عكا عروس فلسطين وقاهرة نابليون وعاصمة الظاهر عمر، المزينة بمآذنها وقبب كنائسها وسورها وخاناتها وأزقتها وكل معالمها التاريخية، هذه المدينة التي لم تخش يوما هدير البحر متحدية بالقول، "يا خوف عكا من هدير البحر". تخاف اليوم على مكانتها التاريخية ومحاولات طمس هويتها العربية، وتفريغها من السكان، حيث لم يبق من نحو 17 ألف نسمة سوى 7 ـ 8 آلاف عربي داخل الأسوار؛ وتجري ملاحقتهم برا وبحرا وجوا بغية ترحيلهم وتحويل مدينتهم الى منتجع سياحي شبيه بطابا المصرية او انطاليا التركية او غيرها.. فمحكمة الصلح المعانقة للسور القديم تتحول الى فندق، ومنزل ابنة احمد الجزار يعلن بالمزاد للبيع. وبعض مدافع إبراهيم باشا غيرت مواقعها، وخان العمدان يحاصر وتغلق أبوابه لينضم الى قافلة البيوت المغلقة بأمر من شركة "عميدار"، او تلك التي يستولي عليها الأثرياء اليهود الذين برز من بينهم المليونير أوري بوري.
وبوري هذا، أصبح على كل لسان في عكا بسبب مضايقته للجيران في حي المجادلة، وإذا عكا وقفت عصية على نابليون، لكن هذا الخواجا اخترقها بأمواله. وفي حي المجادلة يقوم بقذف السكان بمناجيق من المضايقات والغبار ومخلفات البناء، مدكوكة "ببارود" دعم البلدية واذرعتها الفاعلة دون مراعاة لسلامة السكان او الحفاظ على البيئة والجيرة الحسنة.. ويقول جمال ناصر (ابو خالد الحصري) إن أوري بوري يريد أن يقيم فندقاً في الطابق العلوي لبناء قديم يقع بجانب وفوق بيوتنا ويريد ان يبني مصعدا كهربائيا من الخارج بحيث يسد القسم الأكبر من الطريق ولا يترك شبراً من المساحة يقف عليها أولادنا وبهذا الإجراء الذي رخصته البلدية يكونون قد قضوا على "المنفس" الوحيد لست عائلات ومؤسسات عكية.
الحاجة ام حميد فاطمة غريفات أرادت أن تبدي حسن نية اتجاه اوري بوري الذي وضع الأخشاب فوق مدخل بيتها الواقع في الطابق الأرضي فجعل منه أمرا واقعا وأخذ يغري ابنها بالمال لبيع البيت. أيضا عائلة بشناق عرض عليها شيكونات خارج عكا القديمة كبديل لبيوتهم لكنهم رفضوا وتجري مضايقتهم بترك مخلفات مواد البناء بالقرب من بيوتهم. وقال احد أفراد العائلة، يظهر ان اليهود في عكا القديمة "على راسهم ريشة" أما اذا قام مواطناً عربيا بترك نفايات او أي شيء آخر حتى ولو بجانب بيته تقوم قيامة البلدية وعميدار والبوليس..
المواطن عدنان عيسى وقف على شرفة بيته قائلا تمنعني البلدية منذ سبع سنوات من إضافة "نتفة" قرميد على البرندة في وقت تمنح كل التسهيلات وتعطى الرُخَص لليهود حتى لو كانت مخالفة للمنطق والقانون.
أضاف آخر، وطلب عدم ذكر اسمه، ان هذه المعاملة تدفعنا لنكون متطرفين، نحن لا نطالب بالمساواة، فيظهر انها فقاقيع في ماء البحر، وتبدو كل حكاية التطوير وبلع البيوت مشابهة لقصة الغولة التي وجدت ولداً في التراب فقالت لأمه: يا حرام ابنك كان بالوحل فنشلته وغسلته واكلته.
