لوين رايحين؟

single

سألته: من؟.. تنهد قبل أن يقول: بهاء.. ابن محمد عليان


*يقترب موعد نشرة الأخبار، وأنتظر ما ستقوله القنال الاسرائيلية الثانية عن العملية.. سأرى وجه صديقي، الجميل الودود، النشيط اجتماعيًا وثقافيًا، سيصفونه بالإرهابي..*


كانت منهمكة في حديثها معه حين وصلت، توقف الكاتب ابراهيم جوهر لحظة عن الكلام ليُعرفها بي، وحين أتمّ كلامه.
كنت قد فهمت موضوع الحديث، فسألتني: ماذا يمكنك أن تخبريني عنه؟
تركت النوافذ تُشرع في ذاكرتي على ذلك الحدث، فكرتُ مباشرة باليوم السابق لكل ما حصل.. فقد عرفت يومها أنّ شيئًا عظيمًا سيحصل في الغد.. لم أعلم أنّ ذاك الشيء سيؤثر على حياتي مباشرة، أنّه سيمنحني تجربة جديدة في علاقتي مع الوطن.. سيعيد نظرتي في مفهوم الحياة كلّها، وأسئلة المستقبل، كلّما تذكرتُ ما حصل.
لم أعلم كلّ هذا وأنا أتابع الكتابات التحريضية على موقع التواصل الاجتماعي، في ذلك المساء، بعد إصابة الفتى محمد مناصرة، قلت لنفسي "الله يستر"، واستسلمتُ للنعاس.
صباح اليوم التالي.. حين سمعتُ زملائي في العمل، يقولون انّ عملية كبيرة حصلت في مستوطنة أرمون هنتسيف جنوب شرق القدس، أدركتُ أن توقعاتي قد حصلت.. لكن حتى تلك اللحظة لم أعلم أنّ التفاصيل المواربة أكبر.. استمررتُ في العمل دون التوقف للبحث فيها، لئلا أدخل في نقاش سياسي جديد مع زملائي اليهود، يقودني الى اللاشيء.
في الواحدة ظهرًا.. خلال وقت استراحتي، تذكرتُ وجوب اتصالي لزميلي في ملتقى دواة على السور خليل أبو خديجة للاستفسار عن صحته، بسبب وعكة مرّ بها. حين جاءني صوته يسير مسرعا لاهثا، سألته: ماذا هنالك؟
قال: هل عرفتِ ماذا حصل؟
تساءلتُ: في أي شأن؟
ـ هل سمعت عن عملية أرمون هنتسيف؟
ـ سمعت أنّ ثمة عملية لكنني لا أعرف شيئا عن التفاصيل، ما زلت في العمل..
ـ هل علمتِ من قام بها؟
تساءلت بخوف: هل هو شخصٌ يخصنا؟
ـ نعم
ازداد تسارع نبض قلبي، فأنا أخشى على أصدقائي في القدس كثيرًا، وحين أسمع عن توتر في منطقة تخص أيًا منهم أتصل حالا لأطمئن.. كم خشيتُ وأخشى أن يأتيني خبر استشهاد واحد منهم.. تمرّ الوجوه في بالي بسرعة البرق، وأنا أتساءل ترى من هو الراحل منها؟
سألته:ـ من ؟
تنهد قبل أن يقول: بهاء.. ابن محمد عليان
خرجت صرخة وجع من فمي، وسقطتُ على الكرسي القريب مني، ماسكة الهاتف، ناظرة صوب الفراغ.. أحاول أن أستوعب الخبر. جاءني صوت خليل يوقظني من شرودي: نسب وينك؟
لأسأله حالا: انت وينك؟
قال: بدي أحاول أوصل الجبل..
ازداد انفعالي: وين توصل؟ روح على البيت! دير بالك على حالك بكفينا اللي صار.
أنهينا المكالمة، بقيتُ شاردة لبضع دقائق، ثم شربتُ كأس ماء.. ونظرتُ الى ملامح وجهي في المرآة، وأنا أتخيل القناع الذي سأضعه حالا لأتمالك نفسي، حين سيوصف منفذ العملية بالإرهابي أمامي. تسلحتُ بابتسامة صفراء وعدتُ الى العمل..
لا تفارقني ابتسامته الرائعة.. وأجلد نفسي بالسؤال لماذا؟
قد رأيته قبل شهرين، كان رائعا ومليئا بالحياة كما هو دومًا.. لماذا اختار هذا الدرب؟

