تحبّ زوجتي الأزهار والنّباتات وتحرص أن تزرع أنواعا وألوانا منها في الأصص والأحواض، وتفرح كثيرا حينما ترى نبتة برعمت ثمّ أزهرت وتفتّحت، وحينما نجلس لنشرب قهوة الصّباح أو شاي الأصيل على شرفة منزلنا أو في ساحة دارنا تتعمّد بنت الحلال أن تلفت انتباهي إلى أزهارها وورودها، البيضاء والحمراء والصّفراء والزهريّة والعنّابيّة والليلكيّة، وإلى رائحتها الشّذيّة العطرة فتدعوني إلى أن أشمّها وأن يكون شهيقي عميقا، ولا تنسى أن تشرح لي عن كلّ وردةٍ وعن كلّ زهرةٍ، فهذه تعيش في الظلّ وهذه تحيا على نور الشّمس وهذه خجولة وهذه تبتسم في الصّباح وهذه تتفتّح في المساء، وهذه خريفيّة الفصل، وأمّا هذه فتنام نوما عميقا في الشّتاء وتستيقظ مع آذار وهذه.... وأسمع شرحها وأهزّ رأسي موافقا وأرسلُ نظرات العجب مقتنعا فرحا أحيانا لأسايرها وأتجنّب النّقاش معها فمجنون من يناقش زوجته في أمور تتعلّق بهوايتها أو بتجميل وتزيّين البيت وبخاصّة في ساعات الصّباح أو في ساعات المساء وربّما في كلّ ساعة من ساعات النّهار، وفي أحيان نادرة أبدي تذمّرا ناعما خفيفا حينما تنفق جزءً هامّا من ميزانيّة البيت الشّهريّة على الأحواض والأشتال والتّراب والسّماد وعندئذٍ تزعل وتكشّر وتقول لي: هل أعارضك عندما تشتري كتبا ؟ وقد تعلن الإضراب عن الكلام لساعة واحدة أو أقلّ فأقول في سرّي: هل يختلف زوجان بعد هذا العمر على وردة ؟!! يللا يا أبو علي المسامح كريم، فأصالحها.
وهي لا تكتفي بزراعة الأزهار ورعايتها بل تحبّ الزّراعة كلّها فتهتمّ بحديقتنا الصّغيرة فتزرع السّبانخ والخسّ والفجل في الشّتاء وتزرع الملوخيّة في الصّيف، وربّما أنّها ورثت حبّ الزّراعة من والديها فقد كانا - رحمهما الله – يزرعان النّباتات الشّتويّة والصّيفيّة بعلا وريّا، وأحمد الله تعالى لأنّ حديقة بيتنا صغيرة وإلا كلّفني ذلك كثيرا من أجرة عامل ينكش الأرض وثمن سماد كيماويّ وثمن مبيد للحشرات والدّيدان والأهمّ من ذلك ثمن المياه فأسعار المياه غالية جدّا.
قبل أيّام حسبتُ ثمن المياه التي استعملتها زوجتي لسقي الملوخيّة فوجدتُ أنّنا نستطيع أن نشتري ملوخيّة بثمن الماء تكفي لعائلتين أو ثلاث عائلات طيلة فصليّ الصّيف والخريف، فقالت، وحجّتها دائما قويّة: هذه الملوخيّة أزكى وأنظف وأنعم في الفم من أيّة ملوخيّة أخرى حتّى لو جاءت من مرج ابن عامر. قلتُ: صحيح، ولكن تناول الملوخيّة المطبوخة بالفراخ يحتاج إلى خبزٍ ويُلزم كلّ واحد منّا بتناول رغيفٍ كامل أو رغيفين وهذا يتناقض ويتنافر مع الحمية ويؤدّي إلى السّمنة وارتفاع السّكر في الدّمّ. وهنا ابتسمت وقالت: طيب "عينك مش إِلَكْ بطنك مش إلَكْ !!". والصّحيح أنّني نسيتُ نصائح الطّبيب وإرشادات خبيرة الطّعام وأكلتُ طبقين كبيرين كاملين مع الفلفل الحارّ والزّيتون وطبعا الخبز، ويلعن أبا الحمية ويلعن أم السّكري. وبعد يومين دفعتُ ثمن المياه المنفوخ المضاعف والمثل الشّعبيّ يقول: إذا كان مالك رايح رحّبْ فيه !!
صحتين ورد. صحتين ملوخيّة !!
