يوم الأرض – نقطة التحوّل في سطور

single

*مقال لجيلنا الشاب، لشعبنا الفلسطيني البطل*


 
نعم تجلّت المأثرة حينها بكونها معركة من أجل استعادة الأرض من كل محاولات المصادرة، عودة الأرض إلى أصحابها لتبدأ بذلك علاقة حميمة جديدة ما بين الفلسطينيين في الداخل وما بين الأرض ولكن لم تتمحور المأثرة حول ذلك فقط .
إنّ صدى المقاومة الفلسطينية المسلحة التي تواجدت حينها في لبنان بكل فصائلها خلّفت حاضرًا من نوع آخر يسكن الشعب الفلسطيني الذي تبقى في أرضه في الجليل والمركز والجنوب، هذا الحاضر الذي عرّى الفلسطينيين في الداخل من التعرف على أنفسهم أولًا ومن ثم التعرّف عليهم من قبل القوى الوطنية المتواجدة في المنفى. فقد تجلّى أمامنا انصهار قسم من شعبنا في الداخل ما بين الهويّة الإسرائيلية البحتة وصولا إلى أشدّها عنصرية في اليمين المتطرف، وما كان ذلك غير نتيجة للفراغ السياسي حيث لم يكن هناك غير الحزب الشيوعي الإسرائيلي برفاقه العرب واليهود الذي استشرس بكل قوة رغم المضايقات والقوانين المحددة للعمل السياسي، لأن يُرشد الشعب الفلسطيني في الداخل لمقاومة الاحتلال والفصل العنصري واليمين المتطرف والعمل على المطالبة بحقوقه المدنية الكاملة ولو كلّفت هذه المهمة الكثير الكثير، وفي نفس الحين اعتبرت قوى قومية كبيرة في المنطقة الشعب الفلسطيني في الداخل متخاذلا مع قضيته الفلسطينية ومتناسيا عن حلم التحرير والجلاء، إذ التبست حكاية شعبنا في الداخل الذي فُرِضَت عليه المُواطنة الإسرائيلية بكل معاييرها ووضعته ما بين حدّين واضحين لا ثالث لهما، إما الانعزال والفناء عبر الذوبان في الهوية الإسرائيلية وإما المقاومة بالطرق المتاحة من أجل البقاء ومن أجل محاربة الغطرسة الإسرائيلية في المعايير الأساسية للإنسان مثل اللغة والتعليم والتعريف والحقوق الأساسية للعيش.
نعم، اختار شعبنا الفلسطيني البطل في الداخل كما في الخارج خطّ المقاومة من أجل الحياة ولكن بظروفه المتاحة التي كانت بعيدة عن الكفاح المسلح وعن أي أساليب عسكرية، رغم هذا أثبت شعبنا في حينها روحه الوطنية وإيمانه العميق بأحقيّة الشعب الفلسطيني بالعيش الكريم ككل شعوب العالم في أرضه، هي فلسطين مهما تبدلت العصور فهذا الاسم لم يتسبب بعذابات الشعوب الأخرى ومنهم الشعب اليهودي، ففلسطين فتحت أبوابها للهجرة اليهودية في البدء ولكن حينما تجلّت أنياب الحركة الصهيونية التبس المطلبُ الإنساني بالمطلب الامبريالي وحينها اشتعلت الأزمة الفلسطينية مسببةً كلَّ ما سبّبت .
نعم، التبست وتعقدت الكثير من الأمور على الشعب الفلسطيني في الداخل وانطرحت على الطاولة الشعبية الكثير من الأسئلة التي تأخر الوطنيون والشيوعيون حينها عن الإجابة عنها ولكن ورغم ذلك لم تتخلَّ القوى التقدمية حينها عن المبادئ العليا التي ترسّخت في عقول كلّ الفلسطينيين وحتى في عقول قوى تقدميّة يهودية، وقفنا دائما في وجه حروب الاستنزاف التي سلّطها الاحتلال نحو دول المنطقة وحاربنا بأصواتنا وبنفوذنا السياسي بين الناس من أجل حماية حقوق العمال ومن أجل إبعاد الناس عن خطر التربية الصهيونية ولم نكل بأن نحارب في الميادين من أجل فضح المجازر الإسرائيلية بحق قرانا ومدننا في الداخل خلال سنوات الخمسينات، تعالت أصوات الوطنيين حينها معارضة احتلال سيناء والجولان من قبل الإسرائيليين وصولا إلى حرب 1967 التي تخطّت حينها كل المقاييس الدولية إذ رفعنا الشعارات التي تطالب بوقف الحرب وباحترام القوانين الدولية والانصياع لقرارات الأمم المتحدة واعتبار حركة الاحتلال الإسرائيلي على الأرض الفلسطينية حركة تمس بحقوق الإنسان وبالمبادئ العليا مما يصنف الاحتلال الإسرائيلي عدوا لكل القوى التقدمية في العالم .


