زيارة البابا بين وقاحتهم وحماقتنا

single

ما أثارته زيارة البابا من اهتمام وإثارة كان طبيعيا ً والغريب كان أن تمر هذه الزيارة دون ما سببته من حراك وتفاعل.

موضوع الزيارة وما رافقها من ملابسات والتباسات يحتمل كتابة الكثير ولكني سأوجز كلامي هنا حول وقاحتهم وحماقتنا.

منذ الإعلان عن نية البابا وعزمه على الحجيج إلى منطقتنا، بدأت آلة الإعلام والدعاية الإسرائيلية بتناول الموضوع وكأنها فرقة أوركسترا مدربة، يعزف فيها كل عازف نوتته من موقعه وعلى آلته بانسجام وتناغم واللحن يثير تساؤلاًً وتشكيكاً: هل هذا البابا صديق لنا؟ لإسرائيل؟ لليهود؟ لتاريخنا؟ لحاضرنا؟ لمستقبلنا؟.

مع وصوله إلى الأردن وإلى نهاية الزيارة تناولوا كل خطوة قام أو لم يقم بها وكل كلمة قالها ولم يقلها ودائماً أجادوا التعبير عن استيائهم وخيبة أملهم.

هاجموه لأنه لم يعتذر عن دور الفاتيكان في الفترة النازية وذلك رغم ما قاله بالماضي وخلال الزيارة. هاجموه لأنه عبر عن حزنه وموقفه الرافض لسور القمع والفصل العنصري في الأراضي الفلسطينية المحتلة. هاجموه لأنه تحدث عن حلمه وأمله بوجوب إحلال السلام العادل والدائم من خلال حل الدولتين لشعبين وما إلى ذلك.

كثيرون مثلي دهشوا واستفزوا وحالهم يسأل هل أراد الإسرائيليون أو توقعوا أن يشاهد البابا ما شاهده في فلسطين، مدنها ومخيماتها، دون أن يتطرق لمأساة فلسطين وشعبها ولو كان هذا بأضعف الإيمان كما فعل؟ وهل أرادوا وتوقعوا أن يأتي البابا المسيحي، حامل رسالة السلام والمحبة والمؤمن بضرورة الحوار بدلا ً من الاقتتال والاحتراب وسفك الدماء، أن يأتي مبشرا ً وداعما ً لحصار شعب وسلبه حقوقا ً أقرتها العائلة الدولية؟

هل حقا ً أرادوه أن يكون وزير إعلام لدولة إسرائيل؟

 

أما حيال قضية اعتذاره باسم الفاتيكان عن الزمن النازي الوحشي، فإسرائيل تعرف حق معرفة موقف البابا هذا ومن سبقه وتعرف أن علاقة الفاتيكان مع إسرائيل علاقة شائكة ومعقدة لأسباب لن نوردها هنا، ولكن ما يرصد في العقود الأخيرة أنها علاقة تتجه لصالح إسرائيل ومصالحتها وحتى هذا لا يكفيها!.

الفاتيكان أسف ويأسف لما أوقعته آلة الحصد النازية البشعة من أرواح الملايين وبضمنهم ملايين اليهود الذين قتلوا ضحايا لتلك الجريمة الكبرى.

الفاتيكان وآخرون في العالم لا يسلموا بأن إسرائيل، ككيان سياسي ودولة، هي وفقط هي الممثل الوحيد لهؤلاء الضحايا، فالقضية أكبر وهذا لا يتعارض مع حقيقة كون إسرائيل كيانا ً سياسيا ً أقرته هيئة الأمم، في حينه، تعويضاً وحماية لليهود، كوجه لعملة كرر إقرارها، كحق، بشكل واضح  البابا في زيارته ولكن وجه العملة الثاني هو نكبة شعب هذه البلاد وسكانها الفلسطينيين، الذين تحدث البابا عن حقهم بنفس المقام والمقال وأسأل ومعي آخرون وأين الخطب في ذلك؟!.

الفاتيكان يعي أن الاعتذار الذي يطلبونه بالحرف والنقطة من شأنه أن يحمل الفاتيكان وما يمثله مسؤولية تلك الجرائم البشعة وهذا ما لا يقبله هذا البابا ولا من قبله.

 

وأخيراً، إسرائيل تعرف أن البابا جاء حاجا ً إلى أرض ومهد المسيحية: بلد البشارة والميلاد والقيامة وهو بنظره ونظر أكثر من سدس البشرية صاحب حق لا يماثل في هذه الأرض.

لست محامياً عن الفاتيكان وسياساته ولكنني أوقن أنه ومهما قال وفعل البابا فهذا لن يكفي ساسة إسرائيل وأبواق المنظمات الدينية اليهودية والمحافل الصهيونية وكأني بهم يريدونه أن يخلع ثوب البابوية ويلبس جبتهم، يرمي صليبه ليرفع نجمة داود، يتخلى عن "أومن" ليتمتم "هتكفا" أو صلاة "إسمع إسرائيل".

حاول أن يكون عادلا ً كما يفهم هو العدل. حاول أن يكون منصفا ً كما يفهم هو الإنصاف. أقر بحق ضحية الماضي مذكراً بضحايا الحاضر.  تحدث عن السلام، الاحترام، المحبة، تفهم الآخر وعدم إلغائه، رسائل إنسانية حضارية. لم يكتفوا بما أعطوا ولم يقنعوا بما سمعوا ولهذا أقول: ما أوقحهم!.

