الأعراس فزّاعة الصّيف الموسميَّة

single
يقرع شخص ما أبواب بيوتنا، فصرنا نخاف أن نفتح له الباب، لاعتقادنا أنه متسوّل، يطلب صَدَقَةً، أو نعتقد أنه أحد الباعة المتجوّلين، يبحث عن رزقه عندنا... أو نعتقد أن الشّخص الذي يدق الباب هو ساعي البريد، ليسلّمنا المكاتيب الرّسميّة، لكننا نكتشف أن الذي قرع الباب هو ساعي الأفراح، الذي يسعى جاهدًا لإيصال الدّعوات إلى كل بيت دون أن يغلط، بعد أن ائتمنه صاحب الفرح على أن يُسلّمنا دعوته باليد مبتسمًا، فنبادله ظاهريًا بالمِثل، ولكن باطنيًا كنّا نتمنّى لو لم يدعُنا إلى الفرح.
بهجة الأفراح لم تعُد مصدر انبساط كما كانت عليه في الماضي، لأنها كثرت في السّنين الأخيرة، إذ لم يعُد بمقدور أصحاب الدّخل المحدود، تحمّل أعبائها الاقتصادية، لأن الإجراءات الاحتفالية للأعراس باتت مستنسخةً ومملةً... باتت تتصدّر أحاديث المجتمع والنّساء أيضًا، يعني موسم الأعراس أصبح حرب استنزاف جماعية لا تنتهي، تستنزف جيوبنا... تتخطّى حدود المعقول، فرضناها على أنفسنا مُكرهين!
يُعتبر فصل الصّيف، فصل الانشراح والترفيه، صرنا نتجنّب قدومه، لأنه يجلب معه سربًا مخيفًا من جراد الأعراس، يتزايد سنويًا بشكل رهيب، يهاجم محاصيلنا الاقتصادية... يقضي على ثمار تعبنا طوال السّنة،لأن الأعراس أصبحت فزّاعةً مزروعةً في حقل حياتنا، باتت تُخيف طيور راحتنا... تُخيف طيور صفونا وهدوئنا، فيهربون من رؤوسنا.
نحن نشكو سنويًا من الأفراح،لكن لا شيء يتغيّر ولن يتغيّر أي شيء، صالات الأفراح ما زالت كما هي... الوجبات الفاخرة ما زالت كما هي!!... مضمون دعوات الأفراح معروف ومألوف للجميع! إن الذي تغيّر هو تحوّل مفاهيمنا التقليدية الشرقية للأعراس، إلى مفاهيم غربيّة دخيلة، نلاحظها من خلال تفاقم إنفاق أهل أحد العروسَين المهول جدًا على لوازم ومستلزمات زينة الأفراح داخل الصالات والبيوت، وأعتبرها كماليات آنية وزائلة...لأن البعض لم يفهم إلى الآن أن صلاحية هذه الزّينة لها مدّة زمنيّة محدّدة، ينتهي رونقها مع انتهاء العُرس، ولكن الشيء الذي لا تنتهي صلاحيّته هو مطالبة أصحاب محلاّت الزينة، لبعض النّاس أن يدفعوا عاجلاً أو آجلاً فاتورة البهرجة غير الملحة.
فزّاعات الأفراح موجودة في كل مكان، خاصّة في قاعات الأفراح، فعندما تبدأ السّهرة الطربية! لا تفزع عيوننا من رؤية أعضاء الفرقة الموسيقيّة التي تجلس خلف المغنّي! بل نفزع من انتشار الفزّاعات الإلكترونيّة من حولنا، أقصد مكبّرات الصّوت، المنصوبة على أرضيّة القاعات مثل منصّات الصواريخ، تقصف آذاننا بوحشيّة... فتتطاير ذبذباتها في أرجاء القاعة... تحمل معها فزّاعة أبشَع، وهي أصوات بعض المطربين، الذين يغنّون بنشاز مقزّز،لا نفهم كلمات أغانيهم، فقط نسمع زعيق أصواتهم، يستغيثون بنا أن نتحمّلهم!!...
