ليلتان مع العم ابو حسين

single

شاركت جماهير قرى الجليل وهضبة الجولان وآخرون في تشييع جثمان عمنا الفاضل الشيخ ابو حسين فندي مهنا، بعد ان وافته المنية عن عمر ناهز الـ 98 عاما قضاها في البر والتقوى والعمل الطيب. كان هذا يوم الثلاثاء من الاسبوع المنصرم في البقيعة حيث ابّنته كما ابّنه آخرون، وعدّدوا جميعا مآثره الحميدة وسلوكه المثالي في حب الناس وحب الخير للمجتمع بأسره، واجمع كل المشيعين على ان مجتمعنا خسر بموته احد رجالاته المخلصين والذين تميزوا بسعيهم الدؤوب نحو مجتمع الفضيلة المتآخي النافع لبعضه البعض.
البقيعة قرية وادعة، تطل على البحر المتوسط من زاوية تقع في الجهة الغربية لجبال الجليل الاشم. احببت هذه القرية وادركت منذ مقتبل عمري ما تميزت البقيعة به من وعي، ونادرا ما كنت تلمسه في مثيلاتها من قرانا.
كتب لي القدر ان اكون في صف واحد مع الاخ والصديق حسين فندي مهنا، ولا ادري فمنذ وقفنا كل مع والده للتسجيل للصف العاشر امام مسجل طلاب المدرسة الثانوية في مجلس الرامة المحلي سنة 1961، حدث اشعاع وبريق بين عيوننا فضحكنا سوية على منظر معين، ولان المنظر المضحك قد استمر فتابعنا ضحكنا وكلانا يعرف السبب في نفسه ولكن في نفس الوقت اكتشفنا اننا نشارك في احساس معين... وتطورت العلاقة بيننا الى ان تطورت الى زيارات بيتية. وهناك تعرفت على العم الجليل ابو حسين فندي مهنا. وسوف اذكر حادثتين مميزتين ما زالتا عالقتين في ذهني خلال هذه السنين الطويلة التي شهدت كما قلت توثيقا لعرى الصداقة بيننا. وهما في الواقع وصف لما حدث في ليلتين كنت فيهما في دار العم ابو حسين واعتقد ان لهما مدلولا خاصا والتفاصيل كما يلي:الاولى كانت ليل 23-11-1963 في تلك الليلة اغتيل الرئيس الامريكي جون كينيدي. اذكر انني وحسين كنا نائمين اذ ذهبنا الى الفراش للنوم في ساعات الصباح بعد يوم وليلة حافلين بالطواف من بيت هذا الصديق الى بيت الصديق الثاني. وطبعا استقبلنا بعبارة اهلا وسهلا ثم قهوة ورمان وفواكه، ثم الشيء الذي لم اتوقعه هو ان ظهر مع هذه المجموعة من الاصدقاء، من قد رحل عن هذه الدنيا حيث اذكر سميح صباغ، يوسف سلمان نسيب سعيدة.. ومنهم الذين ما زالوا على قيد الحياة متمنيا لهم طول العمر نايف سليم، يوسف سليم، مفيد مهنا، عادل مهنا ، صالح سويد. ولفت نظري ان في بيت كل واحد منهم كانت مكتبة!! نعم مكتبة وفي سنوات الستين!! وتلك ايام ندرت فيها الكتب العربية! الا ما صدر عن مكتبة فؤاد دانيال في الناصرة من تكرير ستانسل للكتب المصرية واللبنانية.. النادرة وما صدر عن دار النشر العربي في تل ابيب والتي اصدرت جريدة "المرصاد" التابعة لحزب "المبام" ومن الجدير ان يقال انه لولا المجلات والجرائد الصادرة عن دار "الاتحاد" في حيفا في تلك الفترة لم يكن شيء للقراءة بالعربية سوى منسوخات الكتب المدرسية والمجلات والجرائد العبرية..!
لاول مرة في حياتي اشاهد كيف تكون قد بدأت حفظ الجرائد اليومية ابتداء من العدد الاول، مجلدات حفظ المجلات الشهرية بدءًا من العدد الاول وكل هذا كان في مكتبة نايف سليم الوفا – اطال الله في عمره. ولا بأس من ذكر انه كان بالامكان الاطلاع بحرية على جرائد الاتحاد، الانباء، اليوم، المرصاد ومجلات الغد والجديد وهعولام هزيه عندهم لانها محفوظة عند غالبية هؤلاء الاصدقاء. فمثلا اكتسبت منهم وعرفت من خلال نقاشهم الاهمية والمكانة الادبية لادباء مثل طه حسين، توفيق الحكيم، محمود تيمور، محمد مهدي الجواهري، عباس العقاد تناقش اصدقائي وانا استمع لهم حول الاسلوب القصصي لهذا الاديب والمعاني والرسالة التي حملها الاديب الآخر!
