حين تبكي السماء

single
ظهيرة يوم الثلاثاء، رام الله وأخواتها يعشن يوماً عاديا. حرارة الجو مثقِلة، لكنها لا تزعج إلا من جرب نعيم المكيفات في بيته أو عمله أو سيارته. الكل منهمك يسعى وراء لقمة العيش. أخبار المفاوضات لا تهم إلا من يحترف السياسة ومن يخشى أثرها على نزول قيمة الدولار أو ارتفاع في قيمة الباوند.
أعبر حاجز بيتونيا، بوابة رام الله الجنوبية، حيث أقام الاحتلال معسكراً للجيش أسماه معسكر "عوفر". بعد الانسحاب الإسرائيلي من رام الله ومحيطها، نقلت محكمة رام الله العسكرية إلى هذا المعسكر، وأصبحت أختاً لمحكمة "سالم" العسكرية القريبة من جنين. محكمتان تقضيان وتحددان مصائر آلاف المناضلين الفلسطينيين باسم "عدل الاحتلال" وما شرَّعه من قوانين وأوامر عسكرية حولت من يدافع عن كرامته وحريته إلى مجرم إرهابي.
أسلِّم بطاقة المحامي فيفتح السجان بوابة حديدية تؤدي إلى ممرات ضيقة طويلة محاطة بالأسلاك. كما في كل مرة شعرت، وأنا بين هذه الأسلاك، أننا كقطيع من الحيوانات حينما يعيدها راعيها إلى الزرائب.
القاعة الثالثة عنواني. وهي واحدة من سبع قاعات كلها عبارة عن مبانٍ جاهزة صفت على عجل في حينه لتصبح شاهدةً صماء على معاناة أسرى فلسطين وأهاليهم ومن يحاول الدفاع عنهم. أدخل القاعة وللحظة تبدو خاوية. أتقدم خطوتين فيعترضني سجان يحاول منعي من الاقتراب من قفص المتهمين. لم أستوعب ولم أفهم لولا حركة خفيفة ممن تبين فيما بعد أنه الأسير الذي جئت للدفاع عنه. ذهلت. بدا طفلاً نحيفاً نحيلاً يتجاوز طوله المتر بقليل. يجلس بصمت. على وجهه علامات الخوف وعدم استيعابه لما يجري حوله. جدار القفص يخفي وجوده. حاول السجان إيقافي. أزحته بيدي جانباً وقلت أنني محامي الدفاع عن هذا الأسير. ألقيتُ عليه التحية وحاولت أن أفهمه أنني محاميه. حدَّق بوجهي ولم يجب. سألته إن كان يعرف أين هو وسألته في أي سجن يحتجزونه وسألته.. وسألته. تمتم، أحياناً، ببعض الكلام لكنه أطرق كطفل زُجَّ عنوة في لعبة للكبار. كان هدوؤه طفولةً شوهتها اللحظة. لا عجزٌ ولا تمرّدٌ ولا انكسار. فهو أصغر من أن أعزو إليه هذه المشاعر.
مليئاً بالغضب، انتظرت إلى أن دخل ممثل النيابة العسكرية، ممثلاً لدولة إسرائيل، وبعده دخل القاضي، نائب رئيس محكمة الاستئناف العسكرية.
جلسة اليوم من شأنها أن تبحث استئنافاً تقدمت به النيابة العسكرية على قرار محكمة البداية العسكرية والذي بموجبه قرر قاضٍ عسكري الإفراج عن الفتى وذلك لصغر سنه ونحالة جسمه.
مع دخول القاضي وقف جميع الحاضرين، بمن فيهم موكلي. ينظر القاضي باتجاه الفتى وألمس ارتباكاً على وجهه وبعضاً من حمرة الخجل. في هنيهة يشيح عنه وينظر إلي ويعرف كم غاضب أنا ومحتقن.
يدافع النائب العسكري عن طلب الدولة ويستفيض شارحاً أن المتهم الذي أمامنا خطيرٌ على أمن وسلامة الجمهور، فهو وآخرون قاموا برشق سيارات للمستوطنين، هناك بمحاذاة حارتهم التي يسكنونها في الخليل. لم يصب أحد ولكن حجرًا ألقاه "المتهم" أصاب سيارة وكسر أحد شبابيكها.
هذه المخالفات خطيرة، هكذا يدعي النائب العام، ولذلك يتوجب إبطال قرار الإفراج عنه وإبقاؤه وراء القضبان. أحاول أن أبقى هادئاً رزيناً، لكن المعتوه فقط يقدر على ذلك وربما الأنبياء.
