العائلية الوطنية

single
"في القرن التاسع عشر كانت عائلة روتشليد لا أقل من البنك المركزي لأوروبا. لقد اضطرت الدول وكذلك اضطر الملوك للتوجه لبنك روتشليد من أجل تجنيد الأموال أو القروض .. والملك الذي لم يستطع الحصول على الدعم المالي من عائلة روتشيلد، كان من الصعب عليه الخروج إلى الحرب". هذا الاقتباس جاء عن صحيفة ذا ماركر في عددها أمس، الخميس، خلال لقاء مطول مع ابن حفيد روتشليد، بنجامين، الذي يدير الآن، إمبراطورية اقتصادية في أوروبا، وهو بصدد نقل إدارة هذه الإمبراطورية إلى زوجته.
وهذه المعلومات، حول قوة رأس المال اليهودي في العالم وتأثيره السياسي، موجودة بشكل موسع، وبتفسير علمي، في كتاب "إطلالة على القضية الفلسطينية"، لكاتبنا الكبير عبد المجيد حمدان. ورأيت هنا تأكيد هذه المعلومات، أيضًا لسبب آخر، وقد يحتاج ذلك إلى مقال آخر وحتى عدة مقالات، وهو إظهار ضخامة التحدي الذي واجه وما زال يواجه شعبنا، لأننا أحيانًا نجلد أنفسنا أكثر من اللازم، وكأن الشعب الفلسطيني وقف في مواجهة قوة موازية له، مع أنه كان يقف، وما زال حتى الآن، أمام قوة اقتصادية ذات نفوذ عالمي من الصعب على دول كبرى التصدي لها.
ونعود لبنجامين روتشليد، فكما يظهر، الآن، هو أقل حماسًا، من والد جده- البارون روتشليد، الذي شكلت معوناته للاستيطان الصهيوني ركنًا هامًا في إقامة الدولة- فهو يبدي امتعاضه من المتطرفين "من الجانبين"، ولكنه يذكر هنا المستوطنين بشكل خاص. ويقول إن نتنياهو، في دورته الأولى، في أعقاب وفاة والده، عرض عليه المساعدة، فقال لنتنياهو أنه لا يريد سوى تحقيق السلام.
في الحقيقة، المقابلة مع روتشيلد تثير لدي موضوعين هامين للنقاش؛ الأول، هو دور رأس المال الخاص في القضايا الوطنية، وهل على الصعيد العربي والفلسطيني والمحلي، لدينا، يقوم هذا الرأسمال بالدور المتوخى منه في خدمة قضايانا الوطنية العليا، وأنا أقصد هنا المعنى الحرفي لاصطلاح "القضايا الوطنية العليا"، لا الطائفية منها ولا الفئوية ولا الحزبية.
تحت يافطة القضايا الوطنية العليا يقع الكثير. وقبل فترة سمعت من مثقف كبير يقول، بما معناه، أن الغرب نجح بعد أن أدرك أثرياؤه ضرورة دعم الثقافة والفنون. الثقافة والفنون تمثل وجهًا معينًا من القضية الوطنية، ولكنها لا تعكسها كلها، مثل تشجيع التعليم، بناء مؤسسات أبحاث، إقامة صناديق للدعم في مختلف المجالات، وكذلك العمل على مساعدة الطبقات الضعيفة.
برأيي المتواضع أنه ما زال هنالك اغتراب، لدينا، مابين رأس المال الخاص والهموم الوطنية، ربما لأنه لم تتشكل لدينا بعد رؤوس أموال بالحجم الذي يخولها بهذا الدور، مع أنني أشك بذلك. ولكن مختصر الحديث في هذا المجال، لدينا، أنه إذا لم يدرك الرأسمال الوطني أهمية مشاركته في إنشاء وتوطيد نُظم دمقراطية حضارية؛ في منح مضامين راقية للتطور الاقتصادي الذي نشهده، فإن كل انجازاتنا معرضة