في الذكرى الأربعين لوفاة طيب الذكر" أنيس زهران "

single

"شخصية لها تاريخ "



لم انس الملاحظات التي كنت أدونها في دفتري الصغير الذي كان وما زال يقاسمني مكابداتي وأفراحي وأحزاني لحظة بلحظة .. وفي أكثر من صفحة سجلت ملاحظات كتبتها ببعض لقاءاتي بطيب الذكر أنيس زهران .
كان المرحوم الذي وقف مدة طويلة خلف أشيائه المعروضة في حانوته " دكانة أنيس الزهران " التي أصبحت جزءا من تضاريس وخارطة ورائحة وفولكلور المكان في عبلين ، كنت اشعر وأنا أمامه أن الحدود واضحة في نفسيته وآمنة بين المجد والأمل واليأس والفرح والربيع والشتاء والخريف والصيف وابتسامة دائمة متفائلة وكلمة " أهلا وسهلا حيدر " دائما . صحيح انه رحل جسدا وبقيت أحلامه التي لم يحققها وتمسك بها بهدوء وصمت غريب متشائل وكأني أرمقه حزينا من بعيد .. ويتأملني حاشدا معنوياتي: لا بد من المحاولة الدائمة حتى نصل إلى الهدف.!
ترجل صامتا ... كعادته..
ولكن جمرة الثورة التي آمن بها ما زالت متوقدة حتى لو غطاها الرماد تنشد الأمل والسعادة للأشقياء" الغلابى" في عالم قاس متعدد كبير .. ولا بد من عبور صحرائه الموحشة الكبيرة .. قارعين خزان يقظتنا الدائم حتى لا نموت صامتين.. كما كان المرحوم.
الذي ولد في عبلين وترعرع بين أزقتها ووصف بالذكاء والفطنة ومثال العطاء والتضحية بدون ضجيج .. كما ذكر لي الرفيق المخضرم حبيب سليم الحاج أطال الله في عمره " أن المرحوم علمه عندما كان يغيب احد من المعلمين عندما كان في الصف الأول والثاني الابتدائي في مدرسة عبلين الابتدائية التي كانت في دار راجي حنا السلمان في البلدة القديمة مع طيب الذكر زها داود حيث كانوا من الطلاب النجباء الناجحين".
أشتغل في معسكرات الجيش البريطاني قبل قيام إسرائيل في منطقة "العزيزية" وطيرة حيفا وكان عضوا في عصبة التحرر الوطني ، ومن أوائل الرفاق في خلية الحزب الشيوعي في عبلين إلى جانب طيبَي الذكر  المرحوم  الرفيق نصري المر والمرحوم الرفيق  فوزي الحاج (أبو سمير) والرفيق وديع خوري (أبو عايد) أطال الله في عمره .. كما جاء على لسان طيب الذكر والمتعمد بالكفاح المرحوم نصري المر " في تلك الفترة تنظم ثلاثة أعضاء من قريتي في فرع عصبة التحرر الوطني في حيفا ، الرفيق وديع خوري ، تنظم بواسطتي ، والرفاق أنيس زهران وفوزي الحاج بواسطة الرفيق جمال موسى . وبقينا سوية نشارك في النضالات والإضرابات التي شهدتها المعسكرات ، وكانت علاقتي جيدة مع العمال".  وأكمل " بقينا في حيفا حتى صدور قرار التقسيم عام 1947 ، وثالث يوم بعد هذا القرار بدأت " المعارك القومية" وانتقلت إلى عبلين ، وكذلك الرفاق وديع وأنيس زهران وفوزي اسكندر حاج . وهكذا انوجد في عبلين أربعة رفاق شيوعيين . انقطعنا عن حيفا ، وحين سقطت بأيدي اليهود عام 1948 وبدأت العملية المنظمة لترحيل عرب حيفا عن مدينتهم أصدرت عصبة التحرر الوطني منشورا يدعو الأهالي إلى البقاء وعدم الرحيل حتى لا نخسر الوطن . أرسل لنا المنشور عن طريق عكا واحضره الرفيق فوزي اسكندر حاج . وزعناه في عبلين (واحتفظ بنسخة منه) . وبعد هذا النشاط ، قمت بدعوة الرفاق الأربعة وقلت لهم : نحن شيوعيون ولا يمكن أن نكون غير منظمين ، واجتمعنا في دار الرفيق أنيس زهران ، ورشحت الرفيق أنيس سكرتيرا للخلية ، لكن الرفاق اجمعوا على انتخابي سكرتيرا. وبدأنا العمل المنظم في عبلين . وقمت بربط علاقات مع الشباب والدعوة للانتساب للحزب، مع إيليا توفيق خوري،فايز حاج وإيليا ناصر وقاسم عثمان وطلب الراغب النجمي . وأول رفيق انتظم في صفوف الحزب كان الرفيق محمد علي حيدر (أبو عيسى) وبعده الرفيق مرشد صالح سليم " .