 

أما في الأردن، فلسطين والجليل أستقبل البابا على المستوى الرسمي بحفاوة تليق بالمقام فإذ جاءكم كريم قوم فأكرموه وهكذا كان على المستوى الشعبي والمؤسساتي بشكل عام.

لم يتوقع أحد أن يجمع القوم، كل القوم، على الحفاوة التي يجب استقبال البابا بها ولكن بين رأي مغاير، أو احترام يصحبه نقد وعتاب وحتى أكثر، على أن يبقى ذلك في إطار اللياقة وحسن الاستقبال وبين إشهار الفتاوى الدينية بوجوب مقاطعته وإدانته وإطلاق أبواق مكبرات الصوت في المساجد معلنة أن لا أهلا بك ولا سهلاً ، البون شاسع.

انطلقت هذه الأصوات وهاجمت البابا وطالبته أن يعتذر عما نسب إليه من إساءة للإسلام والنبي الكريم محمد. أبرز ما سمعناه في هذا الشأن كانت الفتوى التي أصدرها الشيخ القرضاوي، رئيس الإتحاد العالمي للعلماء المسلمين، معززة وداعمة لتلك النداءات التي علت من بعض المساجد هاجم شيوخها البابا بشكل مرفوض.

 

ومرة أخرى، لست مدافعاً عن الفاتيكان وسياساته ولا أقبل إساءة أياً كانت وأياً كان فاعلها بحق الإسلام ونبيه الكريم ولكننا سمعنا في الماضي رد البابا في هذه المسألة وسمعناه كذلك عندما عاد وصرح  في الأردن وفلسطين  عن موقفه بشكل لا يقبل التأويل من الإسلام الذي يحترمه والمسلمين كذلك واستوعب جميع المسلمين ومثلهم المسيحيين ما قاله واعتبروه توضيحاً وموقفاً  يكفيان لإزالة غمامة ما نسب إليه من أقوال. أما ذلك فلم يكن كافياً عند الشيخ القرضاوي وآخرين كما سمعنا وشاهدنا.

كذلك أقول، إن هؤلاء الذين صرخوا من مكبرات الصوت، تلك التي يجب أن تدعو المواطنين إلى الفلاح والصلاة، إلى السلام والمحبة، فجاءت نداءاتهم وصرخاتهم معلنة أن لا أهلاً ولا سهلاً، هؤلاء لم يسيئوا إلا إلى أنفسهم، فالبابا وكما قلنا جاء حاجاً إلى أرض يسوع الناصري ولا أعز منها عليه وعلى المسيحية جمعاء. كذلك لا اعتقد أن أصحاب هذه الأصوات خولوا ليكونوا الممثلين الوحيدين للإسلام والمسلمين في العالم وفي منطقتنا خاصة ويكفي ما رأيناه من شرف الاستقبال والحفاوة لدى المسؤولين الرسميين وعلى المستويين الشعبي والمؤسساتي وكذلك يكفي ما قرأناه عن مشاركة ما يقارب العشرين ألف مسلم في قداس جبل القفزة، كل هذا يكفي دليلا  في وجه لتلك الأصوات المهاجمة والصارخة على أنهم لا يحتكرون تمثيل الإسلام والمسلمين.

 

وأخيراً، أخطأ هؤلاء في حق ما يؤمنون به ويدافعون عنه، فالأجدر أن يتصرفوا بما يستوجبه المقام ويمليه الإسلام الحق وليس إسلام الدعاة والمغالين، وحري بهم أن يتنبهوا لمقام الزائر وما يعنيه الفاتيكان في سائر الأرض والدول، سيما في زمن نجح فيه مهووسو العنصرية والقمع أمثال بوش الأب والابن وما مثلوه من موقف استعدوا فيه الإسلام والمسلمين ونسبوا إليهم ما نسبوا من صفات الإرهاب والعنف وغيرها، متكئين في كل هذا على بعض مما اقترفه، باسم الدين ونيابة عنه، مجموعات عاثت في الأرض فساداً وإرهاباً، ففي مثل هذا الزمن قد فوتت فرصة، كان الأجدر أن يلتقي فيها الشيخ القرضاوي وآخرين مع البابا وما يمثله، حول موقف يعكس احتراماً وتقديراً متبادلين، ولقاء يؤكد على ما اتفقت عليه الديانات السماوية من سلام ومحبة ونبذ للعنف والقمع وقهر الغير من المؤمنين بالله الواحد. لقاء وإن ما كان ليسفر عن زواج كاثوليكي ، لكن من شأنه أن يمسح بعضاً من الغشاوة التي تعمي أعين ملايين تمترسوا وراء حواجز الكراهية.

لا أدافع عن الفاتيكان وسياساته ولكنني حينما سمعت تلك الأصوات، بعضها يصرخ وآخر يهدد ويهين، تذكرت كم من الفرص أهدرناها نحن العرب، المغلوبين، المقهورين والمسلوبين في هذه الديار ولذلك أقول ما أحمقنا!.

قد يهمّكم أيضا..
featured

ضربات للفقراء

featured

بين ذبح البشر وذبح الحمام!

featured

"الدور على مين"

featured

سياحة إلى النساء

featured

وَمَا ضَرَّ الوُرُودَ وَمَا عَلَيْهَا"

featured

فارس فلاح، من جرمقي لك مني تحية وباقة من ورد