للاندثار، بشكل بشع، وما العنف والتطرف الذي نشهده سوى نتاج عن التفاوت السريع بين التطور الاقتصادي العاصف، وبين بطء تطور النظم الأخلاقية الاجتماعية الملائمة لهذا التطور، وبالتالي فهذا الفهم الضحل للحضارة- كأنه ينحصر في الملبس والسيارة والسفر خارج البلاد، وبدون مضمون أدبي فني جمالي راقي- يؤدي لتشوه المعاني وحدوث الخلل.. ولا يستطيع الرأسمال الخاص أن يغسل يده من دم هذا الصديق.
ونعود هنا للبداية؛ لقد نشأت أغلبية المصالح العربية، لدينا، في ظروف صعبة جدًا، لا مجال لاستعراضها هنا، ولكنها بدأت، على الغالب، بمبادرات فردية، وفي الجيل الثاني شارك الأبناء، تحت مظلة الوالد وبمساعدة الوالدة. كانت المصلحة تُدار حول مائدة الطعام في المطبخ، أو على فنجان القهوة في المساء، بحضور الأخوة والوالد والوالدة.
فيما بعد اتسعت الدائرة، بعد إطلالة الجيل الثالث، الأحفاد، الذين نشأوا في أجواء أفضل بكثير من أجواء آبائهم وجدهم. وبفعل الزواج دخلت عناصر جديدة في هذه الحلقة التي كانت تتميز بالعلاقة الحميمة وبالتضامن، حيث لم لم ينس الأبناء بعد أجواء الحرمان و"القلّة"، وطنجرة العدس أو الخبيزة التي جمعتهم أمهم عليها.. والقصة معروفة: الكثير من المصالح العائلية تنتهي، اليوم، بطعم مر، مالياً واجتماعيًا.
على الصعيد العام، من المهم التأكيد أن كل "بزنس" عربي في ظل سياسة التمييز هو انجاز وطني وذخر هام لهذه الجماهير المهدد وجودها حتى اليوم، ولذلك برأيي تقع مهمة وطنية على عاتق المجتمع، في دفع "البزنس" العربي، لأنه من مقومات تعزيز وجودنا في هذا الوطن، وبالتالي فالمطلوب هو عدم التعامل مع أصحاب البزنس، وخاصة أولئك الذين يواجهون صعوبات اقتصادية، بسبب التمييز اللاحق بهم، كأن هذا الأمر شأنهم وحدهم: "اذهب أنت وربك وقاتلا"..
من جهة أخرى من المهم القول لأصحاب البزنس الخاص أن هنالك بعدًا جماهيريًا وطنيًا، في البزنس الخاص، ولذلك فإن مسؤوليتهم لا تقع فقط تجاه عائلاتهم أو تجاه مصلحتهم، بل أيضًا فإن مسؤوليتهم تقع تجاه مجتمعهم، حيث يتطلب الأمر منهم إدارة سليم للبزنس، واحد أهم الوسائل للحفاظ على البزنس هو في التعامل معه ككيان مستقل، ومن الممكن الاستفادة من أدبيات كثيرة في هذا المجال.
لا نريد مجتمعًا ضعيفًا. قوتنا تتوطد بازدهارنا الاقتصادي. وازدهارنا الاقتصادي يعزز قوة هذا المجتمع في تحدياته الحالية والقادمة.
قد يهمّكم أيضا..
featured

ألاعيب نتنياهو المكشوفة

featured

ترهيب سياسي بمشاركة الشاباك

featured

الديموقراطية بالحرب الأهلية في العراق: بين «استئصال البعث» والطائفية بالدولار الأميركي

featured

ليلتان مع العم ابو حسين

featured

في ذكرى الاربعين لطيب الذكر المرحوم اديب منصور رحمه الله

featured

ملاحظات حول قراءة حسن خضر لكتاب "دروب الألم.. دروب الأمل"

featured

ماذا وراء تهديدات بنيامين نتنياهو البلطجية !