ليست إدارة الرئيس الخلوق أوباما، أول إدارة أميركية تفشل في فرض التسوية واستحقاقاتها على الجانب الإسرائيلي، فقد سبقتها كافة الإدارات الأميركية منذ عهد الرئيس بوش الأب، الذي سجل أنه أول رئيس أميركي قدم مبادرة لتسوية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، أمام مجلسي الكونغرس في 7 آذار 1991، بعد توقف الحرب على العراق بأسبوع، ونجح في عقد مؤتمر مدريد الذي شكل الأرضية والخلفية لمفاوضات أوسلو غير العلنية.
مفاوضات أوسلو، وما حققته، لا فضل للأميركيين فيها أو عليها، فقد تمت بإرادة فلسطينية إسرائيلية دون معرفة الأميركيين، ولما عرفوا بها اعتقدوا أنها "لعب عيال" ولما نجح المفاوضون الفلسطينيون والإسرائيليون لم يصدقوا جدية ما توصل إليه المفاوضون بين الطرفين، ولما تأكدوا من النتائج تبنوها وتم توقيعها في رعايتهم في ساحة الورود في البيت الأبيض يوم 13\9\1993.
في عهد الرئيس كلينتون، أخفقت الولايات المتحدة إخفاقاً بائناً، لأن مفاوضات كامب ديفيد (تموز 2000) بين الرئيس الراحل ياسر عرفات ورئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود باراك، فشلت فشلاً كبيراً في تقديم رؤية وسطية تسمح بقبول الطرفين لها وتستجيب لمصالحهما المتناقضة.
في عهد الرئيس بوش الابن، أكثر الرؤساء الأميركيين استجابة للحقوق الفلسطينية، سجل أنه صاحب الرؤية الأميركية لحل الدولتين في حزيران 2002 وإدارته هي التي صاغت القرار الدولي 1397 الذي يؤكد حل الدولتين، إضافة إلى القرار الدولي 1515 المتضمن خارطة الطريق بخطواتها الثلاث لإقامة الدولة الفلسطينية، وهو الذي دعا إلى مفاوضات آنابوليس التي لم تستكمل بسبب التعجيل برحيل إيهود أولمرت على خلفية مفاسد ورشاوى تورط بها وفرضت استقالته، ومع ذلك ترك بوش الابن البيت الأبيض دون التوصل إلى اتفاق ينهي الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
وسجل الرئيس أوباما على أنه أسرع الرؤساء الأميركيين تسجيلاً للفشل وتراجعاً عما يؤمن به، فقد فشل في إقناع نتنياهو بنتائج مفاوضات آنابوليس، وفشل في وقف الاستيطان، وفي تحديد حدود الأراضي المحتلة، واضطر إلى إقالة اثنين من العاملين معه تحت ضغط الإسرائيليين: مدير البيت الأبيض عمانويل ومستشار الأمن القومي جيمس جونز.
الفلسطينيون حققوا إنجازين عمليين هما أولا أوسلو ونتائجه في عهد رابين. وثانياً الانسحاب من قطاع غزة في عهد شارون، ولم يكن للأميركيين أي فضل أو دور عليهما وتما بإرادة إسرائيلية كاملة وبفعل فلسطيني مباشر.
لا مصلحة فلسطينية في التصادم مع الولايات المتحدة بل لهم مصلحة في كسب ودها والحفاظ على العلاقات معها وتطويرها بما يخدم المصالح الوطنية الفلسطينية، على الرغم من أن الإدارة الأميركية أسيرة لمواقف الكونغرس ولا تستطيع التناقض معه أو القفز عليه، والكونغرس غير المتوازن في مواقفه يقع أسيراً لمواقف اليمين الإسرائيلي، ولذلك يصعب الرهان على موقف أميركي يردع الأطماع التوسعية الاستعمارية الإسرائيلية.
من هنا يجب إعادة التفكير القيادي الفلسطيني بتغيير الأولوية وتسخير الجهد الفلسطيني نحو اختراق المجتمع الإسرائيلي وكسب انحيازات إسرائيلية لعدالة القضية الفلسطينية وشرعية مطالبها، فالعدو هنا، وصاحب القرار هنا وليس في واشنطن.
لقد نجح الرئيس الفلسطيني في اختراق الجاليات اليهودية الأجنبية في الولايات المتحدة وفرنسا والأرجنتين وغيرها، ووجد لدى بعض قياداتها التفهم والتعاطف، وهي خطوات شجاعة تعكس وعي أبو مازن بضرورة كسب أصدقاء جدد لقضية ومعاناة الشعب الفلسطيني وحقوقه الوطنية، ولكن ذلك لا يُعوّض عن أهمية العمل نحو الرأي العام الإسرائيلي والبحث عن قواسم مشتركة معه كما سبق أن فعل ياسر عبد ربه مع يوسي بيلين، وسري نسيبة مع عامي أيالون.
لقد حقق الشعب الفلسطيني ومنظمة التحرير وسلطته الوطنية إنجازات تستحق الاحترام على الجبهتين الأوروبية والأميركية، وثمة أصدقاء أوروبيون وأميركيون يجب الحفاظ عليهم وعلى العلاقات معهم، لهم تأثير إيجابي في دعم وإسناد الشعب الفلسطيني، ولكن يجب التسجيل بوضوح أن لا أصدقاء مؤثرين للشعب الفلسطيني في إسرائيل، لا في الشارع ولا في الكنيست ولا في مؤسسات صنع الرأي العام الإسرائيلي، وهذا ضعف كبير يستحق النقاش وإعطاء الاهتمام ووضع البرامج من قبل أصحاب القرار الفلسطيني، لأنه في ظل موازين القوى السائدة، وفي ظل التفوق الإسرائيلي لن يستطيع الشعب الفلسطيني بإمكاناته المتواضعة تحقيق الانتصار على الاحتلال وهزيمة المشروع التوسعي الإسرائيلي من دون اختراق المجتمع الإسرائيلي وشق صفوفه وكسب انحيازات من داخله لصالح عدالة المطالب الفلسطينية ومشروعيتها.
يجب العمل من الآن رغم تفوّق اليمين الإسرائيلي وهيمنته، ورغم ضعف قوى السلام الإسرائيلية وهامشيتها، ففي ظل وقف العمليات المسلحة من قبل "حماس" في غزة والسلطة في الضفة، ما يمكن من استثمار هذا القرار وتوظيفه لمصلحة رد الاعتبار للشراكة الفلسطينية الإسرائيلية على قاعدة الأمن والسلام والتعايش والمستقبل المشترك.
