"إن سهما أتاني من الخلف... سوف يجيئك من ألف خلف، فالدم الان صار وساما وشارة"
*توجهت البارحة الى كفركنا, أردت الدخول لمكان عملي, عند المدخل يقف شرطيان وقد منعوا الدخول الى البلد, أقتربت فسألني الشرطي: "الى أين؟"... ذكرني بجنود الاحتلال على الحاجز*
قتل خير حمدان, قتل بدم بارد بطلقة من الخلف, فاجأه الجبناء وقنصوه ثم رموه بلا رحمة في السيارة, حرموه من الحياة عمدا وفارقها في ريعان الشباب.
عندما أرى صور خير أتخيل أحلامه خيالات تطوف حوله رغم عدم معرفتي به, أراه كأي شاب يحلم بالسفر ورؤية العالم, لربما كانت له حبيبة يحلم بلقائها, أراه محتارا بما سيتعلم ويعمل ويحلم ماذا سيصبح في المستقبل عندما يكبر, احلام كثيرة ربما راودت ذلك الفتى ولكن بطش الشرطة كان أقوى فحرمه منها في ثانية خاطفة...
منذ اللحظة الاولى التي رأيت فيها صور الموت البشع، لم أنفك أفكر الا في والدة خير, كأم حديثة العهد لا يسعني أن أفكر سوى في قلبها الذي حتما أنفطر وتمزق وجعا والما على أبنها, فنحن معشر الامهات نربي أطفالنا حسب المثل القائل "كل شبر بندر", نحميهم من مخاطر الحياة ونربيهم ليكبروا فنراهم صبايا وشباب مليئين بالحب والمرح والامل والحياة، ننظر اليهم كل يوم فنشعر أنهم أملنا في حياة أفضل, هم من سيستطيعون تغيير الحياة والتاريخ بما لم نستطع تغييره نحن, هم بصيص الامل الذي نحيا من أجله, ولكن أم خير لم تسمح لها يد القاتل بأن ترى امالها تتحقق في صغيرها, فحرمتها منه في ربيع العمر, لا أستطيع الا أن أسال نفسي سؤالا واحدا : هل حكم على أمهات فلسطين الموت حسرة على فلذات أكبادهن؟ هل كلنا شهداء في أنتظار تنفيذ الحكم الصادر مسبقا بحقنا؟
خير حمدان هو أبني وأبنك وأبننا جميعا, سيناريو قتل خير ليس بسيناريو أستثنائي, لقد أصبحت هذه السيناريوهات جزءا من حياتنا اليومية, وكلنا معرضون الى أن يستباح دمنا بسبب خلاف مع شرطي, فاليد على الزناد خفيفة وسريعة سرعة البرق, العنصرية المستتبة والمتفشية في قلب وعقل أفراد الشرطة الاسرائيلية لا تحتاج سوى لـ"لكشة" بسيطة لي تنهض كالوحش الكاسر وتحطم بمخالبها كل شيء ينبض بالحياة.
توجهت البارحة الى كفركنا, أردت الدخول لمكان عملي, عند المدخل يقف شرطيان وقد منعوا الدخول الى البلد, أقتربت فسألني الشرطي: "الى أين؟", أجبته "الى كفركنا", فسأل "أنت من سكان البلد؟ ", أجبته "كلا, ولكنني أعمل هنا وأنا مجبرة الى الذهاب الى المكتب", وبعد أن أظهرت له هويتي وبطاقة المحاماة أدخلني الى كفركنا. أعادني هذا المشهد سنتين وأكثر الى الوراء, عندما كنت أتنقل بين القدس ورام الله بموجب عملي في احدى المؤسسات في القدس, ذكرني بجنود الاحتلال على الحاجز, وبتحكمهم بالناس اللتي تدخل وتخرج من الضفة, والاهانة التي رأيتها هناك حينما كان يتعمد الجنود أذلال الناس وأحتقارهم, وثم يضحكون عليهم وكأنما التنكيل بالبشر هو من أحدى هواياتهم, ذكرني المشهد بالعجائر اللاتي كن رغما عنهن تجبرن على النزول من الحافلة وتنتظرن طويلا وهن واقفات متعبات من الحر والمرض حتى يفحص تصريحهن, ذكرني عندما كنت حاملا وحاول الجندي اجباري على عبور بوابة الفحص الامني وعندما رفضت لأن الاشعة ستضر الجنين, أوقفني جانبا وبدأ يستجوبني حتى فقدت أعصابي وبدأت بالصراخ عليه, ذكرني بصديق لي كان يخرج كل يوم من منطقة بيت لحم للعمل في القدس وبكل يوم يستوقفونه وينزلونه من سيارته ويمررون السيارة "فحص أمني" بادخال غاز الى السيارة وثم يفرغونها منه, وكان صديقي يصل الى عمله يوميا متأخرا ومختنقا من رائحة الغاز التي ليس من السهل أن تخرج من السيارة, وما أدراك ما هو الغاز المستعمل وما هي مضاره..
