أجلس وأكتب هذه الكلمات وأنا في طريقي إلى البيت، بعد أسبوع استثنائي مع 14 امرأة رائدات التغيير الاجتماعيّ السياسيّ من أرجاء العالم. دعت جامعة مركز دراسات الأمن والديمقراطية الدولية في دنيفر الولايات المتحدة 15 امرأة من 15 دولة، جميعهن قياديات من الصف الأول لمؤسسات غير حكومية، لمدة أسبوع لتعلم طرق نجاح النضالات السلمية غير العنيفة.
أربع رسائل أساسية برزت خلال ورشة العمل؛ الرسالة الأولى: احتمالات نجاح النضال السلميّ أعلى بكثير من احتمالات نجاح النضال العنيف، أو النضال الذي يتخلله عنصر العنف. والأرقام التي تشهد على ذلك مذهلة. فقد سجلت النضالات العنيفة نسبة 15% من النجاح، بينما حققت النضالات المدنية غير العنيفة نسبة 60% من النجاح، ومن بين هذه النضالات الناجحة، النضال في تيمور الشرقية، والنضال في نيبال وغيرها. لذلك ثمة أهمية كبيرة في الحفاظ على عدم انزلاق النضال إلى العنف وشرح أهمية ذلك طيلة الوقت.
الرسالة الثانية: أهمية الاستراتيجية الواضحة والتكتيكات المتغيّرة وفق الحالة. نحن ندرك صحة هذه الرسالة، ونعلم أنه بدون هذا ليس ثمة فرصة (تقريبًا) لنجاح النضال. فمظاهرات هنا ونشاط آخر هناك بدون وضع استراتيجية لا يمكنها أن تُحدث التغيير المنشود. لذا ينبغي علينا أن نتأكد دائمًا من وجود استراتيجية وتكتيك يتلاءم مع هذه الاستراتيجية، سواء كان الحديث عن النضال ضد هدم البيوت في قلنسوة، أم نضال لتغيير النظام.
ثمة معلومات إحصائية مثيرة تشير إلى أنه مع القيادة اللامركزية توجد فرص أفضل للنجاح. فإذا كان النضال يعتمد على قائد واحد ووحيد، مهما كان كريزماتيًا، فإن فرص نجاح النضال أقل. والسبب الرئيسيّ الواضح لذلك هو قدرة الدولة على الاعتداء على شخص معين، وبالتالي عرقلة النضال. بينما تتيح القيادة اللامركزية استمرار النضال حتى عندما تحاول الدولة الإضرار بالقيادة وملاحقتها.
تناولنا خلال الورشة موضوعات أخرى، مثل كيفية صوغ رسالة تصل إلى الأشخاص الذين نستهدفهم، وخاصة أولئك الذين يؤمنون بطريقنا ولكنهم لا يشاركوننا النضال. في هذا السياق اقترحت الورشة استخدام رمز ثقافي هام وتجييره لخدمة نضالنا. فاليمين الإسرائيلي، على سبيل المثال، يستخدم مفهوم الطلائعية والاستيطان من بداية الصهيونية، ويجيّره لصالح مشروع المستوطنات. لذا ينبغي على اليسار التفكير برمز يمكن استخدامه، وتجييره لصالحنا واستملاكه.
بطبيعة الحال كنت في كل لحظة أسأل نفسي كيف يمكن الاستفادة من المعلومات والأدوات التي اكتسبها هنا في نضالاتنا الصعبة في إسرائيل. بداية تجدر الإشارة إلى أن خيار المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل للنضال اللاعنفيّ لنيل حقوقهم وإنهاء الاحتلال، لا ينسجم مع قيم اللاعنف فحسب، بل يزيد من فرص نجاح النضال. ولكن ليس من السهل الحفاظ دائمًا على هذه الاستراتيجية، ولذلك ثمة أهمية لمعرفة الثمن المتوقع في حالة عدم التمسك بهذه الاستراتيجية. علاوة على ذلك، تشير الاحصائيات إلى أن معدلات القتل الذي يمارسه النظام في أعقاب نضال عنيف ترتفع بعشرة أضعاف، كما أنها تحد من فاعليّة النضال.
بما يتعلق ببناء الاستراتيجية، تعلمنا أن أفضل طريقة هي النظر في الركائز الأساسية التي تتيح للنظام العمل ضد السكان؛ هل هي المحاكم التي تتيح ذلك؟ أم منظومة الأعمال الاقتصادية؟ ما هي الركائز الأخرى التي يستند عليها النظام وتتيح له انتهاك حقوق الإنسان؟ بعد تفكيك هذه الأسئلة نفحص أي من تلك الركائز يمكننا التأثير عليها وتغييرها بحيث تتوقف عن دعم النظام. فعلي سبيل المثال، في قضية القرى غير المعترف بها، أعتقد أن الركيزة السلطوية الأضعف هي السكان اليهود المحليون والسلطات المحلية،حيث تعلمنا تجربتنا الميدانية أنهم لا يرون أية جدوى أو فائدة من محاربة الدولة للمواطنين العرب في النقب. علاوة على ذلك، ليس ثمة كراهية لدى غالبية السكان اليهود في النقب، كجيران قريبين، ضد جيرانهم العرب. وبالطبع ليس على مستوى القيادات. لذلك ثمة ضرورة لوضع تكتيكات تحد من دعم هذه الركائز للنظام.
كما تحدثنا عن الـ backlash (رد الفعل العنيف) للدولة ضد التكتيكات الناجحة، وعن الحاجة إلى مواجهة ذلك. ففي سياقنا السياسيّ في النقب، نرى أن المجلس الإقليميّ للقرى غير المعترف بها قد حقق النجاح. فبفضل العمل المشترك والمكثف نجحنا في خلق مقاومة نظامية لعدم الاعتراف، وحققنا النجاح من خلال توجهاتنا إلى المحكمة العليا من أجل حقوق سكان تلك القرى، وتم الاعتراف بـإحدى عشرة قرية. لذلك عملت الدولة جهدها بغية هدم هذه المؤسسة التي بناها السكان، أي المجلس الإقليميّ للقرى غير المعترف بها. واليوم تحاول هذه المؤسسة، التي أشارك فيها، النهوض من تحت الرماد، ولكننا لم ننجح حاليّا.
من هنا أنتقل إلى الرسالة الثالثة، وهي شرط ضروري لنجاح النضال اللاعنفي؛ رسالة نعرفها جميعنا هي وحدة النضال.
الرسالة الرابعة والأخيرة هي موضوع النساء. فعندما تقود النساء، أو يشاركن بقيادة النضال، فإن فرص الحفاظ على النضال اللاعنفي تزداد بشكل ملحوظ، وكذلك فرص نجاحه. الأمر جدير ومجدٍ، فيها اعملوا على دمج وإشراك النساء!