أبدأ مرافعتي صارخاً مستشيطاً معيباً على الدولة ونيابتها العسكرية هذه الحرب ضد طفل تعدى رأسه، حين وقف، جدار القفص بعض السنتيمترات. عن أي خطر تتحدثون وأي مجرم تصفون؟ ما هذا الغباء؟ وما هذه القسوة؟ وما هذا التشوه الذي أصابكم؟ كفوا عن هذا العبث.
يجلس موكلي في القفص. لا يفهم ما أقول. علامات وجهه لم تتغير وكأنه يقول لجميعنا ما هذا الهراء؟ العبوا لوحدكم فأنا لست معكم. أنا بقيتُ هناك. سارحًا هائمًا قافلَ الفم بلا دهشةٍ ولا انفعال. ببساطة لم يكن معنا.
"أنت لا تعرف يا سيد بولص ما معنى أن يصيب سيارتك حجرٌ ويهشِّم زجاجها"، يقذفني القاضي بجملته التي توقف سيل حديثي. "لا يا سيدي أنا أعرف جيداً ما معنى هذا، ولكنني أستهجن معاييركم وأحكامكم، فهناك في الحي الذي يسكنه هذا الفتى، يقوم من تحاولون حمايتَهم والدفاع عنهم من مستوطنين وبشكل يومي بالتنكيل والاعتداء عليهم وعلى ممتلكاتهم. إنهم يفعلون هذا في وضح النهار ويعيثون في الأرض خراباً ويسقطون الضحايا. فأين القانون وأين سلامة الجمهور التي يتحدث عنها النائب العسكري اليوم؟".
يصعب علي أن اصف ما دار من سجال بيني وبين القاضي والنيابة. لكنه لم يكن سجالا قانونيا. كان اقرب للمقارعة والتأكيد على رفضي ادعاء المحكمة والنيابة لأخلاقيات هم منها براء. كان الجو صاخبا مشحونا بكثير من مشاعر الغضب الساخر. فجأة توقف هذا السجال حين وجه القاضي كلامه إلي قائلا: لقد أقنعتني.
حاول ممثل النيابة مجددا إقناع القاضي بخطورة الفتى، لكن القاضي رفض استئنافهم وأبقى على إفراج الطفل مشترطا ذلك بدفع كفالة مالية وقدرها ألفا شاقل. 
"الفتى صغير، صغيرٌ جداً، حتى وإن كان عمره ثلاثة عشر عاماً، لكن جسمه نحيل ويبدو اقل من هذه السن" هكذا، بتبريرية معتذرة، أجاب القاضي المدعي العسكري. المؤسف انه لم يكتف بذلك وضمَّن قراره شرطًا يقضي بإبعاد الفتى عن بيت والديه إلى بيت عمه في الخليل. حجة القاضي أن بيت والديه قريب من حي المستوطنين. يبدو أنه لولا الحرج والخجل من صغر سن وحجم الفتى ما كان القاضي ليوافق على الإفراج عنه. فإضافة شرط نقل الفتى إلى بيت آخر يدلل على أن القاضي يؤمن بخطورة هذا الفتى، وهو لهذا أراد أن يرضي ضميره بشكل ما، لكنه أراد أن يرضي النيابة والمستوطنين أكثر. ربما بفعلته قد حقق ذلك لكنني، هكذا اعتقد، قد أبكى السماء. 
والد الفتى كان مسرورا بالإفراج عن ابنه، أما أنا غادرت المحكمة وشعور من الأسى والغضب يلازمني. عدت إلى رام الله التي ما زال نهارها عاديًا. لم أسمع في ذلك النهار عن المفاوضات، ولا عما نفثه ليبرمان من سموم على منصة هيئة الأمم المتحدة. فلقد كفاني أن شهدت بكاء السماء على تلك الطفولة التي شوَّهَها الاحتلال وما يسمى عدله.
قد يهمّكم أيضا..
featured

"كل الداير معانا ونخسر الدّق"

featured

حكِّم ضميرك وصوِّت

featured

هذه الثنائية البغيضة

featured

لا بُدَّ أَن تَنْهَضَ مَرَّةً أُخرَى

featured

تحية الى خضر عدنان

featured

لروح سميح القاسم

featured

سقط النظام وبقيت مؤسسات الغموض