***
أنظر فجأة حولي وأنتبه لأقول لها: أتعلمين كانت المرة الأخيرة التي رأيته فيها، هنا في بيت عمي ابراهيم. ضمن افتتاحه مركزا ثقافيا في الطابق السفلي من البيت.
تنظر إلي باهتمام، وهي تدون هذه المعلومة. وأعود الى قصتي.. لم أستطع أن أبكي في ذلك اليوم خلال العمل أو في الطريق بين العمل والجامعة، فقط حين قال لنا أستاذنا، انّه سيكلفنا هذا الفصل بإجراء بحثٍ عن الهبة المندلعة في القدس، أجبت إيجابا وبحماسة، وقد صار الموضوع يخصني أكثر من أي وقت مضى.
مساءً قلبت صوره المنشورة على مواقع التواصل، أحاول أن أستوعب الحقيقة الجديدة انّه أصبح لدي صديق شهيد، رحت أراجع كتاباته على صفحته، أقرأ وصاياه، وأحاول التذكر هل قرأتها قبلا أم لا؟ وأتساءل كيف هو حال العم محمد الآن؟
يقترب موعد نشرة الأخبار، وأنتظر ما ستقوله القنال الاسرائيلية الثانية عن العملية.. سأرى وجه صديقي، الجميل الودود، النشيط اجتماعيًا وثقافيًا، سيصفونه بالإرهابي، بعد أن سبب هو وصديقه الذي أعتقل حيًا بجرح 27 شخصًا وقتل شخصين أصبحوا فيما بعد ثلاثة.. كنتُ بعيدة عن شاشة التلفاز حين سمعتُ اسم أحد القتلى، ازدادت نبضات قلبي.. حين استوعبت أنّ الاسم مألوف.. سارعتُ صوب التلفاز، حتى أرى صورة القتيل، لأطمئن أنّها ليست لأستاذ درسني الصيدلة في الجامعة العبرية.
أتصل بالعم محمد، أتصل بحسام شقيق بهاء.. وما من رد، يصلني خبر باعتقال حسام. فأتصل بالأصدقاء.. لنعبّر عن حيرتنا وحزننا، وبدأت منذ ذلك اليوم 13/10/2015 سيرة جديدة من التساؤلات والوجع.
تمنيتُ الوصول في أقرب وقت إلى بيت العزاء، أردتُ النظر في عيون العم محمد، النظرات أقوى من أيّ كلمات، لكن المواجهات التي اندلعت، والحواجز التي وُضعت، جعلت الجبل أبعد أكثر من أي وقت مضى. انحصرت الدموع في عيني تأبى أن تمضي بعيدًا عني بنيرانها، لم تبدأ بالتساقط إلا بعد يومين حين غادرتُ القدس، صوب قريتي في الجليل، عندما دخلتُ القرية ورأيتُ هدوء الشوارع، فهمتُ معنى الموت الذي نحياه في القدس، بدأت دموعي تسيل، وانفجرت كلّها حين وصلتُ حضن أمي..
تلك الدموع الحارقة، بقيت تتجدد في انتظارات لم أعرف مثلها من قبل..
فهمتُ أكثر من أي مرّة سابقة أيّ حرقة ووجع تحمل الشهادة.. وبدأت تساؤلات تلوح، وتزداد قوتها.. ألحّت بقوة حين التقيتُ المرّة الأولى العم محمد زميلي في ندوة اليوم السابع، بعد استشهاد بهاء، ألحّت حين دخلتُ غرفة بهاء وتأملتها قبل هدمها، حين رأيتُ حنان عائلته على البيت، وتنظيفه رغم توقعنا حضور قوات الاحتلال لهدمه خلال بضع ساعات، حين علمت أنّ الدفن سيطول ولن يكون في غضون أيام.. وحين ازداد بشكل مرتفع عدد الشهداء.. وبقينا في ذات النقطة نطوف حول أنفسنا.. ليطلّ سؤال بهاء الأخير لأبيه قبل العملية، علي كل يوم: "شو رأيك بالوضع يابا؟ لوين رايحين؟"
السؤال الذي لم يجد له العم محمد جوابًا شافيًا، واستشهد بهاء ربّما سعيًا للوصول الى إجابة عليه.. ما زال ذاته لم يتغير.. "الى أين؟ ماذا في الغد؟"
ها نحن هنا بعد كل هذه الأشهر.. أكثر من عشرة أشهر وهو معتقل رغم موته في ثلاجة..
يطلّ ظلّ دمعة في عيني وأنا أقول لها: يصعب أن يتخيل أحد ما قسوة أن تنتظر دفن شخص يخصك.. أن تنتظر موعدًا مجهولا.. أن تنحصر آمالك في رغبة بديهية بدفن شخص قد توفي..
هذه القسوة تجلدك، حين تطلّ في يومياتك فيكون أول فعل تفعله هو البحث والسؤال، هل هُدم البيت أم لا؟ هل عاد الجثمان أم لا؟
وحين تعدّ دراسة وترى أنّ مئة وعشرين شابًا من زهور وطنك، رحلوا خلال ثلاثة أشهر فقط.. وأنت والوطن في ذات المكان، في ذات النقطة دون أي تقدم.. تكبر مساحة التيه، في حين يستمر الموت في أنحاء المدينة والوطن لأشهر أخرى، حتى صار أكثر شيء طبيعي، ووجدنا أنفسنا هنا في فترات نخرج من البيت لا نعلم هل سنعود أحياءً أم لا؟ فقد صار كلّ عربي موضع شك، ومدانا حتى تثبت براءته.
أصمتُ لحظة، ثم أضيف: أتعلمين نحن الجيل الشاب في فلسطين، لم تعد لدينا آمال كبيرة، نحن نعلم أنّنا وحدنا.. لن يساعدنا أحدٌ من الخارج، ونحن أنفسنا فقدنا الثقة في قياداتنا وأحزابنا، ازدادت وحدتنا الذاتية، وكل فرد يحاول عن يعثر على إجابة السؤال، بطريقته.. فالمستقبل غائم جدًا ولم نعد نتمكن من تخمين الاحتمالات.. حتى من الصعب أن نخطط للمستقبل البعيد.
تنهدتُ، وإذ بي أرى دموعها تنفجر دفعة واحدة.. موجة حادة من البكاء، جعلتني أمنحها الخصوصية، وأبتعد عنها قليلا بنظري، لتتركز نظراتي على الجدار الفاصل بين أبو ديس وجبل المكبر، يتسلل الجدار بإطلالته من شق الباب المجاور لكنبتها.. أتأمل رماديته، وسخريته من وجودنا ومن إجابات غدنا.. حتّى هدأت.. فقالت:ـ انا آسفة لكن ما قلته حقيقي ومؤثر جدا.
ثم سألتني: هل من معلومة متى سيتم تحرير الجثمان؟
أجبتُ: كلا.. في كل فترة يكاد يتم الوصول لاتفاق ويفشل.. الله أعلم كم ستطول هذه المدة.
صافحتني الصحفية البرتغالية ألكسندرا لوكس بحرارة قبل أن نفترق مغادرة بيت العم ابراهيم، على أمل أن يُدفن بهاء قريبًا.

