- *على أثر الانتفاضة الشعبية في تونس، وتلتها مصر، أعلنت هيلاري كلنتون وزيرة الخارجية الأمريكية قائلة ، ينتظر المنطقة صيف ساخن، وهزات جماهيرية وفوضى..!*
**
منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، تسعى الولايات المتحدة الامريكية الى استغلال الوضع العالمي الناتج عن هذه الحرب وتجيّر الحسابات لمصالحها المحلية والدولية، كما بدأت تعمل على فرض سيطرتها بحجة انها تملك القدرة الاقتصادية والاجتماعية والعسكرية لحماية العالم المتطوّر المتحضّر، الديمقراطي ووقف الزحف الاشتراكي والمدّ الشيوعي في العالم، بعد ما سطع نجم الاتحاد والسوفييتي في القضاء على الافعى النازية وتحرير الشعوب من سيطرتها، ودعم كفاح ونضال هذه الشعوب من اجل نيل استقلالها وضمان حريتها، بإنشاء النظام الاجتماعي الديمقراطي الاشتراكي، ودعم الشعوب المستعمرة من اجل كنس الاحتلال عنها ونيل حقها في تقرير المصير.
منذ ذلك الوقت سعت السياسة الامريكية الى تزويرالحقائق، وأخذت تسابق الزمن كي تحرف نضال الشعوب عن مساره الصحيح، وبدأت محاولة اقناع العالم والمؤرخين بمقولة "لولا القوّة العسكرية الأمريكية لما انتهت الحرب العالمية الثانية الى ما انتهت اليه"، وهذه المعلومات ما زالت موجودة في بعض كتب التاريخ التي يتم تدريسها على الرغم من المطالبة المتكررة بوضع الحقائق الصحيحة القائلة "إن الجيش السوفييتي دحر القوات النازية، وطردها من أرضه ولحق بها حتى برلين وقامت عليها دولة ألمانيا الديمقراطية" مما دفع القوات الغربية الى اللحاق بالركب واحتلال اجزاء من المانيا التي سميت (ألمانياالغربية). وتكررت مهزلة التزوير من سنة الى اخرى ومن عقد الى عقد.
تحاول السياسة الامريكية ايجاد موطئ قدم في العالم، وبدأت تنافس الدول الأوروبية الاستعمارية، لتحل محلها في السيطرة السياسة والاقتصادية على تلك الدول. وسعت السياسة الامريكية كي تكون صاحبة الحصة الاكبر، حتى اصطدمت كثيرا مع فرنسا التي تنبهت الى خطر السيطرة الأمريكية على المصالح الأوروبية . فعملت فرنسا على وقف هذا الزحف الاستعماري. وقد وضعت امريكا نفسها في مقام الشرطي الدولي لحماية هذه المصالح، ولعبت دور حارس مصالح الاستعمار الجديد تحت اسم حامية مصالح الشعوب وحرياتها من سيطرة الاستعمار الاوروبي .\
جاءت الحرب العدوانية الثلاثية على مصر سنة 1956 (اسرائيل- فرنسا- بريطانيا). عندها تدخل الاتحاد السوفييتي ضد هذا العدوان وساند صمود الشعب العربي في مصر، ورفض الاستسلام لمطالب الحرب العدوانية بإعادة السيطرة الفرنسية البريطانية على قناة السويس. عندها تحركت السياسة الامريكية لتساهم مع الاتحاد السوفييتي في إدانة هذه الحرب العدوانية في مجلس الأمن ووقْفها فورا، كي تظهر للقيادة المصرية في حينه التي وقف على رأسها القائد الخالد جمال عبد الناصر، بأهمية الدور الامريكي في وقف هذه الحرب، وحاجة مصر لترمي بمصالحها تحت اقدام الاستعمار الجديد، وتستجدي حريتها ومصالحها منه.
