سمعتُ الأجداد والآباء، والجيران والجارات، سواءً كانوا متعلّمين أو أميّين يقولون "لا شيء يأتي من الغرب ويسرّ القلب" وفكرتُ مرارا بمصدر هذا القول المأثور وسببه وزمن ميلاده وتساءلتُ: هل أبدعته تجربة أجدادنا حينما تعرّضوا لحملات الفرنجة المتوحّشة التي أسماها الغرب "الحروب الصليبيّة" وما رافقها من مجازر بشعة تفوق الخيال في فظاعتها؟ أم أنّ حملة نابليون العسكريّة الاستعماريّة على بلادنا وما ارتكبه جنوده من مذابح في غزة ويافا وجنين، ومن دمار في مدن السّاحل الفلسطينيّ كانت القابلة القانونيّة لهذا القول؟ أم أنّ الانتداب البريطانيّ البغيض على بلادنا وتآمره مع الحركة الصّهيونيّة على شعبنا ووطننا جعل أجدادنا يدركون خطورة الإنسان الغربيّ وهول ما يفعله ويسعى إليه فأبدعوا هذا القول معبّرين عن واقعهم؟ أم أنّ موجات الهجرة اليهوديّة المتتالية من أوروبا إلى بلادنا جعلت العربيّ الفلسطينيّ يري الخطر الداهم ويشمّه ويحسّه على جلده فقال بعد آهة حارقة: لا شيء يأتي من الغرب ويسرّ القلب؟!
وفي الوقت نفسه وجدتُ أنّ أمورا هامّة عديدة ومفيدة تدحض هذا القول قد جاءت من الغرب وأسرّت القلب وأراحت الجسد ومتّعت الرّوح مثل المذياع والتّلفاز والهاتف والجوّال والسّيّارة والقطار والطّائرة وغيرها، كما وجدتُ السّينما والمسرح والنّحت والرسم تمتّع الأبصار والأذواق وتغني العقول، ووجدتُ الموسيقى والشّعر والرّواية والفلسفة منذ أرسطو وهوميروس وأرستوفانس حتى راسل وسارتر ويوسا غذاء للعقل والرّوح فقلتُ: ليس كلّ ما جاء من الغرب يسرّ القلب ولا كلّ ما جاء من الغرب يحزنه.
تذكّرتُ هذا القول ووقفتُ عنده عندما قرأتُ هذا الأسبوع في الصّحف عمّا حدث ويحدث لأشجار الصّبّار في بلادنا.
شجرة الصّبّار الصّبورة تشبه الإنسان الفلسطينيّ في الصمود فهي عصيّة على الاقتلاع وإذا داهمتها جرّافة الاستيطان وحاورها البلدوزر الإسرائيليّ لاقتلاعها وسقطت أوراقها وفروعها على الأرض انغرست الأشواك في التّراب ونبتت من كلّ شوكة من أشواكها شجيرة شابّة. هذه الشّجرة الخضراء شاهدة على جريمة هدم خمسمائة قرية فلسطينيّة وتهجير أهلها فحيثما ترَ شجرة صبّار تكن هناك أطلال قرية فلسطينيّة.
هذه الشّجرة ذات الأزهار الصّفراء الحلوة التي كنا نمصّ رحيقها في صغرنا عندما قلّ المُلبس وانقطعت الحلوى عنّا في سنوات النّكبة تذكّرنا بطفولتنا. وهذه الشّجرة ذات الثّمرة الحلوة الطّيّبة اللذيذة التي بقيت على طبيعتها ونكهتها لم يلمسها كيماويّ ولا عرفها داء أو دواء.
تزعم الصّحف أنّ سائحا إسرائيليّا عاد من دولة في أمريكا اللاتينيّة يحمل شجيرة ما ليستعمل أوراقها وأزهارها وثمارها في استحضار مخدّر ما وأنه غرس هذه الشّجيرة الغريبة في سهل الحولة وهي تحمل فيروسا قاتلا فانتقل منها إلى أشجار الصّبّار في المنطقة ومنها إلى مناطق أخرى، ويحذّر علماء الزّراعة في البلاد من أنّ هذا الوباء يهدّد بالقضاء على أشجار الصّبّار في بلادنا.
يغتالون الشاهد على تهجير قرانا وهدمها.
قرانا بدون صبّار وريفنا بدون صبّار والصيف القادم بدون فاكهة الصّبّار.
حقا. لا شيء يأتي من الغرب ويسرّ القلب.
