أنا حرّ. أفكّر ما أشاء، وأكتب وأقول وأفعل وآكل وأشرب ما أشاء، وأنام وأصحو متى أشاء. لا شيء يقيّدني أو يعارضني. ولا شيء يمنعني من أن أحبّ الأزهار والعصافير والمطر وشجر الزّيتون والأطفال وأنين النّاي، ولا أحد يصدّني عن قراءة كتاب جميل ورواية مشوّقة فأنا أعيش في بلاد الطّيور الجميلة وفي زمن الشّموس المشرقة وبين العبير وبتلات الورد. حياتي مكشوفة وخطواتي معروفة، فالسلطان، حفظه الله، يسهر على صحتي وعلى مستقبلي وجيبي ولساني ودماغي وخيالي ويعرف حسابي المصرفيّ وديوني وعلاقتي المتوتّرة مع مدير البنك، ويعرف قرض الإسكان الذي أسدّد دفعاته الشّهريّة منذ ربع قرن وقد أغادر الدّنيا الفانية وأنا أدفع وأسدّد. ويعرف حضرته نوع سيّارتي وتاريخ ميلادها ومقدار القسط الشّهريّ الذي أدفعه للشّركة من ثمنها، ويعرف حركاتي من طقطق للسّلام عليكم فالبركة بجوّالي وبجهاز الرّقابة في سيّارتي اللذين يشيان بكلّ حركة لي (للمحافظة على سلامتي وعلى راحتي) ويعرف مولاي السّلطان نوع دمي وما يعانيه جسدي من أمراض وعلل مثلما يعرف الدّواء الذي أتناوله لمقاومة السّكريّ وضغط الدّم العاليّ والدّهنيات (البركة في وزارة الصّحة وكنز المعلومات في المستشفى الحكوميّ) كما يعرف نوع الحليب الذي أشربه ونسبة الدّهن فيه وكم أستهلك من لحم الدّجاج والعجل والخروف، ويعرف جنابه متى توقّفتُ عن شرب المنكر، ومتى أدمنت على تدخين النّرجيلة ويعرف أيضا من أين ومتى أشتري الفياغرا، ولا تستغربوا لأنّه مطّلع على نقاشي السّاخن مع زوجتي التي ترفض أن تطبخ العكّوب والشّيخ برك وتصرّ على أن تطهو البحتة والهيطليّة اللتين لا أحبّ اسميهما. والسّلطان ابن اوادم وابن أصل طيّب يعرف اسم الفندق الذي ألتقي فيه بعشيقتي ومواعيد اللقاء السّرّيّ الذي كان أسبوعيّا فصار شهريّا (السّبب ليس اقتصاديّا) ولا ينبس ببنت شفة ولا يهدّدني بافشاء السّر للسّيّدة زوجتي ولكنه يحتفظ به لوقت الحاجة. يا رب يا معين أعن السّلطان على السّهر في الليالي الحارّة والباردة كي يسترق السّمع لوشوشاتي المخادعة لزوجتي ونحن في السّرير وكي يعرف موقفي من حماس ومن داعش ومن طالبان ومن الرّجل الأميّ الأعور الملا عمر ومن يسرائيل بيتينو ومن تاغ محير، ويعرف أنّني لا أصدّق الخواجة بيبي نتنياهو حتّى لو قال للسّيدة المصون سارة "أحبكِ". ويعرف أنّني أفهم بأنّ كلمة مفاوضات هي اختصار لكلمات: "ما في وضو...ح...ما في ضَوْ" والسّلطان يتصنّت لهاتفي ولجوّالي لا حبّا بالتّصنّت بل لأقلّل المكالمات وأوفّر القرش الأبيض لليوم الأسود، ويقرأ بتمعّنٍ صفحتي في الفيسبوك. وهو يفعل كلّ هذا ويخزنه ليوم الغدّ ويوم العدّ ويوم الحدّ.
وأنا حرّ. أتنفس الهواء بحريّة وأتشمّس بحريّة. والسّلطان حرّ وابن حرّ وأخو حرّة. يجلس على منكبي الأيمن وعلى رأس كتفي الأيسر. رقيب وعتيد. يراقب ويسجّل ويبصّ وينصّ ويرصّ، وأنا في بلاد الحريّة وزمنها. وللحريّة الحمراء باب وكذلك البيضاء والسّمراء والشّقراء والصّفراء والليلكيّة.
هل رأيتم؟ ها أنا أفكّر بما أشاء وأقول وأكتب ما أشاء، يا جاحدون، فلماذا تبتسمون وتقهقهون وتدعون السّلطان الحرّ ابن الحرّة وأخو الحرّة ليراقبكم؟
