ملاحظات حول قراءة حسن خضر لكتاب "دروب الألم.. دروب الأمل"

single

(كنا نشرنا في الفاتح من الشهر الجاري مقالا للكاتب حسن خضر تحت عنوان "مديح الشيوعيين"، تناول فيه كتاب القائد الشيوعي العريق نعيم الأشهب "دروب الألم...دروب الأمل"، وفيما يلي ملاحظات الرفيق الأشهب على قراءة خضر - المحرّر)

أودّ في البدء أن أقدِّر لخضر تقييمه العام للشيوعيين الفلسطينيين.. "الذين بلغوا سن الرشد قبيل النكبة أو بعدها بقليل"، كما يقول.
وأفهم من هذا التقييم الإشارة إلى إدراك الشيوعيين الفلسطينيين للواقع الفلسطيني المعقد، آنذاك، في ضوء ما طرأ على هذا الواقع من متغيرات نوعية، فشلت القيادة الوطنية الفلسطينية السابقة، مع الأسف، في رصدها والتعاطي الواقعي والمسؤول معها. حينها تبنى الشيوعيون الفلسطينيون هدف إقامة الدولة الديمقراطية لجميع سكان فلسطين دون تمييز، لقطع الطريق على مشاريع الصهيونية لتقسيم فلسطين. وحين تلاشت إمكانية هذا الحل، بصدور قرار التقسيم عن الأمم المتحدة في 29/11/1947، تحوّل الشيوعيون الفلسطينيون نحو قبول قرار التقسيم، في محاولة لإحباط مؤامرة تشريد الشعب العربي الفلسطيني من أرض وطنه، وحرمانه من حق تقرير المصير، ولو على جزء من فلسطين .

 غابت الإشارة إلى الظروف التي أرغمت الشيوعيين على لعب الورق والطاولة: ظروف أقسى حملة إرهاب بوليسي في تاريخ البلاد فاضت خلالها السجون بالمناضلين الوطنيين وأكثرهم شيوعيون

وكما أفهم، يندرج في إطار هذا التقييم ما أشار إليه خضر لاحقًا بالقول: "كان ثمة خيارات كثيرة لحل الصراع في فلسطين وعليها منذ نهاية الحرب العالمية الأولى. وفي هذا الصدد كان الشيوعيون الفلسطينيون الأكثر التصاقًا بالواقع، لكن حظوظهم كانت للأسف، قليلة". ولما كنت لا أومن بالحظ، فأنا أزعم أن عدم نجاحهم مردّه في الأساس إلى شراسة المطاردة لهم من جهة وإمكانات التضليل لدى الطرف الآخر، من الجهة الثانية.
بعد هذا، أثار دهشتي أن خضر لم يجد ما يقتطفه من كتاب يتجاوز الثلاثمائة صفحة، إلاَّ فقرة ينتزعها من سياقها، تقول: "كان رشدي يشغل نفسه، أحيانًا، حين يمل من لعب الورق والطاولة، بترجمة شيء من أعمال لينين المختارة عن الإنجليزية ..." ويمسك خضر عن الإشارة، ولو بكلمة، عن الظروف التي أرغمت الشيوعيين على لعب الورق والطاولة، آنذاك، بحيث أن مَن يقرأ هذا في تعليق خضر، دون أن يكون قد اطّلع على الكتاب، يتصور أن الشيوعيين الفلسطينيين كانوا يلجأون إلى البيوت السرية، ويغلقونها على أنفسهم لممارسة هواية لعب الورق والطاولة! والحقيقة، أن هذا وقع في ظروف أقسى حملة إرهاب بوليسي عرفتها البلاد في تاريخها، حيث المطاردات والمداهمات، ليلا ونهارًا، والاعتقالات بالجملة والمفرق، حتى فاضت السجون والمعتقلات بالمناضلين الوطنيين، وفاق في هذه الاعتقالات نصيب الشيوعيين جميع التنظيمات الوطنية الأخرى مجتمعة كنوع من العقاب لهم على دورهم النشيط في المعارك الوطنية التي عاشتها البلاد في تلك الفترة، وبخاصة معركة حلف بغداد، التي كان الشيوعيون فرسان صفوفها الأولى. عدا ذلك، جرى منع دخول أية مطبوعة عربية أو دولية، وبكلمة: خيّم ظلام مطبق على البلاد. هذه هي الظروف التي أتاحت للشيوعيين الذين أفلتوا من الاعتقال والتعذيب، إمكانية لعب الورق والطاولة، في البيوت السرية، ليستأنفوا المعركة بعد استيعاب الضربة.
ونسأل الأستاذ خضر، هل من الانصاف اجتزاء الحقيقة على طريقة "لا تقربوا الصلاة ...؟!"

 

قد نوافق على أن الكثير من كتابات لينين لم تعد تصلح لأيامنا - وهو أمر منطقي لاختلاف الزمن والظروف، ولو كان لينين نفسه حيًا لما اختلف مع هذا الاستنتاج - لكن هذا لا يفقدها قيمتها


