مخيم شاتيلا للاجئين الفلسطينيين في لبنان
تعرض الزميل الياس كرام اثناء تغطيته احتفالات "يوم الارض العظيم" في 30 آذار 2013 لاعتداء مردود على مرتكبيه كل تبراراتهم ومدان فعلهم، وفق ما جاء في النصوص القانونية والاخلاقية. اهدي كلماتي هذه للزميل كرام وغيره عشرات بل مئات الصحافيين الذين وقعوا ضحية مكيدة مستبدين باعلام عربي.
مقدمة ضرورية: من حيت التدريب والتعليم ليس محدثكم بصحافي. الصحافة خلعت باب بيتي لتلقي بجلبابها علي اواسط تسعينات القرن الماضي وتسوقني مغلولا الى احضانها لا لسبب الا لكون وظيفتي في احدى وكالات الامم المتحدة، وتاليا جولاتي الميدانية على مخيمات المفقرين الفلسطينيين في لبنان كانت تنفخني كل يوم بكم هائل من المعلومات عن اسباب ومكونات معاناة أناس طيبين من صلبهم ولدت وفي احضانهم تربيت. كنا وصديقي ومديري في الوظيفة الاستاذ الفاضل سليمان شمالي طنجرة ولاقت غطاها. تعلمت منه احترام الكبار كما استحالة اجتثاث السرقة والرشوة بل كبح جماح المرتشين والفاسدين الى الحدود الدنيا. بالدعم والثقة المطلقة لرئيستنا السيدة المصون زين صيقلي جعلنا ايام الفاسدين في الوكالة الدولية وخارجها من نصبتهم الظروف اوصياء على الفلسطينيين في مخيماتهم، رعبا حقيقيا.
عمدني المرحومان دكتور يوسف صايغ والاستاذ شفيق الحوت في رتبة صحافي محترف. الاول، بطلب منه، وبفضل توصيته عرجت حاجا (ضيف اكاديمي) الى جامعة اوكسفورد لمدة عام دراسي 1998/1999. ابو هادر لم يتوقف عن رعايتي وتشجيعي بالقول والفعل، وشرفني ان كان يناديني "يا عمي حسين". اصبحت في 1998 واحدا من الكتاب والصحفيين المختصين بالشأن الفلسطيني في لبنان؛ مقالاتي وابحاثي تنشر بشكل متتابع على صفحات جريدتي "النهار" و"السفير" ودوريات كثيرة اهمها "مجلة الدراسات الفلسطية" الصادرة عن "مؤسسة الدراسات الفلسطينية" في بيروت.
اتهمني بالخيانة منذ 1997 المنشقون عن حركة فتح ومنظمة التحرير، هذا مع العلم ان كتاباتي اقتصرت على استطلاعات الرأي والشأنين الاجتماعي والاقتصادي للفلسطينيين في المخيمات وخارجها. كنت عصيا على الكسر والتطويع ايضا، (ولسان حالي يقول؛ "قالوا للسعدان بدنا نمسخك، فأدار لهم مؤخرته"). كنت ادرك ان المهنية تتطلب التميز والثبات. زوجتي التي كانت تعمل طبيبة في المخيمات لدى جمعية الهلال الاحمر الفلسطيني كانت نقطة ضعفي الوحيدة. شرعوا في مضايقتها وادّعي ان طبيبا منشقا ربما حاك لزوجته الطبيبة الاخصائية خطة زكمت رائحة مقدماتها انفي، فتوقعت بحدسي الايذاء لزوجتي اثناء الولادة. انقذني وزوجتي وطفلي الاول ومن جاء بعده من أحمل على رأسي فضله، الصديق الامين الدكتور لطفي عبد الرزاق حين تطوع ان يشرف على ولادة زوجتي في احد مستشفيات الهلال الاحمر الفلسطيني في صيدا.
