أكثر من أربعة

single
رفضت رئيسة محكمة العدل العليا الإسرائيلية طلب هيئة الدفاع عن النواب الثلاثة محمد أبو طير، أحمد عطون ومحمد طوطح والوزير السابق خالد أبو عرفة، إصدار أمر احترازي مؤقت يمنع وزير الداخلية الإسرائيلي من تنفيذ أمر سحب مواطنتهم وإبعادهم إلى خارج حدود مدينة القدس.
موقف المحكمة العليا الإسرائيلية يسوغ عملياً إمكانية تنفيذ أوامر الإبعاد بحق أربعة فلسطينيين مقدسيين يعدون من قياديي المجتمع المقدسي، وذلك بحكم ما حازوا عليه من ثقة، ساعة انتخبوا عام 2006 أعضاء في المجلس التشريعي الفلسطيني، وساعة أولي السيد خالد أبو عرفة ثقة الحكومة الفلسطينية في ذلك العام وضُم كوزير لشؤون القدس.
قرار وزير الداخلية الإسرائيلية يحمل أبعاداً خطيرة جداً، ويضيف آلية إسرائيلية جديدة تنضم إلى سلة رهيبة من الممارسات الرسمية الهادفة إلى قمع الفلسطينيين عموماً والمقدسيين على وجه الخصوص، والرامية إلى تهجيرهم وإفراغ القدس المحتلة من سكانها الفلسطينيين، لضمان أكثرية يهودية ساحقة تعزز مواقف إسرائيل وادعاءاتها حول واحدة من أهم مسائل الخلاف بين إسرائيل وفلسطين وهي قضية القدس.
لم تكتفِ إسرائيل بضم القدس المحتلة إليها بقانون شرعه الكنيست مباشرة بعد الاحتلال، ولم تكتفِ أيضاً بإلحاق ذلك القانون بمجموعة من القوانين، بما فيها قانون أساس القدس، لتعزيز مكانة القدس وجعلها موحدة بالقوة وعاصمة أبدية لدولة إسرائيل بالادعاء. قامت إسرائيل بضم ما مساحته 70500 دونم من الأراضي المحتلة عام 67 إلى منطقة نفوذ القدس. وبعد ضم هذه المساحات صادرت أكثر من نصفها من أصحابها الشرعيين، وعلى أجزاء منها قامت ببناء حوالي خمسين ألف وحدة سكنية لليهود.
يبلغ عدد سكان القدس 725 ألف نسمة تقريباً، نسبة اليهود منهم حوالي 67%، و 33% من العرب. حوالي 45% من سكان المدينة يسكنون عملياً على أراضٍ ضمت إلى منطقة نفوذ القدس بعد عام 67، وأغلبهم في أحياء بنتها إسرائيل وما تزال لإسكان آلاف العائلات اليهودية.
إلى ذلك، لم تكتفِ إسرائيل بهذا، فمنذ أعوام ووفقاً لسياسة ممنهجة وحثيثة، تهدف إلى إنقاص عدد الفلسطينيين الساكنين في القدس، التي تمثلت بالحصار المضروب على القدس من جميع الجهات، والهادف إلى سلخها عن فضائها الجغرافي والاجتماعي والسياسي والاقتصادي. هذا الحصار أدى عملياً إلى إلغاء دور القدس التاريخي كعاصمة فلسطينية وعنوان يؤمه العامة والخاصة لقضاء حاجاتهم وتصريف أعمالهم. استهدف الحصار أيضاً ضرب الحالة الاقتصادية للقدس وكونها سوقاً أساسياً تراجعت قدراته بشكل مس ويمس بأوضاع سكانها على جميع فئاتهم.
إلى هذا الحصار يضاف ذلك السور الرهيب الذي أحاط بالمدينة وقطع أوصالها وتواصلاتها وفرق العائلات وأحكم عملية الخنق.
وتجلت هذه السياسة الإسرائيلية أيضًا بإغلاق مؤسسات القدس المدنية، فلم يكن بيت الشرق ضحية وحيدة، بل قبله ومعه وبعده أغلقت مؤسسات عديدة كانت تقوم على تقديم الخدمات لسكان القدس وغيرها. إلى هذا أضيف ما عنت هذه المؤسسات ورمزت إليه سياسياً، والأهم ما فهمه الإسرائيلي عن دورها الأساسي بالحفاظ على بنية المجتمع الجمعية وهويته الوطنية والثقافية وما إلى ذلك.
ومن تجليات هذه السياسة أيضا تفعيل قوانين مختلفة بهدف إبطال مواطنة آلاف الفلسطينيين، ولهذا الغرض استحدثت سياسات وشرعت قوانين والهدف واحد. ففي عام 2008 حجبت المواطنة المقدسية عن حوالي (4577) مقدسي بحجة فقدانهم لحق الإقامة وفقاً لقانون الجنسية والدخول لإسرائيل وبادعاء فشل هؤلاء بإقناع وزارة الداخلية الإسرائيلية أنهم مواطنون وذلك إما لأنهم غابوا عن المدينة لفترة سبع سنوات وإما لأنهم يملكون جنسية أخرى وإلى ما ذلك من الادعاءات.
