانت وما تزال إدارة من نوع جديد، تعمل بوحي قِيَم الجبهة وبأسلوب يتميّز بالشعور بالمسؤولية والفهم والاستقامة والتفاني ونظافة اليد ويتميّز بالجماعية والتعاون، وتعمق هذا الأمر أكثر وأكثر في الدورة الثانية. ان الأمر المركزي الذي احتل قلب برنامج الجبهة الانتخابي كان معركتنا من أجل التغيير والتطوير والمساواة القومية وكرامة مدينتنا وشعبنا.
* ما حدث في 9 كانون الأول 1975 لم يكن استبدالا لائتلاف بائتلاف أو قائمة انتخابية بقائمة انتخابية أخرى أو رئيس بلدية برئيس بلدية آخر. بل كان تغييرا بل قلبا حقيقيا للوضع المزري القائم وحركة شعبية عارمة أحدثت ثورة حقيقية في المفاهيم، خلخلت المُتَعفن القديم ورسخت مفاهيم شعبنا الديمقراطية الأصلية. لقد انتصرت في ذلك اليوم إدارة شعب الناصرة في الوحدة الشعبية الكاسحة وفي انتخاب رئيس وإدارة بلدية يُعبران عن مصلحة وضمير ووجدان وكرامة المدينة وأهلها.
* ان قيام جبهة الناصرة الديمقراطية وانتصارها في انتخابات 75 ومن ثم في انتخابات 78 ... والانجازات الضخمة التي تحققت في عهد الجبهة على كافة المستويات والصعد يقود الى استنتاجات عدة منها:
1) ان الجبهة استطاعت أن تتغلّب على التقسيم العائلي والطائفي التي حاولت السلطات طيلة الوقت استخدامه بهدف بعثرة القوى وبهذا يسهل عليها ضربنا جميعا
2) توثيق أواصر المحبة والإلفة بين أبناء شعب الناصرة والتعاون التام مع كل الهيئات الدينية والأهلية والنوادي واللجان الشعبية والمؤسسات الطبية وغيرها في المدينة.
3) لقد سقط الوهم، والى الأبد، بأن السلطة تُعطي من يتعامل معها ويخدمها.
4) تأكد حقا وفعلا أن المخلصين للشعب فقط، النابتين من بين صفوفه هم وحدهم القادرون على صنع إنجازات تطويرية برأس مرفوع وبكرامة موفورة.
5) أُثبت الترابط الوثيق بين المعركة من أجل التطور العصري والمعركة من أجل المساواة القومية.
* في اليوم الذي تعقد فيه جبهة الناصرة الديمقراطية مؤتمرها العام وتتصدى جماهيرنا ببسالة لحملة الإرهاب الرسمية ولحملة الافتراءات والأكاذيب المضللة، من الضروري أن نتذكر تلك التحية التي أرسلها لنا أحد مؤسسي الجبهة ورموزها الخالدة ... ابن الناصرة البار المرحوم الدكتور أنيس كردوش قبيل وفاته يوم3.12.1975 وقُرئت في المهرجان الختامي لمعركة الانتخابات يوم 6.12.1975 إذ قال: " ان النصر أصبح أكيدا ومحققا. ولكن ما هو أهم من الانتصار الانتخابي – المحافظة على النصر والمحافظة على الوحدة واليقظة ضد مؤامرات التشكيك وتفسيخ الصفوف".
* ان الوحدة الجبهوية هي ضرورة موضوعية للتصدي لسياسة الاضطهاد والتمييز التي لا تستثني أحدا من أبناء شعبنا وفئاته، وقد بنيت بالجهود والعرق خلال مسيرة عشرات السنين وان صيانتها وتوطيدها هو الواجب الأسمى لكل المخلصين.
