كمال جنبلاط: قائدًا ملء الزمن، مناضلا وفيلسوفًا خالدًا في ذاكرة التاريخ

single

نستذكر في هذه الايام العصيبة والدقيقة التي يمر بها عالمنا العربي وفي خضم الاحداث التي تعصف ببلد الارز لبنان غياب المناضل التاريخي والمفكر الموضوعي نبي العصر الحديث المعلم الكبير كمال جنبلاط.
لقد كان كمال جنبلاط في حياته ونضاله ظاهرةً مشرقةً في تاريخنا المعاصر، فقد علّم اجيالا بكاملها كيف يكون الالتزام بالمبدأ قولا وفعلا وكيف يقاتل القائد في خندق جماهيره حتى آخر نقطة دمٍ في عروقه، وحسبه فخرًا ومجدًا ان جميع قوى التآمر والغدر التي اجتمعت عليه وعلى شعبه الأبي قد عجزت عن قهره في ساحات الصراع الحقيقي ولكنها لم تجد مفرا من اللجوء الى احط الوسائل والاساليب وهي الاغتيال السياسي والذي نفذته رؤوس وأيدٍ آثمة.
لماذا اغتالوا كمال جنبلاط؟ اولا: لان صورة الصراع العربي الاسرائيلي بكل عوامله التاريخية وحيثياته المزمنة والطارئة كل هذا كان لوحة واضحة في عقل جنبلاط.
ثانيا: لان كمال جنبلاط لم يكن نبتا شيطانيا من النباتات التي صُنعت او تُصنع صُنعا في حياة لبنان بالمال المشبوه او بالعمالة الرخيصة، بل كان عملاقا حقيقيا يضرب بجذوره عمق التراب اللبناني والعربي والعالمي، لا يمكن ان يتنكر له عدو او صديق.كان كمال جنبلاط يمثل شجرة الارز وهي تحمل على جنبيها روح الشاعر والثائر.
إن الشعور بالواجب يملي علينا احياء وتقديم فكر الرجل الذي اجهد نفسه في صناعة نفسه وصناعة التاريخ،لقد جمع في شخصيته عقل العالم المدقق ورسولية النبي الرؤيوي المبشر وخيال الشاعر الصوفي المتسع. فلم يتوقف في محطة السادس عشر من آذار وانما بقي مسافرا في قطار الوجود المسافر، جرعة في تاريخنا المعاصر ومشروعا ينجز في مستقبل تفتح الآفاق. فهو المتميز بين سياسيي تلك المرحلة في نهجه الجامع بين الثقافة والسياسة الهاجس باسراء روح العقل في امةٍ تغريها الاساطير وتستلبها الخرافات، انه الداعي الى احلال روح الدين الخُلقي في جسد دنيوي يفور كالقِدر الموضوع على نار الغرائز والرغائب.
كان كمال جنبلاط ظاهرةً خارجةً عن المألوف في عالمنا السياسي والثقافي المتردي، كان وهو سيد القصر، سيد نفسه اولا وهو الزعيم المنحدر من نبالة ارستقراطية، فارسا تقدميا يسابق العصر ليطل على الزمن الآتي من كشوفات العلم الاخيرة والتجارب السياسية.
كان كمال جنبلاط رمزا للقيادة الحكيمة وركنا للمعرفة والعرفان، جمع بين القلم والقيادة بين الايمان والمعرفة بين الفلسفة والمبادئ بين الانسانية والمحبة بين التواضع والرئاسة بين إخلاصه لوطنه لمذهبه وشعبه.
انهى المعلم كمال جنبلاط دراسته الجامعية في المحاماة في الجامعة اليسوعية في بيروت، وجامعة السوربون الفرنسية في مواضيع الفلسفة، علم الاجتماع وعلم النفس.
اما بالنسبة لمشروعه السياسي في وطنه لبنان فكان مشروعا اصلاحيا لا طائفيا. اراد ان يضع قواعد جديده للسياسة تستطيع ان تحول الطوائف الى شعب واحد وان تخلص الادارة والمؤسسات من عقدة الطائفية والعائلية.
في سنة 1965 شكل كمال جنبلاط الجبهة اليسارية التي ضمت الحزب التقدمي الاشتراكي والحزب الشيوعي وتنظيمات تقدمية ناصرية،وجدير بالذكر ان كمال جنبلاط قاد الثورة ضد الفساد والتآمر على لبنان سنة 1958، وقيل عنه انذاك انه ينصب الرؤساء ويخلعهم اذا شذوا عن الطريق القويم.
كما حاول الحاق لبنان الى الجمهوريه العربيه المتحده التي ضمت انذاك مصر وسوريا،غير ان القوى الرجعيه المتعاونة مع القوى الاجنبية والقوى الانعزالية والطائفية انذاك استطاعت ان تمنع ذلك.
كان كمال جنبلاط زعيما قوميا عربيا اشتراكيا، قائدا ثوريا معلما، شاعرا وفيلسوفا يمثل هو وامثاله من القادة العرب كجمال عبد الناصر وسلطان باشا الاطرش وامير البيان شكيب ارسلان الوجه الحقيقي الناصع لهذه الامة.
كان لكمال جنبلاط  دور كبير في دعم الشعب الفلسطيني وثورته، فعندما حدثت المواجهات المسلحة سنة 1968 بين المقاومة الفلسطينية والجيش اللبناني وقف القائد كمال جنبلاط مع قواته مدافعا عن المقاومة الفلسطينية وهكذا اصبح رمزا لدعم القوى القومية اللبنانية للشعب الفلسطيني واصبح الفلسطينيون ينظرون اليه كالدرع الواقي لحركتهم وحقهم في الكفاح.
في سنة 1973 عُين الامين العام للجبهة العربية المشاركة في الثورة الفلسطينيه والتي ضمت انذاك 57 حزبا وتنظيما من كافة الدول العربية. وهو من بين القادة العرب الحاصلين على وسام لينين للسلام اضافة الى كونه عضوا بارزا في الاشتراكية العالمية وفي مجلس السلم العالمي.
لقد رحل عنا المعلم الكبير كمال جنبلاط في السادس عشر من آذار(1977) بجسده لكن روحه الازلية باقيةً فينا الى الابد، فهو في ضمير الامة وفي وجدان الشعب بفكره وعلمه وفلسفته وتعاليمه التي لا تموت ابدا، وسيبقى فينا وينتصر...   

قد يهمّكم أيضا..
featured

قذائف ليست "بمشيئة الصدف"!

featured

الخير بالموجهات

featured

مرزوق حلبي.. مِشْ زابِط!؟

featured

الوحدة شرط نجاح النضال

featured

مواجهة واشنطن لإسقاط الاحتلال!

featured

في الذكرى الأربعين لوفاة طيب الذكر" أنيس زهران "

featured

موقف مثير للاعتزاز