الحلم والحجر!

single

رفع رأسه عن المخدة، ونظر الى وجه زوجته، فوجدها تغوص في بحر هادئ من الاحلام... سحب جسمه من تحت الغطاء، وانزل رجليه عن السرير،حتى لامستا الارض، وفصل نفسه عن السرير، ومشى حافيًا باتجاه باب غرفة نومهما.
مد يده الى مقبض الباب وانزله الى الاسفل، وسحب الباب الى الداخل مرسلًا كل احاسيس الاستعطاف اليه، كي يبقى "نائمًا" متجمدًا، بحيث لا يصدر اصواتًا، تقطع شريط احلام زوجته واولاده، النائمين في الغرفة المجاورة، اغلق الباب خلفه بكل "حنان"، ومشى في الممر الذي يربط بين غرفة نومها وغرفة الاستقبال،وعندما وصل بابها فتحه.. دخل واشعل النور فيها.. توجه الى الصندوق الخشبي الموضوع على ظهر الخزانة، انزله ووضعه على الطاولة.. فتحه وبدأ يقلّب الاوراق الموجودة فيه.. لقد كان يبحث عن ورقة معينة، كان قد رآها قبل سنوات.. ورقة كوشان ارضهم في يافا، كانت هذه الورقة تغور في خليطٍ عجيب من الأوراق، التي تسجل لحظات كثيرة من تاريخ العيلة، حملها جده معه من بيته في يافا، واخذها معه الى بلاد الشتات، وانتقلت معه من غربة الى غربة.. واخيرًا وبعد بحث خاله الدهر، وقعت في يديه،فك طياتها،وبسطها امامه على الطاولة :
 كان اسم جده يزين رأس الصفحة.. قرأ التعليمات، وفحص الخارطة المرفقة.. كلها كانت تثبت وتؤكد ملكيته للأرض.. الأرض التي كان يعمل فيها أمس، وأن البيت الذي هدم كان بيتهم..بيت جده، الذي أجبر وهم على تركه، والضياع في بلاد الشتات.!
  رجع الى غرفة نومه، ودس جسمه تحت الغطاء محاولًا عدم ايقاظ زوجته.. واغمض عينيه، وبدأ يراجع الشريط الذي كان هو بطله امس.. هناك في يافا.!
بدأ يومه الاول في هذا العمل، عندما تسلل وهو ورفاقه من العمال من بين فتحات الجدار الذي بنته اسرائيل حول رقاب الشعب الفلسطيني، في الضفة الغربية، كي يخنقهم بالطريقة البطيئة.
واستطاع ان يفلت من بين انياب "ثعابين" الدولة، التي تنتظرهم لاصطيادهم عند خروجهم الى اسرائيل من هذه الفتحات، فالتقطه "معلم" عربي من الطيبة، وطار به الى يافا.
لقد عاش على روح يافا وتنفس عبقها من احاديث والده وجده، ورسمت جدته ذكريات يافا صورة ساحرة بجمال الوانها، على صفحات خياله البيضاء صورة: الطابية والقلعة في البلدة القديمة.. والحارة الجبلية، والعجمي، شارع اسكندر. وشارع النزهة والساعة.
لقد تواجد في يافا قبل ذلك مرات عديدة، ولكنه لم يشعر انها تشبه بشيء، صورة يافا القديمة المرسومة في خياله.
رماهم الطيباوي - وهو ورفيقه - في مكان العمل، فتسلمهم مسؤول عمل يهودي شرقي من اصل مغربي،فسلمهم الفؤوس والطواري، وغيرها من ادوات العمل، وطلب منهم العمل مع التراكتور،الذي كان يحفر اساسات لعمارة،بدأوا بحفر اساسات بنائها،على أنقاض عمارة قديمة، كانت قد هدمت من قبل.
 بدأوا بالعمل، وبدأت قطرات العرق تتصبب من اجسامهم، تقدم منهم المسؤول الشرقي وسألهم: "هل معكم تصاريح!؟"
 فأجابوه رافعين سباباتهم وعيونهم الى السماء: "معنا تصاريح من رب السماء!"
