الضَّحايا.!

single


 في ذلك اليوم  المشؤوم  سمع صراخها.. صراخ  أخته.. كان مارًا بجانب بيتها.. دخل فاصطدمت عيناه به.. كان زوجها يكيل لها سيل من الضربات والشتائم المقذعة.. كان يحاول إجبارها بالقوة، ان تعطيه، ثمن "وجبة" المخدرات، التي يتعاطاها يوميًا. 
   إنَّ خبر خروج سعيد، ابن حارتي القديمة من السجن، بعد قضائه فيه عقدين من الزمان،  أعادني الى أحداث جرت في حارتنا القديمة.. الحارة التي من تراب أزقتها جُبِلنا.. وعلى أنفاسها ترعرعنا..
كلما أمرُّ في زقاقها الضيق.. أشعر أن "الزفتة"، التي عًبِّد بها حديثًا، دفنتْ تحتها ذكريات طفولتي وصباي.
أما البيوت التي تحيط به، فأشعر انها "شلحتْ" ثوبها الطيني، الذي كتبنا عليه بأعواد التوت كل أحاسيسنا، ولبستْ ثوباَ من الأسمنت المبرقع الكئيب، فأُسرع هارباَ، كي لا تمحو الصور الجميلة التي أحتفظ بها في ذاكرتي.
  وسعيد هو الذي  أنقذ حياتي.. ولولاه لكنت من مقيمي  المقبرة التي تجاور حيِّنا.. هذه المقبرة التي كانت مرتعاَ وملعباَ لأولاد حارتنا..
  فنحن الوحيدون، من بين أولاد البلد.. الذين كنا لا نخاف من التجول فيها ليلاَ نهاراَ. ألِفْنا القبور فألفتنا.. واستأنسنا بالأموات، فإستأنسوا بنا. وكنا نتقاسم مع أهلها "لقم" الأرزاق، التي تضعها أمهاتنا عليها، إيماناَ منهن أن سكانها، يخرجون في الليل منها، ويصبحون أحياء يرزقون، فيأكلون ما يضعن من طعام.!
 وكان سعيد أطولنا قامة.. وأصلبنا عودًا، والقائد الذي يسير في أول المركب.. لا ينظر الى الخلف، لأنه كان على يقين، أننا نسير خلفه دون تردد.
تذكرت انتشار خبر قتله لأخته في البلد.. ولا أدري لماذا ذكرني بانتشار دخان الطوابين في أجوائها "في أيام عزِّها"، قبل ان تموتَ وتدفن في قاع ذاكرتنا..
لم أشارك في جنازة  فاطمة المزاوي..
لعبت معها " التنة "، و"بيت بيوت "، و"الغميضة " في طفولتي..ومسحتْ دموعي بطرف ثوبها "المُعفَّر" بالتراب، عندما تعثرتْ أقدامي بعقبات زقاق الحارة.
 فأبتْ نفسي ان تشارك، في دفن ذكرياتي معها.!
وسعيد لم يكن يخاف أحدًا، سوى أخته فاطمة، كان يحسب لها ألف حساب..كانت هي "أمه" في غياب والديه، اللذان كانا يقضيان نهاراتهما في مزرعتهم.
كانت تكبره بسنتين، ولكنها هي التي كانت تكفيه طعامه، وشرابه، ولباسه.! فقد كانت الملجأ الذي كنا نلوذ إليه، عندما نتعرَّض لأخطار غضب سعيد، فتحمينا منه، وتبعد شره عنّا.
  كان يخاف منها، وفي نفس الوقت، كان يحبّها حبَّاَ غريباَ.. كان يكفيه ان تعلن أمامنا أنها غاضبة منه، حتى يقترب منها، و"يرمي" أمامها كل كلمات الرجاء والتشفع، وأحياناَ البكاء المكسور، ويستمر على هذا الحال، حتى تعلن أنها رضيت عنه، فتنفرج أساريره، فيغادر "حضرتها" حاملاَ معه بشائر رضاها عنه، ليعلنها على الملأ، أمام أولاد الحارة.
وكان من عادة أهل بلدنا، حفر قبر يكون جاهزاَ لدفن ميتهم، الذي سيلتحق بقافلة  الأموات، الذين تضمهم المقبرة.
في ذلك اليوم، أسقطت السماء، وابلاَ من المطر المفاجئ، الذي نزل في غير موعده.