ها نحن نقرأ ونرى أن إسرائيل ومنذ عام 67 تعمل جاهدة على بناء واقع جديد، وتعمل كذلك لفرض هذا الواقع على العالم الذي ما زال رسمياً وقانونياً يرفضه ولا يعترف به.
مع هذا كله، أعتقد أن الخطوة الإسرائيلية الجديدة بحق الأخوة الأربعة هي خطيرة وتحمل أبعاداً تميزها عما سبق من سياسات وممارسات. إنها المرة الأولى التي يستعمل فيها وزير الداخلية الإسرائيلي صلاحيته المدعاة بسحب المواطنة من مواطن بتبرير سياسي. ففي عام 2006، وبعد انتخابات المجلس التشريعي وفوز الأخوة الثلاثة بمقاعدهم للمجلس واختيار الأخ خالد أبو عرفة وزيراً في الحكومة الفلسطينية، استلم الأربعة رسالة تحذير من وزير الداخلية تخيرهم بين الانسحاب والتنازل عن  ما أحرزوه في انتخابات، جرت بمعرفة وبموافقة إسرائيل والعالم، وبين هوياتهم ومواطنتهم المقدسية. ساعتها قدم الأخوة الأربعة التماساً للمحكمة العليا الإسرائيلية حيث ما زال هذا الالتماس قيد البحث والتداول.
في حينه، لم تكن هناك حاجة للتوجه إلى المحكمة لإصدار أوامر منع مؤقتة لأن إسرائيل قامت باعتقالهم مع عشرات النواب والوزراء. كذلك قامت المحاكم العسكرية الإسرائيلية بإلقاء عقوبة السجن الفعلي عليهم بتهمة الانتماء إلى تنظيم معادٍ وتقديم الخدمات له، وذلك لأنهم انتخبوا عن قائمة التغيير والإصلاح التي تدعي إسرائيل أنها قائمة تابعة لتنظيم حماس المحظور إسرائيلياًُ.
مؤخراً، وبعد الإفراج عن السيد محمد أبو طير، الذي قضى مدة 49 شهرًا في السجن الفعلي، استأنفت وزارة الداخلية إجراءاتها وأبلغت الأخوة الأربعة بوجوب تنفيذ أمر الإبعاد. قدم الأخوة التماساً للمحكمة الإسرائيلية العليا وهذه رفضت إصدار أمر احترازي مؤقت يمنع تنفيذ الإبعاد إلى أن تنتهي المحكمة من إجراءاتها.
ما يلفت النظر أن الأخ خالد أبو عرفة ليس عضواً في المجلس التشريعي ولم يعد وزيرا في أية حكومة فلسطينية، وبالتالي حاول الدفاع أن يقنع مُصدر الأمر أن في حالته، على الأقل، سقطت الحجة، إلا أن إسرائيل ادعت أن القضية هي انتماؤهُ إلى تنظيم حماس، وبالتالي وبمجرد إلصاق هذه الشبهة يستطيع الوزير الإسرائيلي إسقاط المواطنة عنه بحكم عدم ولائه للدولة ومؤسساتها.
الجديد إذاً أن وزير الداخلية الإسرائيلية يدعي لنفسه صلاحيات مطلقة بإسقاط مواطنة كل إنسان يدعى بحقه عدم الولاء للدولة ومؤسساتها، ويكفي لذلك ما يقدمه الوزير وينسبه إلى هذا الشخص من انتماء إلى تنظيم  سياسي معادٍ.
من الواضح أن نجاح إسرائيل في هذه الحالة سيشكل سابقة تهدد الآلاف وتزود إسرائيل بوسيلة ترهيب وإرغام ضد كل فلسطيني، ولا فرق في هذه القضية إن كان هذا الشخص محسوباً على حماس أو على أي فصيل آخر أو حتى حركة أو جمعية وما إلى ذلك.
ومن الواضح أيضاً أن تطبيق هذا القانون لن يقتصر، كما في حالة الإخوة الأربعة، على من ترى فيهم إسرائيل أعداء الحقبة أو المرحلة، بل هو يستهدف الجميع، بما فيهم نحن جماهير الأقلية الفلسطينية في الدولة، ولا حاجة هنا للتذكير بتنامي أصوات الجوقة المنادية بربط المواطنة والجنسية بالولاء للدولة.
يجب أن يعمل الجميع على إفشال القرار بحق الأخوة الأربعة، فنجاح وزير الداخلية في هذه القضية ينذر بما قد يتحول إلى أنجع الوسائل الإسرائيلية لتنفيذ ما أسمي مجازاً أو حقيقة بـ"الترانسفير الصامت".
قد يهمّكم أيضا..
featured

الفزع من العلمانية: فصل الدين عن الدولة

featured

"القادير"

featured

معركة" اول ايار 1958 - الصمود والاصرار على العيش الكريم والثبات في الوطن

featured

حمى الله لبنان بأمثال "السيد"..