هذه الثنائية البغيضة

single

المغرب. لكسر علاقة السلطة بالمال، لأجل العدالة الاجتماعية

  • بين النار والرمضاء، الحكم الفردي الفاسد والبطاش، أو الامبريالية والحكم الظلامي الأشد فساداً وبطشاً. فهل من الصحيح أننا لا نملك إلا الاختيار بين الانتقال من النار إلى الرمضاء وبين الانتقال من الرمضاء إلى النار؟



العراق مدمّر. لبنان ممزق. ليبيا وتونس ومصر شهدت تبدلات وضعت ثمار الربيع العربي في سلال اليمين والرجعية ومن يحمونهما في الدول الامبريالية. بقيةُ الدول العربية محكومة بأنظمة يتصدر كلا منها حاكمٌ فرد، وتحيط بالحاكم حلقة من المساعدين، ويمنحه النظام، الذي أنشأه هو أو ورِثه وراثة، حصانة ضد أي محاسبة، ويضع بين يديه صلاحيات قلما تمتع بمثلها حاكم في التاريخ.
 هذه الأنظمة التي لها هذه السمة المشتركة تختلف سياساتها في بعض وجوهها، وتبلغ حدّ التناقض في وجوه أخرى، فيما هي متماثلة من حيث القمع والفساد والاستهانة بإرادة شعوبها، حتى حين تتفاوت حجوم القمع والفساد. وحين نُضطرّ إلى الإيجاز، يمكن إدراج الأنظمة في حزمتين: الأنظمة التي تُوصف بأنها محافظة وتتكيء على الدين لتوفر شرعية لوجودها؛ والأخرى التي تروّج دعاوى علمانية وتنسب وجودها إلى إرادة الشعوب.
 أنظمة الحزمة الأولى تفتقر، بالإجمال،إلى أشكال التمثيل الشعبي والتعددية، ويعمها فساد هائل الحجوم. وأنظمة الحزمة الثانية تقيم، بالإجمال، هيئات تمثيلية، وتوجد فيها تعددية، وتنتظم قطاعات مجتمعاتها في اتحادات ونقابات وما إلى ذلك، وهي تقيم هذا كله بحساب يحافظ على ديمقراطية مظهرية لكنه يطوّعها، بالقمع والإفساد وما إليهما، لمصالح الحاكم الفرد ومن يلوذون به من فاسدين ومفسدين.
 الأنظمة المحافظة ترتبط بالدول الامبريالية بعلاقة تبعية سافرة وتبيح لها أن تنهب خيرات بلدانها وتضع ذاتها في الخدمة لصالح الامبرياليين. أما الأنظمة العلمانية فإنها، بالاجمال، تتبع سياسات أكثر توازنا ومنها ما يتحدى بعض سياسات الدول الامبريالية ويتبع سياسة متشددة ضد إسرائيل.
 في كل بلد تتصدى للنظام الحاكم قوى مُعارِضة. والملاحظ، حين نلقي نظرةً معمقة على الحراك الشعبي الذي حظي بوصف الربيع العربي، أن الدول الامبريالية أظهرت تأييداً لهذا الحراك في تونس ومصر، وأظهرت تأييداً أكثر له في اليمن، وقرنت التأييد بتدخل عسكري حازم وعلني في ليبيا وغير علني في سورية. هذه الدول الامبريالية ذاتها أسهمت وتُسهم في مجابهة الحراك الشعبي في الدول المحافظة.
 بكلمات أخرى، ظهر سلوكٌ متناقض له في الوقت ذاته سمة مشتركة: دعم الحراك الشعبي في بلد ومقاومته في بلد آخر، وذلك، في الحالتين، وفق معيار واحد: مصلحة الدول الامبريالية وحاجتها إلى صيانة الأنظمة التابعة لها وإسقاط الأنظمة الأخرى أو إضعافها وتعريض البلدان التي تأتي منها، أو قد تأتي، رياح غير ملائمة لمصالح الامبرياليين وأتباعهم العرب، إلى الاضطراب.
 نحن،إذاً، إزاء وضع يجري فيه حراك شعبي لا حد لمشروعيته، وإزاء امبريالية وأنظمة عربية تابعة لها تسعى لحرف هذا الحراك عن هدفه الأصلي، أي عن سعيه لإقامة نظم ديمقراطية، عصرية، مهتمة بمصالح شعوبها. وهاهم، مُستهدِفو حرف الحراك عن هدفه يصبون ضغوطاً هائلة لتبديل ما هو غير ملائم لهم في سياسة الانظمة العلمانية واستبقاء الملائم.
 مجريات سنة بكاملها منذ بدأ الحراك الديمقراطي وبدت معه محاولات حرفه عن هدفه تطرح على كل وطني ديمقراطي سؤالاً محيّراً: أين يقف، مع الانظمة العلمانية التي تظهر مقداراً أو غيره من التحدي في وجه قوى الامبريالية العالمية والرجعية واليمين المحافظ وتأبى الرضوخ لاسرائيل،أم مع هذه الامبريالية وهذه الرجعية وهذا اليمين والنظم المحافظة التي تخدمهم؛ أم مع خيار آخر؟
 بعض ديمقراطيينا تعجل الاجابة وحَمَلَهُ ضيقه بالحكم الفردي والقمع والفساد إلى إجابة سهلة بمقدار ما هي ضارة: ليسقط الحاكم الفرد، وليحلّ محله أي بديل حتى لو كان الشيطان ذاته! إنه الضيق بما لا تريده وليس التوجه نحو ما تريده. وهذا قد ينفع في الاستجابة لنوازع ثأرية أو حاقدة أو سطحية، لكنه لا ينفع في رسم سياسات صحيحة وناجعة. النار والرمضاء، الحكم الفردي الفاسد والبطاش، أو الامبريالية والحكم الظلامي الأشد فساداً وبطشاً. فهل من الصحيح أننا لا نملك إلا الاختيار بين الانتقال من النار إلى الرمضاء وبين الانتقال من الرمضاء إلى النار؟
 في بلادنا، ظل على الديمقراطيين الوطنيين التقدميين أن يكافحوا منذ استقلال بلدانهم على أكثر من جبهة واحدة. فماذا عدا مما بدا لكي يَقصُرَ هؤلاء كفاحهم على رفض شيء يُفضي رفضه إلى صب الزيت في قِرَبِ من هم، ايضاً، ألد أعداء الديمقراطية وأشد الحكام سطوة على شعوبهم وتفريطاً بمصالحها. أليس من الممكن أن يقترن الكفاح ضد الأنظمة المبغوضة بالكفاح ضد البديل الأقبح الذي يجري تحضيره جهاراً نهاراً.
وهل يصعب استحضار ما جرى للعراق الذي يتم تدميره بقوة التدخل الامبريالي ودعم الأتباع.

  • هذا المقال للكاتب والمحلل الفلسطيني فيصل حوراني، ضمن زاوية أسبوعية ثابتة له في "الاتحاد"


 

قد يهمّكم أيضا..
featured

يوم الأرض والقائمة المشتركة

featured

حقوق الانسان عائبة ومغيبة !

featured

تحـيّـة أُممـيّة إلى "سيينا" Siena)) الإيطاليّة!

featured

ملاحظات سريعة على الانتخابات

featured

زيارة البابا بين وقاحتهم وحماقتنا

featured

من أجل دولة عادلة وانسانية

featured

القيادة الفلسطينية تذكر اوروبا

featured

الهدم وتجربة يوم الأرض!