من الصعب جدًّا أن نجد تعريفًا واحدًا للتعصب ، فهنالك من يُعرّفه بضده ، التساهل ، كأديب إسحاق الذي ولد في دمشق ومات مصدورًا في الحدث (لبنان) سنة 1884 عن عمر ناهز الثامنة والعشرين . قال : التساهل هو ما يسمّيه الإفرنج توليرانس، أي احتمال الآخر، والتعصب هو غلو المرء في اعتقاد الصِحّة بما يراه، حتى يحمله الإغراق والغلو على اقتياد الناس لرأيه بالقوة ، وهو الإرهاب في أيامنا ، حتى يمنعهم من إظهار ما يعتقدون، وحتى يقتل الإنسان أخاه إن خالفه الرأي . وأن من طبع الإنسان أن ينادي بالتسامح عندما يكون ضعيفًا ويتعصّب عندما يكون قويًّا أو لمجرّد شعوره بالقوة !
فهل هذا طبع الإنسان ؟ أم أن كل هذا وذاك (التعصّب والتسامح) يعتمد على المزاج ، فإذا كان مزاجه معتدلا، وهو على درجة عالية من الوعي والثقافة، ترجح عنده كفّة العقل والتعقل على كفّة الإيمان والنقل. وإن في كل هذا وذاك أيضًا دورا للتعلّم والتربية والنشأة والمحيط والتجربة الإنسانية وتراكماتها . فقد نجد متعلّمين وأصحاب شهادات معلّقة على الحائط للزينة غير مثقفين ومن أشدّ المتعصبين لرأيهم، سواء كان ذلك في الدين أو في الأيديولوجية أو أي نوع من أنواع المعتقد . وقلّما نجد مثقفًا عضويًا متعصبًا لدرجة القتل . المثقف والمثقف العضوي خاصة يحترم رأي الآخر، يحاور ولا يقتل ! يناقش ولا يخنق الرأي الآخر . أعتقد أن التعصّب هو حالة مَرَضِيّة، هو حالة من انعدام التوازن النفسي، والتعصب حالة مُعدية وآفة اجتماعية . وإلّا فكيف نفسّر فرض الرأي بالحديد والنار ، وكيف نشرح حالة من يصل حد القتل في سبيل فرض رأيه على الآخرين ؟ وكيف يصبح إنسان عادي بين عشيّة وضحاها قاتلا محترفا ؟ يذبح بالسكّين، ويكون الجدل "الفقهي" من أين ؟ أمن الخلف من عند الرقبة أم من الأمام من عند الحنجرة ! كيف يتحوّل الإنسان المتعصّب إلى ما هو أدنى من الحيوان ؟ يتقهقر إلى ما قبل ملايين السنين، حين كان الإنسان يأكل لحم أخيه، حين كان كانيبال ! وتكون كل الحضارات ذهبت هباء منثورا ... غسل الدماغ لا يأتي من الفراغ، له أسبابه وطرقه ومعالجاته النفسية وأموال تنفق في سبيله ! وأناس لهم مصلحة فيه، ودول عظمى وغير عظمى تُجري أبحاثًا على هذه "الطبيعة البشرية" وعلى الفوضى الخلّاقة وعلى الشرق الأوسط الجديد كما تريد أن تراه وكما تريد أن يكون . تُجري أبحاثًا عن التعصب والإرهاب، والقتل الفردي، والقتل الجماعي، وعن البسيخوزا والهستيريا الجماعية عند العامّة (كما حدث في الرقّة حين أُعدم ثلاثة جنود سوريين ركلا بالأقدام)! وقريبًا سوف تصدر دراسات، ونحن حقل التجارب يا أولي الألباب !