وادي حُنين

single

لو كان للشَّجر لسان، لنطقَ صارخًا من هول مأساة شعب تشرَّد عقودًا، أو كان للحجر وجدان، لسردَ حكاية الذين عادوا "مُتسلِّلين"، في كفنٍ، بعد أن طُرِدوا من موطنهم واحترقوا شوقًا لديارهم وأرضهم وسمائهم، ولو كان للبحر قلب، لنبَضَ بوتيرة أسرع من سرعة الأنواء العاتية، من هول المأساة ووصلَ صوت هديرهِ الغمام، وحمَل الذين هُجِّروا عنوةً واغتصابًا على فُلكِه وحطَّهم على شاطئهم الشَّاميِّ الدَّافئ في فلسطين..
آه لو يهدُلُ الحمام بهديلهِ راويًا، ما رأته عيونه، لأدمى البحر وفتَّت الحجر واحنَى الشَّجر، وفتَّش عن أماكن أخرى لبناء اعشاشه، فوق رؤوس اشجار هاتيك الجبال، حزنًا ولوعةً على البشر الذين أصبحوا بلا وطن أو أرض أو سقف يأوون تحته أو زيتونة يستظلُّون بها، لقد حمل وَرَى فلسطين صُوَر بلادهم بأعيُنهم، إلى ما وراء الوراء..
كلُّ ذرَّة تراب ورمل، من هذه الأرض، عاشت نكبتنا ونكستنا وإن اختلفت أسماؤها وتشابكت وتكاملت والتقت بمُحصِّلة واحدة، تهجير وتشريد وتهويد واستيطان وعذاب وشقاء وخيام لجوء ومخيَّمات..
شاهدتُ على شاشة موقع شبكة عنكبوتيَّة محليَّة عبريَّة، فيلمًا وثائقيًّا، بعدسة المستوطن نيسان زلتسمان، يصوِّرُ فيه عمليَّة هدم مئذنة مسجد قرية وادي حُنين، الواقعة بين الرَّملة ويافا، وبعدها حوَّلوا المسجد إلى كنيس، اسموه خلاص اسرائيل، تمعَّنوا بالاسم الجديد للمسجد والمعنى والهدف، بعد أن سيطرت مستوطنة نس تسيونا على أراضي الوادي وأراضي قرية صرفند الخراب، وبعد سقوط القريتين في السَّابع عشر من نيسان، عام ألفٍ وتسعمائة وثمانية وأربعين، وبعد أن احتلَّت قوَّات لواء جفعاتي في عمليَّة نحشون، القرى والمناطق المجاورة لها، ووصلت القرية أخبارُ مجازر دير ياسين المُروِّعة في دمويَّتها وفي همجيَّتها وحقدها، فما كان من أهل القرية، على ما يظهر، سوى الهرب خوفًا من الآتي عليهم.
وخلال عرض الفيلم الوثائقي، نسمع نقاش بنات المصوِّر، عن شرعيَّة عمليَّة الهدم هذه، هل هدم المئذنة مشروعٌ أم أنَّه أمر فاحش، مسموح به أو ممنوع، وهل عَرْضُ الفيلم سيفتح باب النِّقاش من جديد ويُسبِّب عواقب غير مرغوب فيها، فضلاً عن تساؤلاتهنَّ، هل المئذنة هي مقدَّسة أم أنَّها مجرَّد عمود يعتليه المؤذِّن لرفع أذانه داعيًا المصلِّين لحيِّهم وحثِّهم على الصَّلاة ولأداة فريضتهم اليوميَّة..
خُلاصة النِّقاش بينهُنَّ، أنهنَّ يخفنَ أن يقال عن أنَّ هذه جريمة بحقِّ الأماكن المقدَّسة الإسلاميَّة، لقد قالوها إنَّها جريمة، فما هو معنى هدم المئذنة وتحويل المسجد إلى كنيس يهوديٍّ، وانتزاع الهلال عن قبَّته ووضع نجمة سُداسيَّة مكانه، وقد ادَّعين في حوارهنَّ أنَّ تحويل المسجد إلى كنيس يُحافظ على قداسة المكان! وهنا مرَّ في مخيِّلتي مسلسل انتهاك المقدَّسات منذ أن وقعت البلاد تحت مطحنة احجار الرَّحى، من انتهاك حرمة المقدَّسات والأوقاف والأعراض وحرق المسجد الأقصى ومجزرة الحرم الإبراهيميِّ الشَّريف، هل المحافظة على قدسيَّة المكان تدعوك لمحو مقدَّسات الآخرين، وهل قدسيَّة المكان تسمح لك بطرد شعب آمن يسكن البلاد منذ الأزل، لكنَّ هذا غيض من فيض لأنَّ قائمة الإجرام الطَّويلة، إلى ما لا نهاية..
ولا غرابة في منع رئيس الحكومة الحاليَّة، قبل سنتين أو يزيد، فتح ملفَّات أرشِفَة الدَّولة التَّاريخيَّة منذ النَّكبة لأنَّه يعرف أنَّه لو كشفها لاكتشف سكَّان البلاد الجدد والعالم هول المأساة والجريمة بحقِّ الإنسانيَّة عامَّة وأهل البلاد الأصليِّين خاصَّةً، وتبيَّن لهم كذِبُ حاييم وايزمن منذ أن كتب في العام ألفٍ وتسعمائة وأربعة عشر مُدَّعيًا: هناك أرض واسمها صدفةً أرض اسرائيل وليس لهذه الأرض شعب، وفي المقابل هناك شعب اليهود لا أرض له، وما ينقص الأمر..ربط هذا الشَّعب مع هذه الأرض"..
ونحن هنا منذ الأزل وإلى الأبد وإلى دهر الدَّاهرين..
 
قد يهمّكم أيضا..
featured

موقف ولفت انتباه لجريدة "الاتحاد"

featured

السعودية صانعة الخـصومات

featured

غلطة كل إنسان على قده

featured

لائحة شرف للبركة

featured

يوم الأرض – نقطة التحوّل في سطور

featured

قانون يسلب المواطنة - شهادات (2): أليس لهذا التية والتشريد... من آخر؟!