اصبح الخطر داهما حين زج الرأي العام المنشقين (ابو موسى وابو خالد العملة) وحلفائهم في عصبة جبريل في قفص الاتهام الشعبي بجريمة قتل صعقت اهل مخيم شاتيلا. جريمة كان ضحيتها عمي محمد عمر شعبان في بيته في المخيم اواسط شباط 1999. "الجريمة" الوحيدة التي ارتكبها عمي أنه جاهر بولائه لمنظمة التحرير والمرحوم ابو عمار. قررت العائلة عن بكرتها مغادرة لبنان بعد ان جاءتهم "نصائح" المنشقين وجماعة جبريل رفض التعاون مع محققي الشرطة اللبنانية. جازفت بحياة زوجتي الحامل في شهرها السابع يوم الزمتها واجبرتها وطفلي في ايلول 1999على مغادرة لبنان طلبا للجوء في المملكة المتحدة التي كنا قد تزوجنا في ربوعها. اتخذت كل ما يمكن لعاقل ومهني محترف اتخاذه من اجراءات التحوط والحذر مواصلا عملي الى ان صعقتني الواقعة التالية. زرت في آذار 2001 مقر وكالة اونروا في بيروت لتعميد (تسجيل) مولودي الثاني لاجئا فلسطينيا، مع انه نال بحكم مكان الولادة لقب المواطنة الانجليزية. عند المدخل الرئيس للمبنى نظر الي ضابط الامن المناوب وهو زميل سابق؛ اختلى بي جانبا ليلغني ان الدخول ممنوع علي؛ لأن المدير الاجنبي امر بوضع اسمي واسم صحافي لبناني آخر على ما يسمونه "اللائحة السوداء". جاءني بناء على طلبي المسؤول الامني الاول للمقر وهو بالمناسبة ابن مخيمي؛ فأوضح الامر لي بشكل لا لبس فيه. كتبت الحادثة بمهنية عالية وبعتث بها الى جريدة "النهار" التي كنت كاتبها الدائم والتي قلدني احد اهم محرريها آنذلك الزميل جورج ناصيف وسام "المصدر الموثوق".
لم تنشر جريدة "النهار" الخبر، اتصلت بمدير التحرير وبعدها رئيس التحرير لكني لم آخذ لا حق ولا باطل. لحل اللغز استنجدت بصديقي الدكتور خليل شتوي الذي شغل آنذاك لدى الحكومة منصب "مدير دائرة شؤون اللاجئين الفلسطينيين" والذي كان الضحية التالية بعدي بسبب مهنيته واخلاقه العالية. أسرني الدكتور شتوي قائلا "د. حسين هناك اتفاق شرف (من لا شرف له يصك اتفاقات شرف) بين وكالات الامم المتحدة والحكومة اللبنانية ومن ضمنها المؤسسة الاعلامية على تجنب المجابهة في القضايا الحساسة". اكتملت دائرة الخنق ولم يبق الا تحديد لحظة الانقضاض على الضحية حيث شماعة الموساد واسرائيل جاهزة لأي عملية قتل غامضة كما في حال المتهم ايلي حبيقة، واصدقائي سمير قصير وجبران تويني كامثلة لا للحصر. تخلصت في غضون اسابيع قليلة من كل ممتلكاتي... باستثناء سيارتي التي عز علي بيعها فسلمتها لشقيقي الكندي ليتصرف بها كما يشاء (لا عين تشوف ولا قلب يحزن). كانت الثمالة مرشدي وانا اعانق مودعا صديق العمر ابو علي سليمان شمالي في مطار بيروت صباح 29 نيسان 2001. كنت متيقنا ومقتنعا يومها اني لن ارى ذلك البلد مرة ثانية، مع اني منيت النفس واطعمتها جوز كلام فارغ.
في المملكة المتحدة، لم اتصل بأي مؤسسة اعلامية عربية لأني اعرفهم وكما يقول اهل ديرتي "من جرب المجرب عقله مخرب". شمرت عن ساعدي؛ انتقيت لنفسي وظيفة يسمح لي وقت العمل فيها بالقراءة والكتابة ايضا، هكذا بقيت كاتبا يحترف اطلاق العنان لقلمه ولسانه صادحين بالحقيقة كما يعجنها ويخبزها ضميره المهني والانساني.
اتصل بي الزميل سامي حداد مقدم برنامج "أكثر من رأي" واحد مؤسسي فضائية الجزيرة اواخر كانون الثاني 2002. كانت اطلالتي الاولى معه في حلقة حول اعتيال ايلي حبيقة قائد القوات اللبنانية والمتهم الرئيس بارتكاب مجزرة صبرا وشاتيلا في 1982. من بيروت حاورني تلميذ بشير الجميل ووزير الاعلام السابق، المسجون حاليا بجرم الارهاب ميشال سماحة. اتهم سماحة اسرائيل بقتل حبيقة، رفضت الادعاء كي لا يتحول حبيقة الى شهيد. علت نبرات اصواتنا وتبادلنا الاتهامات... تدخل سامي لينقذ سماحة فقال " هذا الرجل واشار الي؛ انا لا اعرفه وقد نصحني به صديق"، لم ارد على سامي كي لا اشتت جهدي وطاقتي... لكن الاكيد ان سامي حداد ثم فيصل القاسم واظبا على دعوتي للمشاركة في حلقات برامجهما، وحدث في مرات عديدة ان دعاني الزملان في نفس الاسبوع، فكنت على الدوام اعتذر لفيصل القاسم كوني احترم ومعجب كثيرا بمهنية سامي حداد واعتز بصداقته.