عندما تعثّر السلام في منطقتنا وكان من المفروض عقد مؤتمر دولي في جنيف، لبحث قضية الصراع الاسرائيلي الفلسطيني والعربي الاسرائيلي، في سنوات السبعين طالب الحزب الشيوعي الأسرائيلي حكومة اسرائيل ان تتجه الى جنيف للقاء منظمة التحرير الفلسطينية لتوقيع اتفاقية سلام. وهتفنا في مظاهراتنا الداعية للسلام كل الوقت "اذهب الى جنيف يا رابين" عندما كان رئيسا للوزراء. وعندما كادت الأمور تفلت من يد الولايات المتحدة الأمريكية ، عملت جاهده لافشال هذا المشروع وسارعت الى فتح مسار جديد تحت رعايتها، بايفاد انور السادات الرئيس المصري في حينه الى القدس والحضور المفاجئ الى الكنيست الاسرائيلي لعقد اتفاق السلام المنفرد مع اسرائيل التي كان رئيس حكومتها مناحم بيغن . خطفت الولايات المتحدة المسيرة السلمية من الرعاية الدولية في جنيف الى الرعاية الامريكية.
لم تخجل السياسة الأمريكية من أجل مصالحها في انتهاج التلوّن والكذب على العالم أجمع، كذلك على شعوبها، والقياديين من الدرجة الثانية وأسفل عندها. معتمده على قوتها السياسية والعسكرية والأقتصادية حتى بدأت تشعر وكأنها القوة الوحيدة في فبركة العدوان على العراق وأفغانستان .
تنظّم الاعتداءات اليوم على حريات الشعوب تحت شعار تصدير الحرية والديمقراطية، الى الشعوب التي تفتقدها . بعد العدوان الأمريكي، ومعها من يدور في فلكها، على العراق الذي قاده جورج بوش الابن، تحت شعار، تدمير السلاح الكيماوي الذي زعم كذبا أن العراق تمتلكه. وذلك بعدما فشل جورج بوش الأب، في حربه سنة 1991. بفرض سيطرته على خيرات العراق ومقدراتها، تحت شعار الدفاع عن حرية الكويت . كتبت حينها في "الاتحاد" "الدور على مين"، كان الأمريكي وقتها يشمل سوريا وايران. وقلت سيشمل كل المناهضين للمخطط الأمريكي الاستعماري.
تقود أمريكا اليوم حربا شعواء على المنطقة كلها، فأي نظام قائم اليوم لا يتفق والمصالح الأمريكية، أصبح مهددا، اما بالسقوط، أو اعلان الولاء للسياسة الأمريكية. اضطرّت امريكا اليوم الى تغيير طريقتها في التعامل مع هذه القضايا، بعد أن غاصت في وحول الحرب العراقية والأفغانية، ولكنها لم تغيّر استراتيجيتها . هذا الفشل العسكري دفع بالساسة الأمريكيين الى اتباع تكتيك آخر، لكي تتفادى الهزيمة العسكرية المفضوحة، واجهاض ميزانيتها التي ترزح تحت ضربات متكررّة ولم تعد تتحمّل هذه الخسائر، مع أنها ستستعيدها من خيرات وموارد شعوب المنطقة، فمثلا، أصبح بترول العراق والخليج مرهونا لسداد دين حربي الخليج . والبترول الليبي على الطريق، حيث إن المجلس الانتقالي الليبي سيدفع ثمن استنجاده بحلف شمال الأطلسي، بقيادة امريكية، حيث ستصبح ليبيا مستعمرة أمريكية، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا .
- *ما هو الهدف الأمريكي*
السيطرة السياسية عالميا، حتى تصبح الآمر الناهي، بدون منازع . السيطرة الاقتصادية على السوق الدولية، حيث تضمن سوقا دوليا لتصريف بضائعها ومنتجاتها، المدنية والعسكرية . وضمان استيراد مواد الخام بأسعار تحددها هي وبدون منازع .
من العوامل المساعدة لهذه السيطرة غياب الاتحاد السوفييتي ومجموعة الأنظمة الاشتراكية التي كانت سندا لنضال الشعوب وسدا منيعا أمام المطامع الاستعمارية الغربية والاستعمار الأمريكي الجديد، الذي أصبح منفردا ومستفردا بالشعوب ومقدراتها .