ولكي لا انسى فكما قلت تلقينا نبأ اغتيال الرئيس كينيدي في الصباح الباكر اذ نبهنا العم المرحوم ابو حسين فندي وهو يحمل بيده جهاز راديو ترانزستور من موديل تلك الايام وكان يشبه الجزدان النسائي، عليه زران الكبير للمحطات والصغير للصوت.. كان الخبر بالنسبة لنا هائلا اذ كيف يقتل رئيس اكبر دولة في العالم..؟! هكذا وبكل بساطة بالرغم من شدة الحراسة حوله ولكن كما قال شيخ من قريتنا مرة المدبرون يدبرون.. والقضاء يضحك!! مقتل رئيس امريكا كان شغلا طرح العديد من التساؤلات على العم الفاضل ابي حسين.. فمثلا من يقف من وراء هذا القتل؟ من يستفيد من رحيل الرئيس كينيدي عن مسرح السياسة والحياة؟ اين اسرائيل مما حدث؟! ماذا سيؤثر هذا الاغتيال على دول الشرق الاوسط وعلى "جمال" ويعني العم ابو حسين بذلك، جمال عبد الناصر رائد القومية العربية في حينه؟ شربنا قهوة الصباح ولم نعد للنوم مرة اخرى، بل تتبعنا الموضوع من خلال انشغال العم ابوحسين بالراديو وسماع المحطات الاخرى وتعليقاتها.. هذا الموقف وما لمسته من سلوكياته الليبرالية مع حسين واصغائه لنا ثم الابتسامة، والتسامح والهدوء النفسي ثم حرصه على ادب الكلام مع كل من حدثه، جعلني اصدق ما قاله لي صديقنا المشترك المرحوم ابو العبد كامل عيد قدورة والذي علم بزيارتي ومبيتي في بيت العم ابو حسين مهنا.. فقال لي كلاما لا ارغب في ذكره لئلا اتهم بالمبالغة.. لكن لا مانع من ذكر بعضه حيث اصر المرحوم ابو العبد بانني كنت ضيفا في بيت شيخ يتبر من اشرف المشايخ واذوقهم واثقفهم، نصحني بعد ذلك ابو العبد ان اثبت الصداقة واحتفظ بها وهكذا كان.. اما الليلة الثانية فكانت هي ايضا في شهر 11/1964 ويومها دعاني وصديقي حسين مهنا لكي اودعه لانه سيذهب للخدمة العسكرية الاجبارية في الجيش الاسرائيلي..! شأنه شأن كل الشباب في الطائفة العربية الدرزية في اسرائيل.
فلبيت الدعوة وسافرت الى البقيعة.. لاني احب لقاء الاصحاب هناك احب ان اكون بجانب حسين وابي حسين في هذه الساعات المصيرية في حياته.. فمن يدري ماذا سيحدث له بعد ان يذهب للجندية! لا احد يعرف ماذا يخبئ الجيش لمجنديه!
في تلك الليلة عرفت لوعة الفراق بين الاحبة، ومعزة الابن عند والديه واستطيع ان اقول انه وبالرغم من الفراق بين الولد وامه الا ان هنالك حبلا خفيا يربط دائما بينهما.. وان الولد وكيفما تحرك.. تحركت من فوقه مظلة الامومة بقلبها وابتسامتها ويديها.
بكت ام حسين وبكت الاخوات اما الرجال فصامتون ومنقسمون بين مضطرب وغاضب وآخرون متقبلون للامر يجتهدون في النصح بان الخدمة في الجيش منهج حياة جديد.. تبني الرجل جسما وعقلا وسلوكا وكما قال المرحوم الشيخ ابو كمال يوسف علي والذي حضر لتوديع حسين (أو يوسف بيك.. صهر حسين مستقبلا) بان الانسان اينما ذهب تسبقه اخلاقه وفيها وحسبها يتقرر مصيره؟؟؟
الجندي الذي يحترم من فوقه ومن تحته يستطيع ان يرى في الجندية فترة عزيزة من حياته...الخ. في تلك الليلة عرفت ان لقب "بيك" الذي يحمله الشيخ يوسف علي كان مكرمة ملكية تكرم عليه فيها الملك عبد الله ملك الاردن في سنوات الاربعين عندما كان جنديا متميزا في الجيش العربي!!
