رئيس الاوروغواي خوسيه موخيكا: رب أخٍ لم تلده أمك

single


لم تكن مألوفة معيشة وطريقة حياة رئيس الاوروغواي في أمريكا اللاتينية خوسيه موخيكا، لم نسمع عن رئيس دولة لا صغيرة ولا كبيرة، غنية كانت أم فقيرة، ان يحيا ويعيش مكتفيًا براتبه الشهري المتواضع جدًا، والذي بالكاد يكفيه ولا يكفي تضييفات لزواره، أو لصيانة منزله المتواضع أو سيارته من نوع فولسفاجن موديل 1987.
كيف يمكن لهذا الرئيس الأسطورة الاجتماعية ان يكون حالة استثناء اجتماعية معينة بين عشرات ومئات من الرؤساء والملوك والأمراء وسلاطين المال والاقتصاد في العالم، ان يتحدى الثراء الفاحش والبذخ والاسراف والتبذير الذي في متناول يديه، واختار لنفسه النزول إلى مستوى القاعدة الشعبية، في ان يحيا حياة وعيشة الاكتفاء الذاتي مع الملايين من أبناء شعبه، هل تغلب الفكر والانتماء والمبدأ على الشهوة والجشع المادي في عصر تكريس الثروة والمال وزيادة عدد أصحاب الملايين، كما يفعل الملوك والأمراء والرؤساء وأصحاب السلطة والنفوذ في عالم اليوم، الذي تحوّل إلى عالم جمع المال وتكديس الثروة الفاحشة، نتيجة لحرمان الملايين من الأمم والشعوب من ان تحيا حياة ولو الى مستوى الحد الأدنى من البقاء على قيد الحياة.
كنت أتمنى لو يتعلم الحكام والملوك العرب الفاسدون في مشيخات الخليج وغيرها من حكمة خوسيه وهم الجاثمون على أمعاء شعوبهم الخاوية، وقد أعياهم الفقر والجوع والمرض. ان حكامنا لا يتعلمون وإنما يتعلمون فقط شكل زيادة القمع والظلم والاستغلال والتنكر لحقوق ومعيشة الملايين من شعوبهم. وهنا يكمن معنى سلطانهم المالي ووحشية حكمهم في تجويع ومحاولة تركيع شعوبهم. فان ما يفعله الرئيس الأسطورة خوسيه المليء بالشعور والإحساس والإنسانية والغارق بالعواطف والانتماء في تقديم ما يمكن تقديمه للبسطاء والفقراء من شعبه في بلاده الواقعة في وسط أمريكا اللاتينية، في القسم الغربي من الكرة الأرضية.
فكم من الصراعات السياسية الدامية على المستوى العالمي وبالذات في أقطار العالم العربي، وفي دول إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية وغيرها، تدور رحاها بين المخلصين لشعوبهم من الوطنيين واليساريين والثوريين وبين قوى رأس المال وكبار أصحاب المليارات للوصول إلى هرم السلطة، لا بطريقة ديمقراطية كما وصل الأسطورة الاجتماعية خوسيه موخيكا في الاوروغواي بطريقة الانتخابات البرلمانية، وإنما بالانقلابات العسكرية وبطرق الاغتيال والتآمر على الديمقراطية بالتنسيق مع رأس المال الأجنبي والأمريكي بالذات، كما اغتيل الرئيس التشيلي سلفادور البندي في سبعينيات القرن المنصرم وغيره كثيرون.
لم يكن وصول الرئيس خوسيه موخيكا في بلاده الاروغواي الى رأس السلطة بهدف جمع الثروة وتكديس المال في البنوك السويسرية والغربية، كما فعل الرؤساء العرب المخلوعون والمطرودون من شعوبهم أمثال زين العابدين بن علي في تونس الحبيبة وحسني مبارك وأولاده في مصر العرب وعلي عبدالله صالح في اليمن الذي كان سعيدا في يوم مضى، ومعمر القذافي في ليبيا، وإنما انتخب خوسيه ليمثل العدالة الاجتماعية بدءا من نفسه ولخدمة شعبه والنهوض ببلده سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا وثقافيًا، والعمل على تطبيق العدالة الاجتماعية في معيشة الناس، بل التقليل والتقريب ما بين طبقات المجتمع الاوروغوايي.