سألت مرافقي، فخري بشتاوي (أبو عدنان) رئيس "جمعية عكا بلدي ـ للنهوض بالإنسان والبقاء": من هي تلك الأذرع التي تقوم بالشراء، والاستيلاء على البيوت والعقارات؟ اجاب: المتمولون اليهود و"جمعية أيليم لتطوير النقب والجليل"! و" شركة تطوير عكا" والوكالة اليهودية ودائرة أراضي إسرائيل. اما شركة “عميدار” ومن فوقها “المنهال” فيعرضون البيوت والعقارات بمبالغ يصعب على السكان بأوضاعهم المادية المتأزمة دفعها، فتقوم ببيعها للمتمولين اليهود. وأضاف بشتاوي نحن لسنا ضد السياحة او ضد اليهود؛ لكننا ضد محاصرتنا وضد اقتلاع العرب من هذه المدينة العريقة.
زهير عبد الغني يملك بيتاً يقع تحت الفندق الذي يعمل أوري بوري على إشادته قال، انظر تلك الأوساخ وهذه المياه القذرة كيف تنساب من أعلى على حيطان منازلنا وكيف أصبح منظرها فهل يسمح أي يهودي ان تنسكب مياه جاره العربي على حيطان بيته، ولكن هذا الأمر بسيط بالنسبة لباقي المضايقات الممزوجة بالإغراءات المالية التي يواجهون بها السكان العرب كي يملوا السكن في عكا ويبيعون بيوتهم .ثم لما لا يتقدم المتمولون العرب لشراء مثل هذه العقارات؟!
تناول آخرالحديث ليقول: اذا استمرت سيطرت اليهود على عكا القديمة فلن يكون مصيرها أفضل من مصير يافا.
عبده ماضي 47 عاما و يعتاش على منحة من التأمين الوطني ويعيل 9 انفار، طالبوه مقابل التصليح مبلغ 50 ألف شاقل والمخمن الخاص قدر العمل بعشرين ألف، لكن المحكمة اجبرته على دفع المبلغ الاول. ويقول إن ما قدّروه هو ظلم ومحاولة للتضييق عليّ لترك بيتي إذ يعرضون علينا شكونات خارج البلدة القديمة ومجانا! فقط اترك بيتك في عكا القديمة.. المضايقات تحيطنا من كل النواحي حتى نسأم العيش ونترك بيوتنا. حتى سقف بيتك ليس لك وتستطيع عميدار بيعه ونحن لا يمنحونا المساعدات والقروض المعقولة كي نستطيع ان نتأقلم مع ما يطلبون.
قاطعه أبو عدنان قائلا: أكثر من ذلك إذا كان المالك يعيش لوحده في البيت تصبح عميدار الوريثة الوحيدة وليس أولاده او أخوته او أي من أقاربه.
في حارة المعاليق استوقفنا شخص ليقول لنا ان حوالي10 بيوت أصبحت ملكا لجمعية أيليم وتساءل اين رؤوس الأموال العربية اين زعماء النفط؟ مضيفا، لا تنسوا أن تكتبوا أن بعضاً من مستوطني قطاع غزة اخذوا يستوطنون بيننا.
مقابل الشاطئ الغربي يسكن المواطن جورج حايك اشترى داره من وقف اليعقوبية قبل 20 عاما، ويومها اخذ قرضا (مشكنتا) من بنك "يروشلايم" لهذا الغرض، لكن قبل سنتين اشتكتهم شركة تطوير عكا للمحكمة مدعية ان الدار ليست ملكهم، "العدالة" بدورها حكمت بان يدفع حايك 60 ألف شاقل. غير آبهة أنه عاطل عن العمل وعندما لم يتمكن من دفع القسط الشهري لعميدار أصدروا له بلاغا وجرى تشميع المخزن.