فاتفق معهم على اشارة صوتية اذا سمعوها هربوا الى البيارة المجاورة واختبأوا فيها، واذا سمعوها مرة اخرى فعليهم الرجوع الى العمل.. لقد كانت الاشارة تعلن:  "حضور او انصراف الشرطة.!"
 استمر مثل زملائه في رفع التراب بالرفش من القنوات التي كان يحفرها التراكتور، الى ان اصطدم رفشه بحجر، عجز عن قلعه..لقد كان هذا الامر عاديًا.. فما كان عليه الا ان يطلب من سائق التركتور بالاشارة، كي يقلعه.
 ولكن الحجر في - هذه المرة - كان املس ينزلق عنه الرفش بسهولة، جذبه حب الاستطلاع  ليتبين امره، قبل أن يستدعي التراكتور.. جلس على ركبتيه، ومد يده وازاح التراب عن الحجر.. فاصطدمت عيناه،بعد أن أزاح التراب بيديه، بحروف عربية ترتسم عليه... اخذ الطورية وكشف المزيد من سطح الحجر، فظهرت كلمات فقرأ "بيت محمود العجمي - شارع جمال باشا" فأصابه ذهول غريب.. وسرت في جسمه قشعريرة، شلت اطرافه، وقعد مكانه، ولم يعد يقوى على الوقوف.
 انتبه سائق التراكتور الى ما اصابه، فصاح به:"محمود.. محمود ماذا حدث لك!؟"
"محمود... محمود.!؟ ماذا حدث لك!؟ هل انت بخير!؟ "استمر السائق بمناداته.. فتذكر انه سُمي على اسم جده، الذي انتقل الى جوار ربه،بعد الشتات بثلاث سنوات قضاها يعيش في يافا... وتعيش فيه.! ولم يستوعب الوضع الذي اصبح فيه في بلاد الغربة!
"لا شيء.. لا شيء... اني بخير.!" صرخ باتجاه سائق التراكتور استمر في عمله، مبتعدًا عن الحجر الذي يحمل عنوان بيت جده في يافا.!
هاهي حزم الظلام السوداء، بدأت تنسحب من امام ناظريه، اللذين ينصبان على زجاج شباك معلق على حائط مطلي باللون الرمادي الفاتح امامه.. وبدأت اشعاعات الشمس ترسل مقدماتها، لتجلو زجاج النافذة، فتمكنت عيناه من اختراقه، ورؤية اوراق شجرة الليمون المزروعة بالقرب من الشباك... انتفض من مكانه، وتوجه الى الحمام كي يحضّر نفسه للصلاة... بعد ان صلى، كانت زوجته قد حضرت له الشاي،وشيئًا يأكله معه، ووضعت له زوادته على الطاولة، وجلست على الكرسي، تراقبه كما تفعل كل يوم كي تودعه قبل ان يخرج ليقاتل "الدنيا"، من اجل ان يعود اليها ولاطفالها وهو يحمل ما يسد حاجاتهم الضرورية.
كلمة واحدة كانت تقولها كل يوم: "اللهم سلمه من اليهود!". حمل زوادته وخرج.. رافقته الى البوابة، رغم الحاحه عليها الامتناع عن فعل هذا! ومشى في الطريق، يحمل في رأسه ثقل همومه من جدار،وجيش، واصحاب عمل، وزوجة واطفال، يتقلبون طوال النهار،على جمرات نار الانتظار.
كان كأنه يموت كل يوم في الصباح، ويحيا من جديد في المساء، عندما يعود الى حضن عائلته !
والآن أضيف الى كل هذه الهموم، هم ثقيل آخر، هم حجر بيت جده، الذي ما زال مغروسًا في قاع قناة اساس العمارة،التي حفروها امس، وانه ان لم ينقذه سوف تقبر تحت الباطون،الذي سيصب عليه! ولكن كيف!؟ كيف سيقتلعه، ويخلصه من اسره، ويحمله مخترقًا شوارع يافا، حتى يصل الى محطة السيارات التي ستقله الى حافة هاوية الجدار.. ومن يضمن له انه،لن يصطدم بالجيش او الشرطة في كل محطات الطريق!؟
انه لا يعرف حتى الآن مقدار ثقل الحجر، وان كان يستطيع ان يحمله كل مسافة الطريق.!