مشاهد عدة ذكرتني بما كنت أراه على حواجز الاحتلال في الضفة الغربية, ذكرتني أننا لا زلنا نحن "عرب 48 " شعبا تحت الاحتلال, نعم تحت الاحتلال! عندما توضع الحواجز على مداخل البلدان العربية لتمنع الدخول والخروج فنحن شعب تحت الاحتلال! عندما يضرب الرصاص الحي في المظاهرات كما حدث في هبة أكتوبر فنحن تحت الاحتلال! عندما تصبح أي مظاهرة لفلسطينيي الداخل "خطر أمني" يضرب فيها الغاز المسيل للدموع ويعتقل الشباب بالعشرات ويستعمل ضدهم رشاشات المياه العادمة فنحن تحت الاحتلال! عندما يتواجد على مدخل كفركنا سيارات حرس الحدود المصفحة والاحصنة والشرطة بشكل مكثف لتحسب وكأنه هناك حالة حرب في البلد فنحن تحت الاحتلال!
أسال: بماذا يختلف وضعنا اليوم عن وضعنا في سنة 48 حتى سنة 67 عندما كان الجليل تحت الحكم العسكري؟ القمع هو ذاته, العنصرية هي ذاتها, تحديد الحريات وفرض القيود هي ذاتها, نسبة البطالة والفقر هي ذاتها, مرت 66 سنة وتعامل الدولة معنا هو ذاته, نظرتها الينا بأننا لسنا من مواطنيها وبأننا نشكل خطرا أمنيا ما زالت هي بعينها, 66 سنة من وهم العيش المشترك تحطمت عندما قتل خير حمدان... ويسأل السؤال: وماذا بعد؟ الى أين نسير؟ 66 سنة لم يتغير فيها أي شيء فهل حان الوقت لتغيير أجندتنا؟ هل يجب أن نعيد تقييم وضعنا وطروحاتنا السياسية الايديلوجية من جديد بما يتناسب مع الأحداث الاخيرة؟ وكيف سنمنع حدوث أي من حالات القتل مجددا كقتل خير في بلداتنا وقرانا؟ أم أننا سننتظر ان يقتل شابا فلسطينيا على يد الشرطة مرة أخرى – واللذي من الممكن أن يكون أبني وأبنك وأخاه وأخته - لنحاول أن نتلملم وننطلق بخطة عمل مستقبلية؟ أم أننا سنبقى نتخذ موقف المتفرج الى أن "يحلها الحلال"؟
أسألة كثيرة تقلقني, وأهمها أنني بت لا أشعر بالأمان, أتقوقع داخل بيتي ولا أريد الخروج, أصبح يرعبني صوت الالعاب النارية وصوت سيارة الاسعاف من بعيد, وأصبحت أهاب الظلمة والسفر وحدي مع ابني من الناصرة الى عبلين, أخاف على زوجي وأخوتي وأهلي ان خرجوا من البيت, وأجلس أتمنى عودة الجميع الى بيوتهم سالمين وأتساءل: الى متى... ثم أستذكر جملة الشاعرالكبير أمل دنقل من قصيدته "لا تصالح" عندما قال "ان سهما أتاني من الخلف... سوف يجيئك من ألف خلف... فالدم الان صار وساما وشارة".