(من شهادته التي سجلتها شخصيا قبل وفاته ونشرت في كتاب الرفيق احمد سعد (جذور من الشجرة دائمة الخضرة) إصدار معهد إميل توما للأبحاث الاجتماعية والسياسية – حيفا 1996 – صفحة 194 ) .
لقد تشكلت رزنامة عمري أيضا بعلاقة المكان الأول والذكرى الأولى .. علاقة قديمة لا تنسى ولا يوازيها في الأهمية والحنان ، سوى تذكر الليالي الشتوية القارسة  التي كنت اخرج بها لمشاهدة " مناظر السينما" كما كنا نسميها التي كان يعلقها أصحاب سينما عبلين أمام دكانه وكانت السينما في بيت المربي والمفتش شوقي حبيب وتدار على موتور ديزل قبل دخول الكهرباء إلى عبلين سنة 1973 . والتي كان يشغلها اليهودي " أتيس" من سينما اوريون من حيفا . واذكر ان أول مناظر للسينما رأيتها كانت لعبد الحليم حافظ لفيلم " أبي فوق الشجرة" .
وكان المرحوم على أبواب كل صيف يجهز دكانه بكل المبيعات التي لها علاقة بأدوات العمل في " موسم الخيار" في سهل عبلين ، وبكل قطع الغيارات للدراجات الهوائية التي كان يركبها الشباب والصبيان للوصول لحقول الخيار في سهل عبلين،  وكذلك الملابس الموحدة المدرسية وعدة تلقيط الصبر وغيرها وغيرها من كل ما تريد من عدة الكفاح اليومي والمتوفرة دائما في "دكانة  أنيس الزهران " . فهذا الشريط من العمر الطفولي لن ينسى ولن يزول حتى لو غاب جسد أنيس زهران .
عاش عذاباته الشخصية متأبطا هموم دكانه في مركز القرية المكان والمشهد الدائم لعقود من الأجيال التي تربت على هذا الاسم مثلما تربت على مصطلح "دكانة الشيوعية " التي أسست بقيادة الرفاق الشيوعيين في عبلين وبقرار من مؤتمر العمال العرب وصمدت 40 عاما والتي بدأت جمعية زراعية وتحولت لجمعية استهلاكية ، وكانت توزع أرباحها سنويا على العمال والفلاحين في بعض المرات . وعمل فيها مدة طويلة الرفاق وديع خوري وناصر تيم وشكري عبيد أطال الله في عمرهم ، والمرحوم محمد علي حيدر ( أبو عيسى) .  
أما دكانة أنيس زهران ما زالت باقية في عبلين ، الدكان الذي اشغله عن أي نشاط سياسي مباشر بل غدا الدكان اكبر ملتقى اجتماعي وسياسي وجماهيري فكانت علاقته كحانوتي يومية مع بعض الشخصيات التي ارتادته لتبادل الحديث واقتناء المشتريات أحيانا .. فكان صباحه يبدأ بالرفيق المرحوم نصري المر الذي كان ينتظر الباص للسفر إلى عمله كمحترف حزبي إما للناصرة أو لحيفا فالدكان كان أيضا محطة تقف باصات "ايجد" بجانبه المسافرة الى حيفا والناصرة وعكا وكذلك مكتب التاكسيات .  فكان يقدم له البيان السياسي الصباحي الذي شمل الوضع الدولي" والإسرائيلي" والمحلي.. وكان محور اتخاذ الموقف الصحيح في نظرهم موقف الاتحاد السوفييتي العظيم صديق الشعوب المقهورة والمناضلة من اجل حريتها. بعدها يقبل عليه الذين لهم علاقة بالمجلس المحلي لان الدكان أيضا كان بقرب بناية المجلس المحلي ولا زال، ومنهم المرحوم عبد الله خطيب (أبو خالد) والمرحوم علي احمد عثمان ( أبو احمد) نواب الرئيس في تلك الفترة. وأحيانا رئيس المجلس المحلي في تلك الفترة المرحوم هواش حاج وكان هذا السيناريو يوميا ( كما حدثني الدكتور يونان توفيق  زهران ابن أخ المرحوم ) . . " اجتماع الدكان" إلى جانب البضاعة الاستهلاكية كانت أيضا بيانات البضاعة السياسية الدولية والمحلية.