اقتربت من القبر المفتوح، برفقة أولاد الحارة، فزحلقتْ قدمي، ووقعتُ فيه، وكان مملوء بماء المطر، فتيقنتُ وأنا أحاول أن أتشبث بتلابيب الحياة، أنه هذا سيكون قبري.
"إنزل هاته.!".. صرختْ فاطمة بأخيها سعيد.
"ولكني سأموتُ معه.!"  ردَّ عليها متشفعاَ.
" للزفتْ.! " زعقتْ به مهددة.
قفز سعيد الى القبر، ولا أدري كيف رماني خارجه.. ووجد صعوبة كبيرة في تخليص نفسه منه، ولولا طول يديه اللتان تشبثتا بحافة القبر.. إتكأ عليه بكل قوته، ورمى بنفسه خارجه، لغرق وبقي فيه، ملتحقًا بسكان ما يجاوره من قبور!.
  أما فاطمة، فقد تناولتْ طرف ثوبها، وبدأت تمسح الوحل، والدموع والتراب، عن عيني ووجهي، وسحبتني من يدي، وقادتني إلى بيتنا، ولم تفلت يدي، إلا بعد أن سلمتني لأمّي.
وكبرنا.. وتزوجتْ فاطمة.. تزوجتْ "شريف"، ابن الحارة التي تجاور حارتنا..
وغابت فاطمة عنا، وعن حارتنا.. ولم تصل من أخبارها إلا نتفاَ، كانت دائما يرافق هذه الأخبار، عذابها الدائم مع زوجها، الذي حوّل بيته مأوى لتجار المخدرات ورجال الشرطة.
كل محاولات فاطمة، لإنتشاله من هذا المستنقع الذي غرق فيه، باءت بالفشل..
 وأهل الحارة كانوا شاهدين،على الحادثة التي جرت قبل إسبوع، في بيت فاطمه:
 سمعوا صراخًا  وزعيقًا مصدره  بيت جيرانهم، ولما توجهوا إليه ليستطلعوا أسبابه، رأوا سعيدًا وأخته، متشابكين بعراك مستعر بالأيدي، هو يحاول تخطيها والدخول الى داخل البيت، وهي تحاول منعه بكل قواها..
وكان يصرخ : "إبعدي من وجهي.!. إبعدي من أمامي.!. أريد أن "أخلِّص" عليه!، وأريحك، وأريح الناس من شره..!".
ولكنها كانت تقف في طريقه بكل قوتها، وكانتْ تزعق، وهي تحاول دفعه خارج الدار: "أخرج من بيتنا.! أنت لستَ مسؤولآ عني ولا عنه.! هذا لا يعنيك..! أنا لم أطلب منكَ المساعدة..!".
تدخل بعضهم، وبعد جهد جهيد، نجحوا في إبعاد سعيد عن أخته، وإقناعه بمغادرة بيتها، دون ان يستطيع ان يصل الى زوجها، الذي كان يختبئ  بداخل البيت.
فمشى باتجاه بيته وهو يصيح: "سأعود إن لم يرتجع عن أعماله المشينة.. لن أتركه "يخرِّب" شباب البلد.! سأعود..! ولكن في المرة القادمة.. ستكونين أنت الضحية، إن حاولت منعي من الوصول إليه.!".
وعندما توارى وراء منعطف الطريق، توجهت لجيرانها من سكان الحي ببكاء مذبوح: "أريد فقط ان أحمي أخي من هذه المصيبة، التي ابتليت بها.. ولا أريد له ان يخرِّب حياته، مثل ما خَرِبتْ حياتي.!".
ولكن في ذلك اليوم.. اليوم الأخير من حياة فاطمة.. دفعها أخوها بكل قوته، فوقعت على الأرض صريعة..
حاولت منع أخيها من الوصول الى زوجها..
ولكنها في هذه المرة عجزت.
ودُفنت في القبر الذي حفره أهل البلد، منتظرًا الميت الذي سينضم الى ساكنيها.



 (عرعرة)

قد يهمّكم أيضا..
featured

فقيد الصحافة العربية

featured

التدخل العسكري يقترب

featured

حوار الكلمة وحوار الرصاص

featured

يمكن أن نفهم حماس

featured

شبابنا لن يخدم قامعيه!

featured

جريمة اغتيال لأهداف سياسية

featured

خواطر في وداع أحمد سعد، الإنسان المعلم..

featured

ستبقى يا أيوب قرا חתיכת ערבי "ختخات عربي"