بعد هذا يتخذ خضر من هذه الفقرة بالذات مدخلا لمهاجمة لينين، بالقول: "لا أتورع، في الوقت الحاضر عن القول إن لينين كان كاتبًا رديئًا، وفي أفضل الأحوال فإن تسعة أعشار ما كتب في حياته لم يعد مفيدًا لأحد سوى الباحث في تاريخ الأفكار".
ولعل أول ما يثيره هذا الحكم على لينين الكاتب، هو السؤال: ما هو تفسير خضر لتأثير كتابات هذا الكاتب "الرديء" على عقول عشرات الملايين؟ والأمر هنا، لا يتعلق بكاتب رواية أو نص مسرحي، وإنما كاتب سياسي ومفكر نظري، هذا أولا، وثانيًا: إذا كنت أتفق مع خضر على أن الكثير من كتابات لينين لم تعد تصلح لأيامنا - وهو أمر منطقي لاختلاف الزمن والظروف، ولو كان لينين نفسه حيًا لما اختلف مع هذا الاستنتاج - فإن هذا لا يفقد هذه الكتابات كل قيمة. وإذا كان من الإنصاف الحكم عليها، في إطار زمانها ومكانها، لا بمعايير اليوم، فإنها مع ذلك تبقي لها على الأقل قيمة تجربة، لثوري كبير مثل لينين، بسلبياتها وإيجابياتها. وإذا استخف المرء بتجارب الغير، مهما كانت سلبية من وجهة نظره، فقد يجد نفسه وقد بدأ نشاطه من حيث بدأت تجربة هذا الغير، وليس من حيث انتهت، فميزة الإنسان الأساسية أن له تاريخ، وخلاصة هذا التاريخ تجارب من سبقوه.
وبعد هذا، يتحول خضر ليرسم صورة كاريكاتورية للماركسية. لكن هذا ناجم، في رأيي، عن الخلط بين الماركسية والتجربة السوفيتية المنهارة. حيث بدت الأخيرة، وعلى مدى عقود، وكأنها تجسيد للأولى. وللأمانة، فهذا الخلط لا يقتصر على خضر، بل يطال كثيرين حتى ممن كانوا يعتبرون أنفسهم ماركسيين إلى أن انهارت التجربة السوفيتية. وفيما يتعلق بالتجربة السوفيتية، فإن الأسباب الأساسية لانهيارها تكمن، بالضبط، في تجاهل المبادئ العامة التي صاغها ماركس لبناء الاشتراكية.

دراسة ماركس العلمية للنظام الرأسمالي واستخلاصاته النظرية من تجربة كومونة باريس 1871 أرسوا أسس ديمقراطية شاملة وليس ديمقراطية مجتزأة تشكّل غطاءً للاستغلال الطبقي

وكفيلسوف مادي- جدلي، لم يحاول ماركس وضع أي تصور من خياله للمجتمع الاشتراكي. فهذا يقرره الناس المعنيون، ضمن شروط وأوضاع محددة بهم. لكن بناء على دراسته العلمية للنظام الرأسمالي، ولظاهرة البيروقراطية التي أفرزها هذا النظام من جهة، ومن الجهة الأخرى استخلاصاته النظرية من تجربة كومونة باريس 1871، صاغ مبدأ التسيير الذاتي في الإنتاج، ما يحول دون نشوء البيروقراطية من جهة، ومن الجهة الأخرى يرسي أسسًا متينة لديمقراطية شاملة.
ومقابل سرقة فائض القيمة من جهد العامل في الرأسمالية، صاغ ماركس مبدأ "من كل حسب مقدرته ولكل حسب عمله"، والذي يمثل، في الوقت ذاته، حافزًا حقيقيًا للعمل والإنتاج. وبتعميم هذين المبدأين سوية تنشأ ديمقراطية جديدة ومتكاملة، بوجهيها السياسي والاجتماعي، وليس ديمقراطية مجتزأة تقتصر على الجانب السياسي، في أحسن الأحوال، كما هي سائدة في العالم الرأسمالي، حيث تمثل غطاءً للاستغلال الطبقي. ففي أم الديمقراطيات الرأسمالية وأغناها - الولايات المتحدة - يوجد اليوم أكثر من أربعين مليون إنسان بلا تأمين صحي، وملايين بلا عمل، بل وبنتيجة الأزمة الأخيرة التي بدأت في قطاع العقارات، يوجد ملايين بلا سقف ينامون تحته. يقابلهم عدد محدود جدًا تتناقص نسبته في المجتمع بمقدار ما ترتفع ثرواته الفلكية إلى عنان السماء.
وقد يسأل الأستاذ خضر: أين كنتم، عندما كان هذا الخلط بين الماركسية والتجربة السوفيتيية قبل سقوطها؟ واعترف بأننا كنا متأثرين بالمنظومة الفكرية السوفيتيية، وهذا يعود لسببين، الأول: تواضع معرفتنا بالماركسية بحيث نمتلك القدرة على التمييز بينها وبين التجربة السوفيتية. والثاني: ثقتنا الكبيرة بالاتحاد السوفيتي، باعتباره يمثل التجربة الأولى، في بناء مجتمع جديد، بديل للرأسمالية؛ يعززها الدعم السوفيتي لقضيتنا الوطنية وقضايا الشعوب العربية الشقيقة.
وختامًا، فإن ملاحظاتي هذه لا تنال من تقييمي لجهد خضر في التعليق على كتابي المذكور.


الصورة: الثقة الكبيرة بالاتحاد السوفيتي عززها دعمه لقضية الشعب الفلسطيني وقضايا الشعوب العربية الشقيقة (بوستر على شرف المؤتمر الأول للكومنترن، 1919)

قد يهمّكم أيضا..
featured

وهم "مسيرة السلام" أسوأ من الابارتهايد

featured

ليس ردا بل تكملة

featured

لا لزعيق التحريض والحرب!

featured

متى سيتوقف فحيح الافاعي؟

featured

في غزة مكانٌ للحب أيضاً.. مصوِّر يوثِّق الجمال وسط الحصار بكاميرته

featured

نعتز بنساء شعبنا، وبنساء مدينة ام الفحم وقراها، انتن على شاكلة شعبنا البطل