*المأثرة التي تعمّدت بتجربة الناس*


يوم الأرض هو المأثرة التي تعمّدت بتجربة الناس في الانتقال والتحول من زاوية إلى زاوية أخرى، هو المحاولة التي اعتمدت على كرامة الجيل الشاب الذي رأى بضرورة التغيير البوابة الوحيدة نحو النجاة والاستمرار، استمدّ غضب الجماهير قواه من الحق الفلسطيني الذي لا يمكن أن ينطوي في صفحات التاريخ، وارتبط ذلك مع بعض القيادة الحكيمة النابغة التي وقفت إلى جانب الناس ومن أجلها أمثال توفيق طوبي القائد الذي فضح مجزرة كفر قاسم وكان المنصة الوطنية التقدمية من على منبر البرلمان الإسرائيلي باسم الشيوعيين، وتوفيق زياد الذي اتخذ النضال الشعبي مسلكا عبر صورته التي تحمل انعكاسين أولهما زيّاد القائد الفذ والثاني زيّاد الشاعر الفلسطيني، إلى جانب الكثير من القيادات الشعبية مثل القس شحادة شحادة ومحامي الأرض والشعب حنا نقارة وسياسيين في السلطات المحلية مثل محمود نعامنة (رئيس مجلس عرابة حينها)، جمال طربية (رئيس مجلس سخنين حينها)، محمد حسين (رئيس مجلس ديرحنا حينها) والكثير الكثير من الشخصيات الوطنية التي وقفت الكتف على الكتف من أجل صيانة هذه الهوية الفلسطينية في الداخل في الوقت الذي تخلى عنها الكثير .
يوم الأرض هو نقطة التحول في الكثير من المسالك وعلى رأسها المسلك الاجتماعي التربوي فقد ولّد يوم الأرض شعبًا واثقا بنفسه ومؤمنا بأحقيته بالعيش الكريم وبالمطالبة بحقوقه كاملة ولو كلف ذلك المحاربة حتى الموت، شعب بدأ ينظر من جديد إلى القضية الفلسطينية بأنها القضية العادلة ككل قضايا الشعوب المسحوقة في العالم ورأى بأنّ السلاح الوحيد من أجل الحرية هو العمل على بناء الهوية الفلسطينية من جديد، مستمدة قواها من توصيات القيادة الوطنية للجماهير وعلى رأسها الشيوعيون والقوى القومية الوطنية في الداخل، الهوية التي ستحارب إلى يومنا هذا في وجه الامبريالية الصهيونية بكل مطامعها، الهوية التي ترتبط بشكل وثيق مع الفلسطينيين في المنفى وبحقهم في العودة وترتبط مع حرية شعوب المنطقة وحقها في تقرير مصيرها وتقرير خطوط حدودها وترتبط ربطا وثيقا مع كل الشعوب التقدمية المسحوقة، هي الهوية الكاملة التي تثبت نفسها في الميادين.
المسلك الثاني هو المسلك السياسي فلقد أثبت يوم الأرض بأنّ العمل السياسي المنظم قادر على مرافقة المدّ الجماهيري بالشكل اللازم لإنتاج مقاومة داخلية تلبّي مطالب الناس وتحقق مطالبهم الشرعية وتحميهم من أي مصادرة أو اعتداء إذ تعمدت الجبهة الديمقراطية حينها بروح يوم الأرض لتشكيل شراكة وطنية تقدمية تدافع بحق عن الشعب الفلسطيني في الداخل وعن الشعب الفلسطيني ككل في حقه ببناء دولة فلسطينية وعاصمتها القدس، هذه الجبهة التي حملت هموم الناس طوال سنوات عدة ووقفت في أصعب المواقف لتطرح الموقف الصعب النابع من التقدير الصحيح لكل الظروف والتعقيدات المُحيطَة، وأيضا ولّد يوم الأرض الكثير من العمل التنظيمي الذي صبّ لجام قواه نحو الدفاع عن الأرض وعن الإنسان وعن الهوية من لجنة الدفاع عن الأراضي وصولا إلى لجنة المتابعة وتضمن أيضا الكثير من الدعم لاتحادات الطلاب الثانويين والجامعيين.


