يجري الحديث بكثافة غير مسبوقة وبتسارع شديد حول صورة وضرورة نزول " القوائم العربية " جمعاء وبضمنها الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة بقائمة واحدة من أجل عدم ضياع الأصوات العربية نتيجة لرفع نسبة الحسم للانتخابات السياسية، هذه النسبة العالية تجعل احتمال عبور الأحزاب الصغيرة لها، تحت علامة سؤال ومن أصعب الأمور، بل ربما يؤدي حرق الأصوات هذا، إلى زوالها الأكيد عن الساحة السياسية الرسمية أولا والساحة الجماهيرية، ثانيا.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو، ماذا تريد هذه الأحزاب من بعضها البعض قبل الانتخابات وماذا تريد كذلك من بعضها البعض لمرحلة فيما بعد الانتخابات؟
مراجعة سريعة الى سجل التناقضات وتاريخ الصراع العلني وذلك المخفي بين كل الأحزاب الناشطة داخل أقليّة الداخل الفلسطيني، تشير وبدون تأتأة إلى حدة الصراع فيما بينها والى بؤس صعوبة توليفها بقائمة انتخابية مشتركة واحدة، حتى وإن كان هذا الائتلاف مجرّد ضرورة قسريّة اضطرارية، لفترة زمنية انتقالية قصيرة توصِلنا إلى " برّ الأمان "، إلى ما بعد الإعلان عن النتائج الانتخابية النهائية للكنيست العشرين.
إنَّ الكثير من كوادر الفعاليات السياسية المختلفة والناس عامّة يتساءل كيف لنا القفز من فوق كل هذه التناقضات، الرئيسية والثانوية، والصراعات والخلافات المزمنة والوصول إلى ائتلاف من هذا النوع دونما رسم خطوط الحد الأدنى من القواسم المشتركة بين كل " الأحزاب العربية "؟
وهل بالإمكان وضع الأصحاب الثابتين لـ " عداوات " الأمس تلك، في خندق واحد أمام التحدّي الأكبر، غير المتغيّر، الا وهو ثبات عداء أحزاب السياسة الرسمية لنا، في الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، على مرّ عشرات السنين، بهذا الوطن؟
لا يختلف اثنان على أنّ هنالك حاجة ماسّة لتوفير وصيانة وضمان وصول كلّ صوت عربيّ إلى صناديق الاقتراع ومنع ضياعه سواء كان ذلك بالعمل على تقزيم الامتناع عن التوجّه الى صناديق الاقتراع ان كان ذلك عن طريق منح "شبكة أمان" و"طوق النجاة" الواحد للآخر من أجل عبور نسبة الحسم، لهذا الحزب العربي أم ذاك معًا، عن طريق التوجُّه لصناديق الاقتراع بقائمة مشتركة واحدة أو ربّما باثنتين على الأكثر، حيث يجمع الناس أنّ هذا الاختيار الثاني هو صاحب اكبر احتمال للنجاح والتنفيذ، مع واجب وجود اتفاق مسبق على فائض الأصوات فيما بينهما.
إن حاولنا النظر الى الماضي البعيد والقريب منه ، والى ما رافقه من كثرة المناكفات والشوائب والسلبيات، بمعظم الأوقات، من غالبية الأطراف والأحزاب العربية، وحاولنا النظر إلى المستقبل أيضا، بعيون الحاضر، فإنّ المصلحة الوطنية تتطلب، قبل كل شيء، "مُصالحة تاريخيّة" وإقامة ائتلاف شامل بين كافة هذه الأحزاب (بالرغم من " استحالة " الأمر بالظروف والاصطفافات المحلية والاقليمية) على أساس " اتفاق الحدّ الأدنى" والمصلحة العامّة المشتركة ومن ثم على أساس المصالح الخاصة لهذا الحزب أو لذاك.
إنّ الامتحان الأول والأقسى أمام كافة الأحزاب العربية ذات الوجهة الجديّة نحو مبدأ " القائمة العربية الواحدة" هو قبول كون الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة ذات تكوين أممي عربي-يهودي. هذا التكوين الأممي الدائم هو نفسه محكّ الاستمرارية والثبات للجبهة الديمقراطية بعدم قبولها، وبحق، المساومة عليه.
والمصلحة الوطنية العليا تتطلب كذلك العمل والاتفاق على وضع " وثيقة ائتلاف " تشمل مبادئ هذا الحد الأدنى الواضح، وغير القابل للتأويل، من القواسم الوطنية المشتركة بين كل الأحزاب العربية المكونة لهذا الائتلاف وليس فقط مجرّد الاتفاق على توزيع مقاعد في البرلمان العتيد.
كما من الضروري ان تشمل هذه الوثيقة برنامجا واضحا للعمل السياسي المستقبلي المشترك على أساس ثوابتنا القومية والوطنية وتصورا لكيفية رؤية الأحزاب العربية لمستقبل الأقلية القومية الفلسطينية أمام تحديّات المرحلة الراهنة التى تمتاز عن سابقاتها بتكثيف الهجوم، من قبل الحكومات المتعاقبة، على الحقوق القومية وحقوق المواطنة المتساوية للأقلية العربية، بواسطة تشريع القوانين الجديدة ( قانون القومية، مثلا) أو بواسطة تفسير وتنفيذ بعض القوانين القائمة بشكل معاد لكل ما هو عربي.
ومن الضروري الاتفاق منذ الآن على ان يتم تفعيل وحدوي سواء للأعضاء العرب بالكنيست من ناحية وكل الفعاليات السياسية العربية في لجنتي المتابعة والقطرية من ناحية ثانية.كلّ هذا من أجل إنقاذ السفينة الواحدة التي نبحر بها سويّة، شئنا أم أبينا، ولم نثقب جوانبها أو نقفز منها هاربين، منذ عشرات السنين، فهذا هو حالنا، ولنترك تناقضاتنا الثانوية للحلّ بمرحلة لاحقة، لكي لا نغرق كلّنا داخل ذات السفينة وبنفس البحر الهائج الغدّار الذي يحيط بنا، فاغرا أعماقه لابتلاعنا للأبد.
ومن الضروري أن تشمل هذه الوثيقة الإشارة بوضوح إلى احترام وقبول وجود الفوارق الأساسية، سياسيا واجتماعيا، بين مركّبات الشقَ الوطني لهذا الائتلاف والشق الإسلاموي منه، مع التشديد على أهمية استمرارية العمل المشترك عن طريق الحسم الديمقراطي المبني على قرار الأغلبية النسبية، مع إعطاء أولويّة التوصّل للإجماع بالإقناع.
الوحدة والائتلاف، بواسطة هذا البديل أم بذاك، هما مطلب الجماهير الواسعة، وعلى كلّ الأحزاب العربيّة أن تتعامل بجديّة تامّة وبمسؤولية تاريخية تجاه هذا المطلب، لكي نحافظ على الوجود والبقاء في هذا الوطن الغالي الذي لا وطن لنا سواه.