بعدها يلتقي الأصحاب والأصدقاء الدائمون العائدون من أعمالهم واستمروا حتى بعد تقاعدهم في مضافته في الدكان ومنهم الرفيق يعقوب سمرة (أبو منير ) أطال الله في عمره، والمرحومون فوزي اسكندر حاج وإبراهيم فهدان ويعقوب شحادة ومسلم مسلم ومحمد رسلان وراجي النجمي. غير أصدقائه من خارج عبلين طيبي الذكر جمال موسى ورمزي خوري وحنانيا عساف والرفيق كمال غطاس .وقد ذكر لي الدكتور يونان زهران"  ان المرحوم كان لنا مؤدبا ومعلما وصديقا مخلصا وعما عطوفا بعد وفاة والدنا وكان بمثابة الأب الوفي اهتم بنا وساعدنا في كل مجالات حياتنا من طفولتنا حتى تعلمنا في الجامعات وتخرجنا وزواجنا هذا هو العم العزيز أنيس " .
كان المرحوم من الرعيل الذي ذاق مرارة النكبة .. وصديق الحزب وبعدها الجبهة أيضا الدائم عن قناعة وبهدوء بدون أهداف ومطالب ذاتية.. من الرعيل الذي أذاق الحكم العسكري البغيض الهزيمة بالصمود والبقاء والتحدي في ارض الوطن الغالي. مستنفرا دائما وبهدوء في معارك الحزب والجبهة السياسية والاجتماعية، هامسا بلطف لكل فرد بتأييد هذا الخط والمبدأ السياسي الوطني الملتزم المكافح لصالح الطبقات المسحوقة.. وبعلاقتي معه في نشاطي السياسي المحلي عندما كنت ارتاد دكانه كرئيس للمجلس المحلي بين سنوات 1998 – 2001 وبعدها أيضا ، كانت النصيحة الهادئة عنده مهمة ،" ويا ويل الشيوعي المثل في المجتمع بنظره إذا ارتكب خطيئة أو تكبر أو خان أو تخاذل في القيام بواجبه النضالي عنده " وغدا البارومتر للحراك الشعبي والسياسي والاجتماعي في عبلين . فإذا أردت فحص نبض الشارع العبليني فما لك إلا " دكانة أنيس الزهران " . وكنت لا " انبش " في حياته الشخصية متسائلا لماذا لم يتزوج ؟
لأنني استنتجت لاحقا انه تحدى قلبه.. وانس وحدته .. ومثلما كانت الأشياء مرتبة وصالحة للاستعمال في الدكان كانت عنده كل كلمة صالحة للاستعمال.. في صمته الغريب كان يختبر جراحه الشخصية .. كما يختبر العازف أوتاره والطاووس أذياله والجندي سلاحه . والمناضل شعاراته أو قوة احتماله للمواجهة والتحدي.. اعتز بثقافته وتراثه النضالي وتزين بالأخلاق الحميدة والإخلاص لما كان يحب ويؤمن به .. فهؤلاء الذين رحلوا لم يكونوا يرتجلون وطنهم وقت الحاجة ليبرروا حراكهم السياسي والاجتماعي بل كان الوطن يعيش فيهم ويعيشون لأجله.. وكان شعارهم وطن محتل يجب أن نحرره بكل الوسائل المتاحة لنا والتي نستطيع بإبداعنا الخلاق صنعها. الحديث عن المرحوم ذو شجون .. وكلما فتحنا نافذة للذكريات امتلأ المكان بنعمة النسيان.. والكتابة عن أنيس زهران ليس مبالغة في الوفاء بل دين علينا له علاقة بالضمير. رحمك الله .

 


(عبلين)

قد يهمّكم أيضا..
featured

البعد الشعبي المفتقد

featured

والله ساغ يا سليم

featured

حقائق جرى طمسها

featured

هم يؤمنون، ونحن نعرف

featured

النضال اللاعنفي: صحيح ومُجدٍ. فكيف نمارسه؟

featured

تمرين الرعب المسيّس

featured

سلفيون مع وقف التنفيذ الإسلامي