*الصرح السياسي المتين*


يوم الأرض كان الصرح السياسي المتين الذي أثبت للعالم رغم كلّ المحاولات الإسرائيلية بإخفاء الوقائع أن الشعب الفلسطيني في الداخل لم ولن يتخلى عن الشعب الفلسطيني البطل المتواجد في كل مكان وسيبقى حريصا على حماية الأرض وحريصا على حماية الهوية وحريصا بأكبر قدر من الحرص على الإنسان الفلسطيني المثقف والمتعلم والتقدمي والمقاوم، فيوم الأرض أثبت للجميع أنّ الإنسان هو المحور الأهم فالأرض لا تساوي شيئا من دون أصحابها، حاول الاحتلال على طول سنوات الخمسينات والستينات أن يُذوّب شعبنا في الداخل وأن يجرده من نفسه ولكن ماتت هذه المحاولات عند مشنقة يوم الأرض، فلقد نجحنا في بناء الإنسان الفلسطيني الذي سيقاوم بمعرفته وبأدبه، بحجارته وبأغانيه من أجل كرامته كانسان ومن أجل حقه في العيش على أرضه، تبلور العمل السياسي إلى ذروته إذ حدد في مواثيقه طبيعة العلاقة ما بين شعبنا في الداخل وما بين الاحتلال الإسرائيلي وطبيعة علاقة شعبنا في الداخل مع شعبنا الفلسطيني في كل مكان.
استطاع يوم الأرض بالفعل أن يزرع في الجيل الشاب تلك الثقة العميقة بأنه القادر على التغيير وعلى أنه الحرَس الفتي لشعبنا في الداخل.
استطاع يوم الأرض أن يظهر لكل القوى والفصائل الفلسطينية في لبنان أن الشعب الفلسطيني في الداخل لا زال حيا يُرزق وسيقاوم بالطريقة التي يراها مناسبة حسب الظروف الخاصة .
يوم الأرض هو المأثرة التي يجب علينا أن نمنعها من أن تتحول إلى مسخرَة فهذا اليوم هو ليس مجرد ذكرى تاريخية تُدرّس بين شبابنا على صورة جافة من تواريخ ومن مشاهدات، يوم الأرض هو التجربة التي نجحت والتي يجب دراستها جيدا واستخلاص كل العبر منها لبناء أسلحة جديدة تواكب كل الظروف الجديدة وتواكب بالطبع كل المحاولات الوقحة من قبل الاحتلال الإسرائيلي، انّ تجفيف يوم الأرض من انعكاساته السياسية وطرحه على انّه مجرد نتاج عفوي للجماهير سينتج واقعا وحاضرا سلبيا جدا يُعرّي هذه المأثرة من مجرياتها ومن نتائجها، انّ إحياء يوم الأرض يجب أن يكون متزينا بوجود كل قوانا السياسية الموجودة من أحزاب ومن اتحادات وكل محاولة لطمس المظاهر الحزبية الموجودة داخل شعبنا تذكرني مرارا بتجربة الجمهورية العربية المتحدة ما بين مصر وسوريا، حينما مُنعت الأحزاب من التواجد في الجمهورية العتيدة مما أدى إلى فشل المساعي القومية حينها، وصولا إلى تفكك الجمهورية، ان وجود القوى السياسية باختلافها على أرض الواقع هو تجلٍّ وإبراز لنجاحات يوم الأرض لا العكس كَما يتم تداوله اليوم .
سيبقى شعبنا الفلسطيني في الداخل مخلصا لقضيته ومخلصا لكل القوى السياسية التي أعطت ودفعت بشعبنا نحو حريته السياسية وعلينا أن نؤمن بأنّ كل محاولة لطمس ولإجهاض القوى السياسية من أحزاب واتحادات ولجان ومنعها عن التجلّي أمام الجميع في المناسبات الوطنية يعني بشكل واضح العودة بعجلة الزمن إلى ما قبل يوم الأرض، إلى ما قبل نقطة التحول، بعيدا بشكل هزلي إذ يعيد الزمان نفسه كما قال كارل ماركس ولكن هذه المرة على شكل مهزلة .
فلتنتبهْ يا شعبنا، فلتحمِ سطور المأثرة!

قد يهمّكم أيضا..
featured

دموع التماسيح الأمريكية

featured

في كُلِّ عامٍ جديد

featured

مطلوب تحقيق جدّي بالجريمة

featured

الدين السياسي .. والديمقراطية الغربية ؟؟

featured

وتبقى المصداقية لبرنامج الجبهة في طرح المخرج الصحيح من دوامة الصراع الدموي

featured

تعقيب على تعقيب وتوضيح

featured

حربٌ على الليبرالية

featured

يوم الأرض – نقطة التحوّل في سطور