بعد مشاركتي الاولى في برنامج "الاتجاه المعاكس" ناولني مسؤول المالية مغلفا وقال "هذا ليس من قيمتك..." دسست المغلف في جيبي ولم افتحه الا في غرفتي في الفندق. صدمت وانا اقلب ثلاث اوراق خضراء، اثنتان من فئة مئة دولار امريكي والثالثة فئة الخمسين. هاتفت فيصل القاسم وحدثته عن ظروفي، فوعد بالتصحيح وفعل حقا. عندما اتصل السيد الشريطي في المرة الثانية ابلغته ان سفري الى قطر ومشاركتي في برنامج "الاتجاه المعاكس" او أي برنامج آخر تكلفتها الف دولار امريكي ... كثير يا زميلنا، رد معن .... يبعث الله، اجبته.
شعرت بالاختناق وزوجتي تنقل لي صباح الجمعة 11 تشرين الثاني 2004، خبر استشهاد الرئيس ياسر عرفات، كان صباحا رماديا داكنا بكآبة خنقت حزني. ضاقت الدنيا بوجهي، ابو عمار ليس قريبي، لم اكن على لوائحه المالية الثابتة او المتغيرة، كما لم اكن انتمي الى مدرسته الفكرية. كنت مقتنعا انه حامل راية فقراء فلسطين وكان المسؤول الفلسطيني الاوحد الذي اكرمني يوم عاتبته وسألته عن حقوق وكرامات الشهداء. خرجت من البيت اسير وطفلي في تيه الطريق عندما رن جرس هاتفي النقال. جاء الصوت من قطر، استاذ حسين انا معن الشريطي من الجزيرة - "الاتجاه المعاكس" نرحب بمشاركتك في حلقة عنوانها "مرحلة ما بعد عرفات". والاختناق يسد حنجرتي صرخت بصوت متهدج وقد انفجرت عيناي بالدمع "جثة ميتنا لم توار التراب بعد... الا تقدرون انه رئيسنا الذي انتخبه الشعب الفلسطيني...." اعتذر معن وانسحب. كان لي بعدها مشاركات عدة في حلقات مختلفة في نفس البرنامج.
اتصل الشريطي ظهر احد الايام سائلا مشاكرتي في حلقة "الاتجاه المعاكس" وكان موضوعها المبادرة السعودية لحل أزمة العراق. نصحته ان يجد مختصا عراقيا لأنه بكل الاحوال والمقاييس سيكون أكثر الماما وفائدة مني. اصر الشريطي قائلا "بدنا اياك". ما ان وافقت حتى بادرني الشريطي بالقول؛ أستاذ حسين لي عندكم تمني، تفضل أجبت؛ ان تقول العبارة "هذه مؤامرة سعودية...". صدمت، وعاجلته برفض يقنع الطفل والشيخ وانسللت معتذرا. كان لي بعدها مشاركة اخرى في "الاتجاه المعاكس" في حلقة مسجلة لم يرض عنها فيصل القاسم لأنه ارداني ان اخرق قواعد المهنية والاخلاق مع محاور كريم وفاضل هو الدكتور رشاد عبدو من جمهورية مصر العربية.