* ان استمرار فعالية ودينامية كل طرف من الأطراف المكونة للجبهة يضمن بالتالي توطيد جبهة الناصرة الديمقراطية ويضمن ترسيخ القناعة لدى جماهير شعبنا أن أطراف الجبهة الأربعة هي هي الممثلة الحقيقية لمصالح وأماني وتطلعات كافة فئاته وشرائحه الاجتماعية في المدينة. هذه الفعالية والدينامية تتمثّل في توسيع القاعدة الشعبية لكل طرف وتعميق دور كل طرف واهتماماته وانخراطه بمشاكل ومتطلبات وأماني جميع الناس، وفي المثابرة وفي العمل الدؤوب الذي لا يكلّ.
* ان لجان الأحياء التي بدأت تتكون في أحياء الناصرة مع بزوغ فجر الجبهة فيها، ساهمت مساهمة جبّارة في معركة الصمود وتوطيد النصر التاريخي وأنجزت مشاريع تطويرية هامة في الأحياء.
لقد قام مكتب جبهة الناصرة الديمقراطية بدراسة مستفيضة لتجربة لجان الأحياء واستنتج أنه ما لم يكن للجنة الحي دور شعبي سياسي مرتبط بالجبهة مباشرة إضافة الى دورها في مجال الخدمات البلدية فإنها ستفقد مبرر وجودها مرة أخرى. ولذلك قُرِّر أن تُقام في كل حي أجهزة جبهوية تعمل بهدي طريق الجبهة... أي الكرامة القومية والخدمات البلدية.
ان الأمور التالية تقف في رأس اهتمامات الجبهة في المرحلة المقبلة:
1) صيانة وتعميق الوحدة الجبهوية والوعي الجبهوي وتطوير عمل مؤسسات الجبهة.
2) صقل الأجهزة الجبهوية وتعبئتها باستمرار بمواضيع نضالية ومهام شعبية.
3) تعميق التعاون بين الجبهة وهيئاتها والبلدية الجبهوية وبين هيئات ومؤسسات المدينة ولجانها الشعبية والأهلية والدينية وتعميق روح الإلفة والمحبة بين جميع أبناء الناصرة.
4) ترسيخ روح العمل التطوعي في خدمة المدينة وتطويرها وفي صقل كوادر جبهوية جديدة تنخرط في العمل الجبهوي وتُكمل المسيرة.
5) توطيد الصلات والتعاون وتبادل الخبرات مع الجبهات الديمقراطية والسلطات المحلية العربية الجبهوية والنظيفة ولجنتها القطرية ومع كافة هيئات شعبنا القيادية.
6) توطيد الصلات والتعاون مع الهيئات والقوى الديمقراطية اليهودية في الكفاح من أجل السلام العادل والديمقراطية والتفاهم العربي – اليهودي والمساواة وتعزيز التلاحم مع الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة.
7) تنظيم الكفاحات الديمقراطية الوطنية العامة دفاعا عن الأرض وضد مخططات المصادرة والسلخ ومن أجل حقنا الطبيعي في تطوير الوسط العربي ومن أجل المعاملة على قدم المساواة في الميزانيات.
وفي نهاية المؤتمر وبعد الاستماع الى تلخيص قائد الجبهة ورئيس البلدية طيب الذكر توفيق زيّاد، صودق على "الوثيقة الأساسية" للجبهة والتي جاءت تطويرا "للوثيقة التأسيسية" المعمول بها منذ تأسيس جبهة الناصرة الديمقراطية.
ما سردته أعلاه ليس بهدف "النوستالجيا" فحسب وإنما عسى بعضا مما ورد يكون مادة للتفكير ومحفزا للتطوير آخذين بعين الاعتبار البُعد الزمني والمستجدات الحاضرة ومع هذا، تبقى الروح والفكرة.
تحية من القلب لمُكمل المسيرة وقائدها الأخ رامز جرايسي ولكم كلكم أيها الرفاق الاخوة في هذه المناسبة العزيزة ودعونا نردد معا وصية "أبو الأمين" ... "ديروا بالكو على بعض".
(الناصرة)