ظهور الصين المفاجئ وتعاظم قوّتها وازدياد وزنها ودورها الاقتصادي والسياسي على المستوى الدولي، واصبحت تهدد التفرّد الأمريكي والأوروبي بالعالم، فسارعت أمريكا لتسابق الزمن قبل فوات الأوان وتصبح الصين دولة عظمى لا تكسر شوكتها، وتحتلّ مكانة المنظومة الاشتراكية في حماية مقدرات الشعوب، وحريّاتها الديمقراطية، وصد أي عدوان عليها.
وجود أنظمة ما زالت تنتهك حقوق شعوبها، وتعتدي على حرياتهم الديمقراطية، وتفرض عليهم حياة اجتماعية واقتصادية تحت خط الفقر تتركهم فريسة للعدوّ اللدود للانسانية، حياة الجهل والجوع والمرض ،وتحرمها من ممارسة حقها الشرعي في الانتخاب الديمقراطي الحر.
عدم وجود قيادات ثورية ذات رؤيا مستقبلية واضحة توجه نضال هذه الشعوب لتقود حركاتها الاحتجاجية ضد الأنظمة التي ترزح تحت ظلمها . وترك الشارع فارغا أمام الفئات الغيبية أو المأجورة بسبب غياب الثوريين الحقيقيين، نظرا لسياسة القمع والقتل والتغييب في غياهب السجون لضمان أستمرار حكمهم دون منازع .
لذا لا يوجد برنامج ثوري سياسي اقتصادي، اجتماعي، يطرح البدائل أمام هذه الشعوب لتخرج من مأزقها وترتقي وتتطوّر منتهجة نظاما سياسيا أجتماعيا متنوّرا، يرتكز الى أسس الديمقراطية الصحيحة الذي يعتمد على الارادة الشعبية، في نظام حكم الشعب لصالح الشعب.
لذا لم يستطع أي حزب قائد ثوري، بسبب القمع الوحشي والارهابي، أن يجنّد حوله قوى شعبية، لبناء المستقبل المنشود تحت شعار ماذا نريد، ماذا سنفعل، وعلى أي درب نسير و نخطو، ووراء كل خطوة، ماذا بعد .
- *اللعبة الأمريكية*
على أثر الانتفاضة الشعبية في تونس، وتلتها مصر، أعلنت هيلاري كلنتون وزيرة الخارجية الأمريكية قائلة ، ينتظر المنطقة صيف ساخن، وهزات جماهيرية وفوضى. ماذا قصدت كلنتون في هذا، وهل أطلقت نبوءة، أم أنها قامت بفضح المخطط الأمريكي المعدّ بديلا للتدخل العسكري، معتمدة على دورها الرئيسي في مجلس الأمن، وهيئة الأمم المتحدة بفرض عقوبات على كل من تجرّأ وخرج عن طوع بنانها . وتلعب أمريكا دور الحامي لهذه القرارات وتحثّ الدول الأخرى لتنفيذها، بهذا تكون أمريكا قد وصلت " كما تظن" الى مبتغاها، في تنفيذ سياستها وتأمين مصالحها.
قام حلف شمال الأطلسي، بارشاد أمريكي، بفرض حصار عسكري على ليبيا ، وشن غارات على طرابلس مما أدّى الى سقوط آلاف الضحايا منهم نساء وشيوخ وأطفال،تحت غطاء مجلس الأمن واستنجاد المجلس الانتقالي الليبي، بحلف شمال الأطلسي.