وبينما نحن نتجاذب اطراف الحديث، مع المودعين وكانوا كثيرين ومن جميع طوائف البلد ومن مختلف العائلات واذا برجل يدخل من الباب بهمة وعزيمة احسست انه قد اقتلع الباب معه وجرف الحائط خلفه، رجل يفيض حيوية ونشاطا يتكلم بصوت عال من فم، فوقه شاربان وفوقهما عينان واسعتان مشعتان تحت حاجبين غليظين قد امتلأت الغرفة به.. حيانا بالسلام فتصافحنا وتعرفنا على بعضنا البعض فعرفت ليلتها انني اتحدث مع المرحوم الشيخ ابو سلمان قاسم الغضبان الشيخ الدرزي المعروف ويومها لم اذكر اكان رئيس المجلس ام مختار القرية! الا ان الحاضرين احتضنوه واصغوا اليه. وما ان جلس حتى بادر بالكلام مع ابي حسين وقال: ماذا نقول يا ابا حسين؟! ثم نظر الى حسين وتابع ماذا تقول يا حسين؟ ليس لنا الا ان نلعن اولئك الذين كانوا السبب في ذلك، الذين وقّعوا على التجنيد الاجباري للدروز... وتابع الشيخ ابو سلمان "جازاهم على ما فعلوه"..! ولكن لا تستغربوا امرا في هذا الزمان المقلوب ما دام الزعرور اغلى من التفاح" فهذا يؤكد انقلاب موازين الايام بحيث كل شيء ممكن ولهذا نقول لك يا حسين الله يسهل عليك نسأل الله ان يوفقك وان تعود لاهلك سالما، ولنصبر فالصبر مفتاح الفرج.
تطور الحديث حول احوال القرية ثم تبادلنا المعلومات حول طيب العلاقة التي تربط بين اهلنا.. وانتقلنا الى السياسة والاجحاف الذي تتبعه حكومة اسرائيل بحق الجميع من العرب فالاضطهاد القومي يطال حتى المجندين وقراهم.. وهيهات أن يعي الناس ما يدور حولهم وتمنى الجميع للعرب ان تتوحد كلمتهم ويوحدوا صفوفهم.. والهرج تتابع الى ان قطعه العم ابو حسين فندي فوجه شكره للشيخين الجليلين والحاضرين مشاركتهم في وداع الابن حسين الذاهب الى الجندية، الا ان المرارة ظهرت من كلامه حين تخوف من غدر الزمان بابنه الوحيد وكيف ان الظالم لا يأبه بما يحسه الاهل تجاه فراق اولادهم.. ولكن تابع حديثه كمؤمن فهو مسلّم امره لله ولن يحدث الا ما كتب الله ولكن شدد على اهمية السلوكيات التي يسلكها كل انسان اينما كان وكيفما كان. ووجّه كلامه لحسين وقال آمل يا بني ان تتذكر ان الجندية ليس لتستعملها ضد الابرياء. ما عليك (موجها كلامه لحسين) الا ان تتذكر ان لك اخوات في البيت واهلا فتعامل مع الناس كما تحب ان يتعامل الناس مع اهلك. تذكر ان للبيوت حرمات يجب احترامها، اتوقع منك ان تأخذ هذه الامور في حساباتك  ونحن ننتظر عودتك السالمة ولكن نحن نعتبر كل الشباب واشار الى كل الجالسين هم اخوتك معزتهم علينا كما هي معزتك فاذهب بالرضى وتبارك، الاهل كلهم لك "والله يسهل عليك".
ذهب حسين في اليوم التالي الى الجندية وفي العام 1965 (أي سنتين قبل حرب الايام الستة" ارسل لي حسين رسالة ما زلت احتفظ بها حتى اليوم قال لي فيها:
اخي وصديقي بلغ سلامي لكم جميعا وللاخوة، احييك من الجنوب انا اخدم بمحاذاة قطاع غزة، الليالي تمر والايام تنقضي والحمد لله انا راض عن نفسي لانني لم اقم حتى الآن باي عمل يتناقض مع مبدئي ارجو ان نلتقي بكم قريبا.. ومرت اقل من سنة فاذا بي اتلقى دعوة للقاء حسين في البيت في البقيعة لانه تحرر من الجندية وهكذا فقد خدم صاحبي في الجندية اقل من سنة.. ففرحت له ولنفسي، وما ان اصبح الصباح حتى طرت الى البقيعة لافرح مع الاهل بمناسبة عودة الغالي الى الدار.
ذكريات حلوة اسردها من فيض قلبي واحساسي وذاكرتي، لاتلذذ ثم لاذكر احد ابطالها الذين اسهموا في خلقها يوم وفاته وفاءً له وتخليدا لذكراه، المرحوم العم ابو حسين فندي مهنا. له الرحمة ولكم من بعده طول البقاء، انا لله وانا اليه راجعون

 


(دير الاسد)

قد يهمّكم أيضا..
featured

انتخابات مبكرة في ظل حماقات متهورة..!

featured

بـَـينَ حدَثيـْن: يوم الأرض وهبّة الكرامة.. العزّة والـعَرض

featured

كلمة تقدير ووفاء

featured

الامراض الارتشاحية - المنتشرة في الرئة – Diffuse Pulmonary Fibrosis

featured

شعب مصر يصنع النصر

featured

نحن الشهادة الحيّة والشهود على النكبة

featured

في وداعِ مُعلّمي