لكن كان من الأهمية ان يجلس الرئيس خوسيه في الحكم وهو على رأس حزب ثوري يتمتع بالبوصلة الطبقية وان يتسلح بالفكر السياسي والنظري من عبقرية ماركس وانجلز ولينين، من اجل قيادة شعبه وبلاده إلى بر الأمان ويحافظ على السلطة لا لنفسه وإنما لحماية شعبه والشرائح الضعيفة في بلاده من غدر المحيطين به والمتربصين له فيما تحمله الأيام والسنين القادمة ومحاولات التدخل الأجنبي في شؤون بلاده الداخلية.
من يحيا ويعيش عيشة رغيدة، ويأكل بملاعق الذهب الخالص، لا يمكن ان يفكر في يوم من الأيام في معيشة البسطاء والفقراء والمحتاجين لان هؤلاء التعساء هم ضحية للجشع الذي لا يعرف حدود الشبع في أوساط النخبة الحاكمة. لكن خوسيه هو الرئيس الوحيد في القارات الخمس في عالم الإنسان والصراع للوصول إلى كرسي الحكم ويتربع على عرش أفضل رؤساء العالم عدالة وقيمة وشعورًا تجاه شعبه، ولأنه اتبع لنفسه طريقًا آخر وهي العيش مع الشعب وفي وسطه ومع الأكثرية وليس عليه.
موخيكا يستحق تخليد سيرته وطبيعة تفكيره ونمط حياته كرئيس منتخب وهب حياته وأمواله القليلة (1800) دولار هي قيمة سيارته القديمة والمتواضعة جدًا، وكذلك راتبه الشهري كي يوزعها على الفقراء والمحتاجين في بلاده، واجب الأمم المتحدة والمنظمة الدولية لمكافحة الفقر في العالم، ان تخلد مسيرة هذا الرئيس الوحيد في العالم اجمع الذي يقف مع الفقراء فعلا وليس قولا. فهو ليس رئيسا لشعب الاورغواي إنما هو نصير وزعيم وقائد وممثل لكافة فقراء العالم.
من غير الطبيعي ان يعرض ذلك الشيخ العربي الذي يعرض مبلغ مليون دولار لشراء واقتناء سيارة الرئيس موخيكا من نوع فولسفاجن صغيرة موديل 1987 وهي رأسماله الوحيد، هل يريد ذلك الشيخ الفاسد ماليًا وأخلاقيا تفويت الفرصة في إفساد حياة هذا الرئيس القنوع في حياته وتصرفاته وقروشه القليلة المتواضعة، عن طريق إغرائه بالمال الحرام الذي يحصل عليه بالغش والحرام ويكدسه من اجل اقتناء سيارة عادية. لماذا لا يكون مثل هذا العربي الفاحش في الثراء بدلا من ذلك، ان يساهم بمبلغ المليون دولار في تأسيس مشروع استثماري في بلده من اجل إطعام آلاف الجياع وإسكان آلاف المشردين ومعالجة ألوف مؤلفة من الجرحى والقضاء على الأمراض الفتاكة التي تفتك بالبشر أو إيجاد المأوى لعشرات الآلاف في قطاع غزة الأبية ممن شردتهم حرب إسرائيل العدوانية الأخيرة.
لا، ليعلم هذا الشيخ انه إذ كانت سيارة خوسيه موخيكا تساوي مليون دولار، فان حذاءه يساوي أكثر بكثير من قيمة كرامة وأصول هذا الشيخ وأمثاله الفاسدين على قارعة الفقر والجوع.
شكرًا لك أيها الرئيس الغالي على رفضك للعرض المغري جدًا من ذلك الشيخ السخل، فأنت اكبر وأغلى بكثير من دولارات العالم اجمع، بل أنت أكثر من أخ لم تلده أمه وأكثر منفعة وعطاء وتضحية بالوقوف إلى جانب الضعفاء والفقراء والمحرومين، فأنت أخوهم الحقيقي الذي لم تلده أم بعد.



(كويكات / أبوسنان)

قد يهمّكم أيضا..
featured

تمرين الرعب المسيّس

featured

تعقيبات مختصرة جدا

featured

الموقف الأمريكي المستفز

featured

على المعتدي دفع الثمن السياسي!

featured

المشتركة : كنز ثمين يجب الحفاظ عليه

featured

الإنتخابات البلدية تجديد للشرعية

featured

نحن منذ الآن غيرُنا