ولا يعرف ان كان سائق السيارة التي ستقله، سيقبل ادخال هذا الحجر الى سيارته!
لقد كان كل هذا السيل من الافكار يجتاح تفكيره، مكونة حواما بدأ يتعالى داخل رأسه، وبدأ يدق عليه  مهددًا بتفجيره، جلس تحت شجرة برتقال..ومن ثم افترش ترابها واغمض عينيه، وبدأ يقرأ ما تيسر من آيات قرآنية كان يستعين بها في مثل هذه الحالات، لتبرد رأسه وترجعه الى حالة، يستطيع فيها ان يتمالك نفسه، ويستمر في مشواره.. مشوار حياته المضني.!
قام وتابع السير الى فتحة الجدار، وبعد كر وفر ومراوغة مع الشرطة، تمكن من الخروج منها، والالتحاق بسيارة المعلم التي تقله الى يافا.. الى موقع العمل.. كان يعرف انه وزملاءه سيصلون الموقع قبل العمال اليهود، لانهم يخرجون من بيوتهم قبل الفجر،كي يستطيعوا اختراق الجدار، تحت جنح اواخر الليل، وعندما وصلوا،عالجوا الحجر بادوات العمل، ولم يأخذ منهم مدةً طويلة، حتى استطاعوا اخراجه من تحت التراب، حمله.. توجه الى البيارة، وخبأه فيها، ورجع الى ورشة العمل،ليقضي نهاره بالعمل فيها.
 وفي المساء،عندما انهى عمله لذلك اليوم، توجه الى البيارة، واخذ الحجر ولفه بقميص العمل، وتوجه الى المكان الذي سيلتقطه به المعلم الطيباوي، وعندما سأله المعلم عن هذا الشيء الذي يحمله قال: "انه حجر اعجبني ولي فيه حاجة!"
فعلق المعلم ساخرا: "انكم اهل الضفة سحبتم كل شيء من اسرائيل.. ولم يبق الا الحجارة!"
بقي محمود صامتًا.. ولم يبتسم او يضحك كما توقع الطيباوي، واستمرت السيارة في سيرها المعتاد اليومي، الى المكان الذي ينزلهم به.. والذي يبعد بضع مئات من الامتار عن الجدار، والذي كان العمال مجبرين على قطعها مشيًا على الاقدام.
 ان هذه المسافة قطعة من عذاب جهنم، فأنت تسير بها تحت وابل من ضربات الخوف والهلع... تشعر وكأنك تسير بين انصال سيوف حادة مدلاة من السماء، فإن لم تتحاشها، فإنها ستغرز في لحمك الحي، وتطعمك لافواه جنود الجيش، التي تنصب شراكها على فتحات الجدار!
نزل من سيارة الطيباوي، ومشى الطريق.. الطريق التي توصله الى الجدار.. كان يشعر وكأنه يتسلق جدار بئر سحيقة، تحيطه أنياب وحش ستطبق عليه في كل لحظة.. كان يخطو ببطء شديد، ويجول بعينيه في كل الاتجاهات.. تاركًا لاذنيه مهمة التقاط كل صوت يخرج من حوله.. كان يعرف ان الجنود - في هذا الوقت - يجولون الطريق على طول الجدار،بحثًا عن ضحايا،يصبون عليها كل ما يحملون من كراهية وحقد.!
اصبحت المسافة بينه وبين الجدار خطوة واحدة، حنى قامته، تاركًا ليده ان تحتضن الحجر مستعينة بصدره، واستعان باليد الاخرى كي يضعها على فتحة الجدار، ليتمكن من الخروج الى الجانب الآخر، ويتخلص من الكابوس الذي يمسك بخناقه، وإذا بصوت يحطم كل ما في داخله من احاسيس ومشاعر، ويحولها الى شظايا تطايرت الى كل خلية من جسمه: "قف! قف مكانك لا تتحرك! إذا تحركت سنطلق  النار عليك! إرم الشيء الذي في يديك، وارفعه الى الأعلى، وتقدم باتجاهنا!".. تابع الصوت تهديداته.