تقوم حركات محلية بالانتفاض على الظلم والظالمين، مستغلّين فساد الحكم في هذا البلد أو ذاك، ولكن سرعان ما تقوم فئات مدسوسة بالالتفاف على دور الشعوب، وحرفها عن مسارها السليم، لتخدم المصالح الاستعمارية الأمريكية فمثلا في مصر، تنازلت السياسة الأمريكية عن رجلها الأول، حسني مبارك والمجموعة البارزة في الحكم والتي كانت سببا في الاستياء العارم لدى الشعب المصري، عندما ضمنت أن المشير الطنطاوي وسامي عنان وبعض عناصر العصر البائد سيكملون مشوار التعاون مع أمريكا الى جانب استئجار المدسوسين من بين الناس، لتبقى ارادة الشعب المصري ومقدراته ومصالحه مرتبطة بأمريكا، عن طريق قيادة جديدة رضي الشعب عنها، وبذلك تكون قد دعمت الثورة ظاهريا وبدأت بحرفها تدريجيا.
عندما لا يسترشد الشعب بالوصاية الأمريكية، تقوم عن طريق العملاء او المنتفعين من السفارات والشركات والبعثات الأمريكية، وتدخل اجنبي مستتر كما هو حال تركيا اليوم في التدخل في سوريا، كيف تحولت تركيا من عضو فعّال في حلف شمال الأطلسي ومن مشارك في مناورات عسكرية أمريكية واسرائيلية وتركية مشتركة، الى دور المساند لأسطول الحرية الى غزة، والى تفاقم الأزمة مع اسرائيل و الى مساندة الشعب السوري في ثورته، (هذا الموضوع يحتاج الى مداخلة خاصة توضح تضارب المصالح الفارسية و العثمانية على المنطقة). مما دفع العديد بمطالبة تدخل مجلس الأمن، ليضع حدا للجرائم المرتكبة في سوريا أن كانت من عناصر الأمن أو من عناصر خارجية، وفي هذا الصدد لا نبرّئ النظام السوري من هذه الجرائم، ولا نقبل بتدخل اجنبي، فعلى النظام في سوريا أن يتعلّم الدرس، ويسارع في مد يده للثوريين الحقيقيين ويطلق على الفور سراح الأسرى السياسيين وفي مقدمتهم الشيوعيون والناصريون، ويعلن عن اقامة حكومة وحدة وطنية تخرج البلاد من أزمتها قبل فوات الأوان .
بعد استتباب الأمن جزئيا وانقشاع الغيوم وثبوت النظام، تبدأ النوايا الأمريكية بالظهور وتبدأ عمليات كشف الحساب واستحقاق تسديد الديون التي تتلخّص بأرقام خيالية من تكاليف نقل الجنود والمعدات التي استخدمت من أجل رصد التحركات،والتزويد بالأسلحة الخفيفة والثقيلة، والذخيرة التي استعملت في قصف المدن الليبية مثلا، والخبرة العسكرية والفنية في إدارة العمليات الاخبارية وتحركات الشعوب، ونصب الخيم على الحدود التونسية الليبية، والحدود التركية السورية . كل ذلك يعيد الهيمنة الأمريكية سياسيا واقتصاديا وعسكريا وتفرض الوصاية على خيرات الشعوب ومقدّراتها، وتكون قد أصابت عدة عصافير بحجر واحد. تصوّر نفسها كانها لم تعتدِ على حريات الشعوب عسكريا، ولم يتورّط جنودها بحرب قذرة، بل هي قامت بدور انساني متحضر وهبّت لمساندة المظلومين وتكون استولت سياسيا واقتصاديا على خيرات البلاد وأحيت اقتصادها المتعثر في الفترة الأخيرة وأعادت تشغيل عجلة إنتاج اسلحة حديثة ومتطورة بعد الجمود الذي أصابها بعد أحداث أيلول سنة 2001 . تسقط أمريكا دائما من حساباتها ومخططاتها دور الشعوب وتغفل قدرة هذه الشعوب على إفشال أي مخطط أو تآمر، والشعوب اليوم لا تقبل بالعودة الى الوراء، وفي نفس الوقت أغفلت أن الزمن لم يعمل لصالحها، وأن سرعة تعاظم دور الصين السياسي وما يمكن أن تقدم من دعم للشعوب، وتتناسى دورها الاقتصادي والصناعي المتعاظم والتي ستصبح الدولة العظمى في غضون سنوات.
(يافة الناصرة)
