فاشية إسلامية!

single

قال مهدي كروبي أحد المرشحين الإصلاحيين في الانتخابات الإيرانية بعد إعلان الفوز الساحق لأحمدي نجاد إن "معسكر المنتصرين هم دعاة للرجعية مثل إسلام طالبان" بمعنى أن هذا المعسكر لا يسمح بالمعارضة، وعدم السماح بالمعارضة ليس مصادفة وإنما هو مبدأ متجذر في قلب الفكر الديني الذي يتأسس عليه هذا التيار.
وتؤكد الوقائع المتتالية أنه يستحيل على دولة دينية تقيم نظاما ديمقراطيا مقيدا ومحكوما بمبدأ "ولاية الفقيه" أن تواصل خداع العالم أو استلاب شعبها باسم الدين لزمن طويل، إذ ينطبق على مثل هذه الدولة ونظامها قانون الصراع والتناقض الذي يحكم كل منظومة أيا كان شكلها دينيا أو مدنيا، وإذا لم يجد كل من الصراع والتناقض حلولا عقلانية ومنطقية وعادلة فإنها تنفجر كما تفجرت الحالة في إيران بعد ثلاثين عاما من الاستبداد ومصادرة حريات النساء وحريات التعبير وحقوق الأقليات باسم الدين، بل وإطلاق العنان لنزعة إمبريالية إقليمية توسعية هللت لها إسرائيل العنصرية لأنها وجه آخر لها.
وعادة ما ينتج الاستبداد أيا كانت الشعارات التي يرفعها أو الرايات التي يحتمي بها ينتج فسادا بلا حد وهو ما حدث في إيران على نطاق واسع إذ جري نهب الثروات الهائلة، وتكوين طبقة جديدة من كبار رجال الدين تحالفت مع رجال الأعمال سيطروا جميعا على الوزارات الأساسية وزرعوا عيونا لهم في كل مؤسسات الدولة، وجري إلحاق هذه "العيون" بمؤسسة الحكم وكما يقول سعيد أرجوماند الإيراني وأستاذ علم الاجتماع في جامعة نيويورك واصفا أسلوب المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي الذي اهتم باختيار حلفائه طيلة مراحل حياته، وأحاط نفسه بالرجال الذين يفتقرون لقاعدة اجتماعية أو سياسية خاصة بهم، رجال يعلم أنهم دائما سيعتمدون عليه.
وهو الأسلوب الخبيث الذي يليق بحكم استبدادي في جوهره يقوم على عزل القيادات الاجتماعية الواعدة والذكية عن قاعدتها جنبا إلى جنب تصعيد نماذج «للحثالة» التي تفتقر للثقافة والوعي والموقف الذاتي، وترتبط فحسب بمصالحها الشخصية، هكذا تتشكل ببطء قاعدة صلبة لفاشية إسلامية تزداد هوسا وتطرفا وتكشر عن أنيابها كلما اشتدت أزمة النظام الذي يقدم لها الحماية ليصبح ارتباطها به حالة وجودية.
وليس من قبيل المصادفة أن يصف كروبي هؤلاء بأنهم "دعاة رجعية مثل إسلام طالبان"، وإسلام هؤلاء شأنه شأن كل تأويل ضيق الأفق وتكفيري للنص الديني ينهض على تقديس ما هو بشري، ورفع بشر - مهما كانوا ممتازين وموهوبين لكنهم بشر - إلى مصاف الملائكة والقديسين الذين لا تجوز مساءلتهم عن أفعالهم مهما كانت.
ويقبع في هذا المكان الحصين والمقدس علي خامنئي المرشد الأعلى للثورة الإسلامية، فهو يشكل بديلا عن الإمام المختفي والمنتظر الذي حين سيظهر مرة أخري سوف يعود بالإنسانية كلها إلي العصر الذهبي للإسلام الذي أخني عليه الدهر، وهي فكرة أسطورية تجد لها أنصارا وإن كانت قد اهتزت أركانها أمام تقدم العلم واتساع قاعدة المعرفة وتحول الديمقراطية وحقوق الإنسان بما فيها حرية التعبير والاعتقاد إلي قيم عليا في عصرنا مع تآكل القبضة الأبوية علي المجتمعات والتي تطابقت أي الأبوية في بعض جوانبها مع نظام الحاكم الأوحد والزعيم الأوحد الذي يجمع الكل في واحد ويصبح ملهما للجماعة فلا ترد له قولا ولا تجادله.
وهكذا يرتقي هذا "الأب" بالتدريج إلى مستوي المقدس، ولا يندر أن تحل بركاته على حاشيته بلا حصر ليكون لها "قبس" من قدسيته.. وتتشكل المؤسسات كافة علي هذا النمط في ظل وجود مؤسسة لتشخيص مصلحة النظام إذ يتزوج الفساد والاستبداد زواجا كاثوليكيا، لينخرا معا جسد المجتمع وينشرا الخراب والتزمت إلى أن يأتي الوقت الذي تنضج فيه الصراعات تحت ضغط المقاومة الشعبية فالناس لم يبقوا أبدا متفرجين، وهي المقاومة التي تتخذ أشكالا كثيرة تقدم حيوية الشعب الإيراني نماذج باهرة ومبتكرة لها لعل أكثرها إثارة للدهشة والإعجاب أن يكون احتماء المتظاهرين بأسطح المنازل مؤخرًا، دون أن ننسي الإضافات الرائعة التي قدمتها السينما الإيرانية رغم القيود والتزمت الديني.

قد يهمّكم أيضا..
featured

بهيمية إسمها "العصا والجزرة"!

featured

دُقّي دُقّي يا مزّيكا

featured

نتنياهو الحاكم بأمره

featured

أمور مسيئة للدين الحنيف وللمسلمين

featured

الحاج أبو أحمد وأعياد النصارى

featured

في عيد ميلادك..

featured

دفاعا عن سورية العروبة، لا عن حكم البعث