استطاع بعد جهد جهيد، ان يستدير باتجاه الصوت.. ويفتح عينيه، ليلتقط صورة مصدره.. فرآههم اربعة او خمسة جنود بجانب سيارة، يصوبون باتجاهه بنادقهم، فعرف من خبرته معهم انه لو خالف أوامرهم، سوف يطلقون عليه النار ويردونه قتيلًا! برقت في ذهنه فكرة.. بأن يرمي بنفسه الى الجانب الآخر من خلال الفتحة، الا انه تراجع، بعد ان تأكد، انه لو حاول فعل ذلك، فان رصاصهم سيسبق عبوره الجدار وسيتحول الى جثة هامدة!
تقدم منهم ببطء رافعًا يديه، وعندما وصل إنقض عليه اثنان منهم، ورمياه ارضًا، وقيداه بيديه، وعندما وقف.. صرخ به احدهما متوعدًا: ما هذا الشيء الذي كان في يديك!؟ قل سريعًا.
-انه حجر! أحضرته من مكان العمل.
-حجر!؟ حجر!؟ صاح احدهم من بين فكين، منطلقة منهما ضحكة هستيرية، ملؤها الهزء والسخرية.
- حجر!؟ حجر من تل ابيب!؟
- حتى حجارة تل ابيب، تريدون نهبها يا غجر!؟
ارتفع صوت آخر ليشترك في "حفلة" تقطيع ما تبقى من كيان هذه الفريسة التي وقعت تحت رحمة انيابهم.
- ماذا تريد ان تفعل يا وغد بهذا الحجر!؟ تابع الاول اسئلته
- أعجبني شكله!؟ أخرج ردًا، استطاع ان يخرجه من بين أثقال الخوف والهلع،التي كانت تطبق عليه من كل جانب.
-أين كنت!؟ سأله احدهم بغيظ مسموم...
- في يافا... اني اعمل هناك... في شركة اولشتين.. نطق اسم الشركة متعمدًا لعلها تساعده!
- هل معك تصريح للدخول الى اسرائيل،ايها الوغد الحقير!؟
- لا... لا! لا أحمل تصريحًا! حاولت ورفض طلبي! قال بعد ان بدأت احاسيس الحياة تسري في جسمه.
- ألا تخاف ايها الحقير من ان يقبض عليك "وتروح  فطيس"!؟
- أن خمسة افواه تنتظر الحليب اجبرتني على ذلك! والذي يأتي به ربنا مقبول لدي!
قال بشيء من التحدي.
- ربه! ربه مرةً اخرى! صاح جندي آخر من بعيد. ماذا سنفعل به!؟ سأل القائد الجنود الذين كانوا يقفون بقربه.
- ان مصلحة السجون، أبلغت قائد المنطقة، ان سجونها ملآنة ولا تستطيع ان تستقبل سجينا آخر.!
وإذا بالقائد يصرخ بهم:
- "كديما"... الى الهدف!؟
تقدم  الجنود الأربعة من محمود، وبدأوا يكيلون له، الركلات من كل جانب، دون تفريق بين أعضاء جسمه، أسالوا الدم من رأسه وأنفه، أوقعوه أرضًا، داسوا على رأسه وبطنه وأرجله، وكانت ترافق هذه الضربات الشتائم المقذعة،من كل لون ونوع، وبعد أنهوا "مهمتهم" أمروه بالوقوف، والتوجه الى الفتحة الموجودة في الجدار.
 بعد ايام رجع وعبر الجدار، واخذ الحجر الذي تركه هناك.. الحجر الذي يحمل اسم بيته في يافا.. وقال لابنه الذي كان يرافقه: سنرجع يا ابني الى يافا، ونعيد بناء بيتنا هناك، ونعيد هذا الحجر الى مكانه!
(عرعرة)
قد يهمّكم أيضا..
featured

للجماهير الحرة في مصر: تهنئة من الاعماق

featured

إجرام حكومي سافر

featured

ما وراء الصمت؟

featured

سياسة ضبط النفس الفلسطينيّة

featured

ما بين الورد والملوخيّة

featured

لصقل الموقف في مواجهة العدوانية الاسرائيلية المدانة بجرائمها ضد الانسانية!!

featured

العمّ الغالي سميح.. الإنسان الرّائع

featured

القدرة على الخروج منتصرين