هاتفني السيد معن الشريطي ظهر الجمعة 02 تشرين الاول 2009، بعد التحية والسلام قال "عجبك شو عمل ابو مازن؟" خير انشالله شو عمل؟ سألته مستغربا. تحدث الشريطي باسهاب عن تقرير المبعوث الاممي الى غزة غولدستون وخلص الى القول ان ابو مازن منع مناقشة التقرير في مجلس حقوق الانسان في جنيف. كان معن يعرف ما يريد، فكل تمنياتي عليه بالتروي قبل اصدار الاحكام اصطدمت بعجين سد اذنه. قلت: استاذ معن بدك من آخرها ... بالايجاب جاءني الرد. انا مستعد للمشاركة في الحلقة للدفاع عن ابو مازن والسلطة الفسطينية ومنظمة التحرير ايضا ما قولكم؟ رد الرجل بالنفي المطلق سادا كافة المنافذ في وجه اقتراحاتي العملية والمهنية . جوابي النهائي نطق بعبارتين "لست لهذه المهمة". لا تتعلجوا يا سادة فصحة ادعائي تؤكدها مشاركتي الزميل سامي حداد برنامجه في حلقة "تقرير غولدستون بين المساومة والتأجيل" يوم التاسع من نفس الشهر بمشاركة الزميل المرموق د. هيثم مناع والدكتور. عزام التميمي "مدير معهد الفكر الاسلامي"؛ لو كانت الاسماء تشترى لكانت الشنطة مترهلة عليه.
أذكر اني شاركت فقرة "الاخبار الاقتصادية" في الجزيرة مرتين، الاولى في بث حي والثانية عبر الهاتف، في كلتا المرتين رماني مقدم الفقرة كما يرمي من اصابه زكام شديد مناديل انفه الملوثة. أخر مرة هاتفتني زوجتي على جوال العمل وقالت حسين افتح هاتفك الشخصي "الجزيرة" يريدونك على عجل. كنت غارقا في نشاط نقابي؛ فتحت هاتفي واتصلت بـ "الجزيرة" فاذا بالموظف على الطرف الاخر يخاطبني بلهجة زاجرة ويسألني لماذا هاتفي مغلق. كظمت غضبي في حضرة المثل الشعبي "نار ما منهم ودخانهم بيعمي"، سألت محدثي بأدب خالص ان ينهي المكالمة وان لا يزعجني في المرات القادمة. الاكيد ان زميل الغفلة صعق بلهجتي لأنه لم يعتد سماعها من معظم زملائي العرب، سامحهم الله.
لاحظت قبل ذلك وفي خضم معمعان الثورات الشعبية العربية ان اداء الجزيرة المهني راح ينهار بسرعة انهيار جبل جليدي او ثلجي. كتبت مقالات نقدية في مناسبات كثيرة، مقالات ذات طابع مهني مجرد. لم يكلف مثلا السيد احمد منصور مخترع برنامج "شاهد على العصر" ونصف دزينة برامج اخرى، نفسه عناء الرد على الرغم ان مصدرا موثوقا في الجزيرة أكد لي ان احد مقالاتي النقدية وضعت خصيصا على طاولة منصور في غرفة البث قبل لحظات من بدء تقديم برنامجه.
اللافت ان السيد عبد الباري عطوان صاحب "القدس العربي" ورئيس تحريرها، الممسك بالهواء الذي يتنفسه موظفيه ، تعمد نشر المقالات وامساكها بطريقة تجافي المهنية والانصاف ايضا. الفت نظر قارئي الفاضل الى حقيقة ان الصحيفة عينها "القدس العربي" نشرت بين 1999 - 2012 مقالاتي الكثيرة، ومع ذلك لم يكلف السيد عطوان لا خاطره و لا جيبه إرسال ثمن فنجان قهوة لنا... الا يكفي الشعب الفلسطيني ومعهم العرب اجمعين وفي ظهورهم المسلمين ان عبد الباري وورثته بخير ويعيشون بهناء وبحبوحة؟
أكثر من ذلك، كاتب موقر مرموق اختار زهد مهنة الصحافة نابذا بقلمه ولسانه الزندقه الاعلانية، ومنحازا للعلمانية ضد صفاقة ووضاعة الطائفية يقول، ان السيد صاحب "القدس العربي" يتفاخر امام مجالسيه ان معظم موظفيه من كتبة ومحررين هم من المرتدين عن اليسار... لهذا وغيره من قفف (جمع قفة) الاسباب قررنا الاحتجاب والامتناع عن "القدس العربي". اكثر من ذلك حذرنا زملاءنا والقراء من على صفحتنا على الفيسبوك من تحيز كتابها ومراسليها مشفوعة بالبرهان الدامغ. اما اذا حقق صاحبنا عبد الباري حلمه واصبح وزيرا للاعلام في اية حكومة فلسطينية، فلن نتردد لحظة بالفكير جديا باحراق جميع وثائقنا الشخصية التي تثبت فلسطينيتنا سائلين اهل الوطن العفو والغفران.
(باحث مقيم في المملكة المتحدة، وورك، المقال خاص بـ الاتحاد)
