أغشم من السيل

single
ما زالت قضية النائب سعيد نفاع تتفاعل وذلك على خلفية إقصائه من عضويته في حزب التجمع الوطني الديمقراطي. كثرت البيانات، تلك الصادرة عن هيئات حزب التجمع، وما تلاها من بيانات ترد وتقارع ما سيق من مبررات وأسباب لقرار الحزب.
الأكثرية الساحقة تلتزم الصمت، ومبررها، في أحسن الأحوال، أن ما يجري هو شأن داخلي بين حزب وواحد من قيادييه حتى الأمس القريب، وآخرون، ظني أن صمتهم هو صمت الشامتين، فكل ضربة يتلقاها حزب التجمع وتؤدي إلى إضعافه، هي في النهاية مكسب لا بد أن تمطر سحائبه على كرومهم.
أما أنا وإن لم أكن عضواً في حزب التجمع أو حتى من مصوتيه، إلا أنني أرى أن ما يجري وتحديداً في هذه القضية، يلامس في أوجه عدة، قضايانا العامة، ومن شأن استمراره، كما أخذ يتجلى في البيانات الأخيرة، أن يمس مصالحنا الوطنية العامة ويزيد أسافين تمزق وحدتنا وأنسجتها الضعيفة أصلاً.
لا أكتب من باب الدفاع عن طرف ضد آخر، فباعتقادي يحق لحزب، أي حزب، أن يتخذ إجراءاته وقراراته المتعلقة بعضوية أعضائه، ومن باب أولى أولئك الذين يتبوأون مراكز قيادية عليا، على أن يتم ذلك تحت سقف المسؤولية العامة، فمصلحة الحزب وسلامته هدفان ساميان لكنهما لا يمكن أن يتجردا من تبعات قد تلحق أضراراً بالمصالح الوطنية العامة، التي في حالة وقوعها تترك جروحاً وندباً تزيد نحالة الجسم نحالةً، وتمسي كمن كحل عينه وأعمى عيون القوم
تزامنت قضية النائب سعيد نفاع وما قيل فيها على لسان الحزب وناطقيه، مع قرار المستشار القانوني لحكومة إسرائيل بتقديم لائحة اتهام بحق النائب نفاع وهي واقعة لا يمكن إغفالها وعدم إعطائها وزناً راجحاً في حسابات قيادة حزب التجمع، ساعة قررت الحسم وطرد النائب نفاع من صفوف الحزب. يحق لكل عاقل، وبالطبع للنائب نفاع أولاً، أن يسجل استهجانه من هذا التوقيت. أما كان أجدر بقيادات حزب التجمع إرجاء النظر وعدم حسم هذه المسألة في هذا الوقت؟ إن التهمة الموجهة بحق النائب نفاع تعتمد على وقائع ذات صلة بمكانته عضواً في حزب التجمع وقيامه بنشاط كان مدعاة فخر، وما زال كذلك، عند الحزب وقيادييه. فإن كان التواصل مع أهلنا وشعبنا وأمتنا هو ما برر للآلاف سفرهم إلى سوريا ألن يكون التواصل مع من كان من رواد هذا النشاط وأصبح ضحية له مدعاة للتفكر والتروي على الأقل إلى أن تمضي العاصفة أو يبان أين وكيف ستحط رحالها؟
أقول هذا وأذكر أن من بين الآلاف الذين سافروا شعباً وقيادة استفردت إسرائيل بشخص النائب نفاع وهذا ليس من باب الصدفة فوراء الأكمة ما وراءها.

لكثيرين، ممن تابعوا مجريات وأحداث مؤتمر حزب التجمع الأخير، وما رافقه من ملابسات، خاصة حول قائمة المرشحين، كان واضحاً أن فوز النائب نفاع وبشكل ديمقراطي لمكانه في قائمة الحزب، كان نتيجة فرضتها رياح لم تشتهيها سفن قادة الحزب.
القضية أن ما دار من أحاديث قبل وبعد هذه الانتخابات تعدى أموراً تقع في مصلحة الحزب أو مضرته ونقاشاً كان يجب أن يكون موضوعياً وشفافاً، مما أساء، عن قصد أو بدونه، للنائب نفاع وما مثله ويمثله في عمله الجماهيري. الأهم أن السيد نفاع وغيره كان على علم بهذه الأقاويل، التي تعدت كونها نوعاً من الثرثرات الفردية وأصبحت شبه موقف أضر بالسيد نفاع لكنه أضر أكثر بحزب التجمع.
على جبهة أخرى أدار قياديو حزب التجمع حملة بحق النائب بركة وزيارته لمعسكر الاعتقال في أوشفيتس. قضية كتب عنها الكثير وأدلى العشرات فيها بدلائهم. يحق لحزب التجمع أن يعرض لموقفه من هذه القضية، وبعض مؤيديه وأعضائه كتب في هذه المسألة وبشكل مسؤول، إلا أن هؤلاء يبقوا استثناءً، بينما ما رشح وانتشر كموقف يمثل حزباً برمته لم يتعد كونه تجريحاً شخصياً ومزايدة سطحية لا تغني النقاش المشروع ولا تترك من أثر إلا ذاك الذي يعمق التمترس الأعمى في خنادق متوازية لا يلتقي جنودها إلا في الهاوية.
ما يقلق في هاتين المسألتين هو ذاك "الصدأ" الذي يرسب في عقول الأجيال خاصة تلك التي بدأت عيونها تتفتح على عالم السياسة والهوية. أما في حالة النائب نفاع فالقضية أخطر والبيانات الأخيرة تحمل أكثر من بذور فتنة يتوجب وأدها حالاً. المسؤولية الأولى تقع على عاتق حزب التجمع ولكن على النائب نفاع ومن يؤيده أن لا يألوا جهداً لمنع مثل هذا الجرف والسيل فهو، إن نما وتمادى يعيدنا إلى الوراء سنوات، بينما نحن في أمس الحاجة إلى دفعة تقدمنا خطوة إلى الأمام في رحلة وجودنا في هذه البلاد، التي تصبح يوماً بعد يوم أصعب من رحلة سيزيف
ربما هي أزمة قيادة وقياديين، وربما، وعلى الرغم من الشعارات ومهما زينت "بالمبدئية" وادعت العفة والاستقامة، تبقى اللعبة هي اللعبة، فلا فرق بين عربي وعربي إلا بالوسيلة، أما الهدف عند الجميع هو كم من الكراسي سنحتل في ذلك المبنى العاجي.
وأخيراً كل طرف يدعي ويؤمن بصواب موقفه والشيطان يتربص في التفاصيل ولكنه يعبث أيضاً بالوسائل والحجج، وهذه كما تمارس لا تخدم مصالحنا ووحدتنا التي يجب أن تبقى فوق كل مصلحة حزبية ولا أتجنى على أحد إن قلت أنها خدمت وتخدم إسرائيل وسياستها القمعية ضدنا.
لم نكن بحاجة لهذا السيل من البيانات في قضية النائب نفاع ولا ما سبقه من سيل في قضية بركة، فهذا السيل جارف وإن كنا نعرف من أين يبدأ لن نعرف إلى أين يودي، فهو كما كل سيل ولذا قالت العرب فيه "أغشم من السيل".
قد يهمّكم أيضا..
featured

شبح البطالة يخيم

featured

الشيخ جرّاح لأهله يا محكمة "العدل"!

featured

مويل الهوى يمّا مويليّا

featured

يغتالون أشجار الصّبّار

featured

الأسرى... تحقيق دولي!

featured

الرفيق زاهي كركبي –وداعا