الفنانة اخلاص ابو شنب تناولت موضوع استبدال أسماء بعض الأزقة والشوارع والمعالم التاريخية بأسماء عبرية وكذلك قيام أجانب ومستوطنون بشراء الأملاك الخاصة أي ممن يملكون طابو. وتضيف ليس مهماً الشاري فالمهم بالنسبة لمؤسسات الصهيونية أن لا يبق العقار تابعاً للسكان العرب. مضيفة أن المتمولين اليهود سوية مع عميدار وشركة تطوير عكا والبلدية وغيرها يصبون في مصلحة واحدة وهي تهويد المدينة وبالتالي طرد سكانها العرب.
نمر موسى جار خان العمدان الاثري ويملك دارا بالمفتاحية، عرضت عليه شركة تطوير عكا أن تقوم بشراء بيته فوافق، لكنه يقول بأنهم لم يعودوا اليه ثانية ويظهر انهم باعوا بيته لأحد المتمولين ضمن صفقة خان العمدان ويضيف انه متمسك ببيته وسيواصل دفع ما هو مطلوب منه بغض النظر اذا كانت عميدار او غيرها فنحن هنا ولنا هنا وسنبقى كالشوكة في حلق كل من يحاول قلعنا من هذه المدينة.(ملاحظة البيوت تابعة لشركة عميدار والسكان يسكونون فيها بالمفتاحية والمقصود بيعها لهم أي بملكية كاملة مع طابو)
اما احمد عودة عضو البلدية عن الجبهة فقال، إن رأس الحربة في المضايقات ومحاولات تغيير الطابع العربي للبلدة القديمة هي البلدية وهي التي تشجع وتدعم التهويد وتعمل كل شيْ لعدم تأثير العرب على المدينة خاصة خارج الأسوار كي لا تظهر بمظاهر عربية.. وبلدية لانكري تعارض فتح أي مؤسسة عربية رسمية او مدرسة عربية خارج نطاق البلدة القديمة، وترفض تسمية أي شارع على اسم الشاعر الرمز محمود درويش وتصدر الفرمانات لمنع التجار العرب من فتح محلاتهم أيام السبت وغير هذا من إجراءات ومضايقات وفي الوقت ذاته يشجعون الاستيطان ويسهلون الأمور للنفوذ اليهودي في عكا القديمة عن طريق الجمعيات والمتمولين
وانا كعضو بلدية كشفت المؤامرة التي أحيكت مع اوري بوري فالعقار الذي يجري تحويله الى فندق كان ملكا للبلدية وكان مركز إثراء تابع للمركز الجماهيري ويخدم الفتية من المدينة والأمكنة المجاورة، ورغم أهميته ومكانته الأثرية قامت البلدية ببيعه بالسر للمتمول المذكور فقمت بكشف المناقصة واضطروا إلى عرضها، في جلسة للبلدية ولكن للأسف هذا الإتلاف أقر صفقة بيع عقار بمساحة 400 متر بملغ 90 ألف شاقل. والحديث ليس عن حاجة البلدية لهذا المبلغ من المال، لكن لماذا تباع مثل هذه الأماكن الأثرية الهامة داخل الأسوار. لماذا يغيّرون اسماء العربية، لماذا يقفلون البيوت في وجه السكان العرب، لماذا يحجبون الكثير من الرخص عن برندة لا تضر باحد ويرخصون مصاعدا كهربائية تسد الطريق وتعيق مرور السكان. هذا "التطوير" تقصد منه البلدية تطيير الاهالي العرب من بيوتهم وربما الوصول بهم الى نكبة ثانية.
ثم ضاف: ان ما تقوم به البلدية ضد المواطنين العرب من الصعب طرحه في هذه العُجالة، لكن لا بد من القول بان الجبهة ونشاطها البلدي ليسا ضد التعايش المشترك اليهودي العربي القائم على الاحترام المتبادل ومساواة في الحقوق والواجبات، لكننا نعم ضد كل من يريد ترحيلنا وضد من يعمل على تغيير معالم عكا كمدينة عربية ذات الجذور الفلسطينية العريقة. وضد كل من يحاول فرض تلك المناهج والأنماط البعيدة عن عاداتنا وتقاليدنا وحياتنا اليومية.