...لذا نضطر مجبرين إمّا أن نجلس في مكان أبعد، أكثر "أمانًا"، حرصًا على سلامة آذاننا، فنجلس لوقتٍ قصير، فنغادر قاعة الفرَح، بعد تلبيتنا لنداء الواجب الاجتماعي، تحديدًا بعد تقديم الوجبة الملوكيّة الأخيرة!...قرأت أن وزارة حماية البيئة ستفرض قريبًا على أصحاب القاعات والمراقص الليلية، أن يُركّبوا جهازًا يقيس نسبة الضّجيج، فعندما يتجاوز مستوى الضّجيج الحد المسموح به، يتم فصل التيّار الكهربائي تلقائيًا عن نظام مكبّرات الصّوت، آمل أن يطبّق هذا النّظام قريبًا.
هناك ظاهرة أخرى تزعج العديد من النّاس، وهي تلقّيهم دعوات لعُرس ما، دون أن يكون لهم أي صلة قرابة، أوصداقة تربطهم مع صاحب الفرح، يعني فقط علاقة عمل سطحيّة، أو مجرّد علاقة تصب في خانة المجاملات، تفرضها ضرورات الذّوق العام. تحضير قائمة المدعوّين إلى العرس، تتم في بعض الحالات عشوائيًا، وبشكل غير مدروس، كي يُذكّر صاحب الفرح هؤلاء المدعوّين العشوائيين، بأنّه لم ينسَهم، وأنهم دائمًا في البال، لئلاّ يلقوا بظلال العتَب عليه لاحقًا.
يتعامل بعض أصحاب العُرس مع قائمة المدعوّين، كأنّها سِجِل النّاخبين، إذ يسجّلون أسماء المصوّتين... عفوًا المدعوّين حسب المناطق السّكنية، ليتحوّل الفرح إلى مجسّم مصغّر لانتخابات البلديّة، ليتمتّع مقر أهل العريس، بلحظات العجقة الاجتماعية، يعتقدون أنه كلّما ازداد عدد المدعوين، تزداد وجاهة صاحب الفرَح، فيُصبح حديث النّاس في كل مكان.
هذا منطق غير سليم، لأن البعض يتجاهل التبعات الأدبية اللاحقة لدعوته العشوائيّة،فعندما يزوّج ذلك المدعو العشوائي ابنه أو ابنته، يتذكّر أن "أبو فلان" دعاه يومًا ما إلى عرس ابنه أو ابنته، فنجده يدعوه إلى الفرح، ليخلق توازُنًا أدبيًّا لدعوة "أبو فلان" السّابقة،"فِش حدَا أحسن من حدَا" فمن هذا المنطلق،يجب تحديدعدد المدعوّين، وأن تُقتَصَر القائمة فقط على الأقارب والمقرّبين وبعض الأصدقاء.
فزّاعة الأعراس الصيفيّة، هي صُنع أيدينا، لم تهبط علينا من فضاء العدَم، لأنه كلّما اختصرنا الطقوس الاحتفالية غير الضّروريّة، ازداد رونق الفرح، فتخِفّ صاعقته الماديّة على النّاس، وتتألّق ملامحهم، ولن يكون لفزّاعة الأعراس أي تأثير، ليدخلوا منطقة الأعراس منزوعة المزاج، بلهفة وود، وبدون أي تكلُّف أو مجاملة.
معظم الذين يشاركون في أفراح النّاس، يضعون على وجوههم مكياج التّصنّع، من أجل تنفيذ آخر بند في معاملة الفرح، وليس لإتمام الواجب،كأن العُرس بات مؤسّسة حكوميّة رسمية مقيتة! لذلك المطلوب من أصحاب العرس الشعور بالمسئوليّة تجاه أنفسهم قبل الآخرين، أي عندما يجلسون حول مائدة مناقشة أمور العُرس، يجب الأخذ بعين الاعتبار الترتيبات العقلانية وليس التدابير التشريفيّة الخياليّة!!
قد يهمّكم أيضا..
featured

دروب الآلام والعذاب والحروب ليست منزلة!

featured

توفيق .. يا معلّم الأجيال

featured

أخلاقيات الحُكام

featured

كمال جنبلاط: قائدًا ملء الزمن، مناضلا وفيلسوفًا خالدًا في ذاكرة التاريخ

featured

نحن لسنا من ضيعة صغيرة

featured

نحوَ توحيد النِّضال لهذه الصُّروح التربويَّة

featured

قـائـمـة الأقـلّـيّـة الـكـبـيـرة

featured

اوركسترا عنصرية متناغمة!