***
بعد مرور أيام.. وحين رأيتُ صور العم محمد وكتاباته هو وحسام (شقيق بهاء) صباح الأول من أيلول، احتجتُ أن أقرأ الكلمات مرّات عديدة حتى أستوعب أنّ بهاء حقًا قد تحرر، وأنّه في حضن التراب.. لم أعلم في ذلك الصباح هل أبكي أم أضحك؟ كم من الصعب أن تنتظر أسيرًا يتحرر من حضن السجن، وما إن يخرج حتى يأخذه حضن المقبرة!
سارعتُ بالاتصال بألكسندرا لإخبارها، ففرحت كثيرا، ها هي ستتمكن من اتمام فصول قصة صحفية أخرى عن الفلسطينيين، الذين تؤمن بقضيتهم، وتعود كلّ بضعة أعوام لتكتب عنهم، على أمل أن توصل رسالتهم لأبناء شعبها من البرتغاليين.
كانت قد سألتني في ذلك اللقاء:ـ هل أنت سعيدة باستشهاد بهاء..؟
تساءلتُ: هل يفرحُ المرء بموت شخص عزيز عليه؟ كنتُ أتمنى له لو بقي معنا، كان عمره اثنين وعشرين عاما، وقدم خلاله الكثير لأبناء منطقته بشكل خاص وللقدس بشكل عام، بنشاطه الثقافي الغني.. حياته كانت غنية وثمينة ليتها طالت أكثر، فهي أثمن عندي من هذا الموت.. ربّما نحتاج لإعادة النظر في نضالنا الوطني، أن ندرك أنّ النضال المسلح لا يساعدنا أو يقدمنا هذه الفترة، نحن نحتاج لأن نعيد بناء أنفسنا، أن نطور عقولنا وثقافتنا وإعلامنا واقتصادنا، وأن نتوحد، نحتاج لكل هذا ولحياتنا في سبيل الوطن قبل أي خطوة أخرى، في هذه المرحلة بالذات، فما يزال هذا الوطن يستحق أن نعيش لأجله.. ليكبر فينا ونكبر فيه.
وفي النهاية بهاء اختار تلك الدرب لأنّه ربّما رآها الإجابة على تساؤلاته.. وسيختار كلّ فلسطيني الدرب التي يراها هي الأنسب في الوصول الى حلمه بفلسطين، سيستمر هذا حتى نقترب بحلمنا الى الحقيقة.

***
الآن عامٌ كامل يمرّ من يوم كان استثنائيًا بالنسبة لي خلال هبة القدس الأخيرة، رحل بهاء مخلّفًا الكثير من التساؤلات في نفوسنا.. أهمها، لو صار لي طفل ذات يوم، وسألني ذات السؤال: لوين رايحين؟
هل ستكون لدي إجابة؟

قد يهمّكم أيضا..
featured

"إصحَ يا بلدي"

featured

فرصة حقيقية لإرسال اليمين الفاشي الى مزبلة التاريخ

featured

الزيتون المرّ!!

featured

موسم الاعياد وشعبا هذه البلاد

featured

في وداع الرفيق يوسف بسيوني أبو الفضل

featured

رئيس الاوروغواي خوسيه موخيكا: رب أخٍ لم تلده أمك

featured

عكا قاهرة نابليون، تخشى التهويد وتقاوم الاستيطان