نحن الشهادة الحيّة والشهود على النكبة

single

نشاط في ذكرى النكبة، جامعة حيفا (تويتر - أرشيف)




نحن نعيش الآن، في العام السبعين للنكبة، مرحلة مصيرية، وكل مراحلنا مصيرية، في مشروع الصهيونية إتمام القضاء على ما تبقى من وجودنا السياسي كأقلية وعلى القضية الفلسطينية؛ فتمامًا مثلما وعت وتعي قيادة الجماهير العربية أننا صمّام الأمان أمام نسيان العالم والتاريخ للقضية الفلسطينية بنكبتها ولاجئيها، فهمت المؤسسة الإسرائيلية ذلك أيضًا- فهذا التدهور المستمر هو تحضير لخطوة قادمة وليس ركلات ورفسات عشوائية لضرب مواطنتنا فقط. 
ربطت الأقلية العربية الفلسطينية مصيرها بمصير عموم الشعب الفلسطيني بشكل طبيعي، وناضلت من أجل البقاء على ما تبقى بنفس روح النضال ضد الاحتلال - ومن هنا تتعقد أكثر فأكثر معضلة مواطنتنا كأقلية قومية في دولة احتلت أرضها مرة في الـ 1948 واحتلت ما تبقى من قضيتها في الـ1967 (دون الخوض في تزامن الأخير مع الأحداث في المنطقة وتداعياته). ومن هنا فالنكبة ليست حدثًا وقع حينها وانتهى، إنما هي تاريخ الشعب الفلسطيني المُعيش يوميًا منذه، ونحن الشهادة الحيّة والشهود عليه، وكان للحزب الشيوعي منذ النكبة الدور الأساس في الربط والفعل ما بين تحقيق المطالب اليومية الحياتية والحقوق الشرعية المستقاة من تعريف المواطنة، وحقوق الإنسان بالمناسبة، بالقضاء على الاحتلال كشرط أساسي لتحقيقها. 
لا يسعني الحديث عن النكبة دون التطلّع قدمًا إلى وجهتنا كأقلية عربية وإلى معضلة المواطنة بالنسبة لنا كأقلية قومية بعد النكبة وإلى شكل ومضمون هذه المواطنة دون تجاهل حقيقة أن المواطنة كانت مطلبنا نحن في "معركة الهويات الحمراء" وما تلاها من معارك  يومية حتى اللحظة. فبينما حدّدت النكبة طبيعة المكانة السياسية للجماهير الباقية في وطنها، فإن مجزرة كفر قاسم، كانت قد شكلّت حدثًا أساسيًا في تشكيل الوعي للحقوق المدنية كون الضحايا كانوا مواطنين بالتعريف، بالرغم من أن الدولة والقتلة (والضحايا) لم يكونوا قد ذوّتوا تداعيات هذه المكانة في تلك اللحظة إنما كنتيجة لها. المرة التالية بعد يوم الأرض 1976 التي قتلت الدولة فيها مواطنين عربا خلال نشاط احتجاجي كانت في أكتوبر 2000، وأيضًا كان لهذا تأثير على استمرار شكل نضالنا من أجل حقوقنا المدنية كمواطنين ووعينا الجمعي لنفس المعضلة – انتماؤنا حسّنا القومي مقابل معاني المواطنة في دولة تقمعنا لهذا الانتماء.
استمرار حملة سن القوانين العنصرية وآخرها مشروع قانون القومية الذي يُسقط من بين ما يسقطه اللغة العربية كلغة رسمية، هي مجرد مناكفة رمزية لتشريع ممارسات الطمس القائمة أصلا وبطاقة قد تفاوضنا عليها الدولة مستقبلا متعمدة خسارتها بينما تشرع قوانين أخرى أخطر على فرص تأثيرنا السياسي وشكل وجودنا. فهذه الهجمة المسعورة على المواطنين العرب وجهاز القضاء الإسرائيلي، بالرغم من رداءته وعنصريته، تسعى لتقنين الفوقية العرقية- الدينية وممارسات التمييز القومي والطبقي ضد العرب وضد المستضعفين والقضاء على أي "عدل" في جهاز القضاء. فاختيار "البيت اليهودي" للوزارات بحوزته (القضاء والتربية والتعليم تحديدًا)؛ واختيار نتنياهو لريچف كوزيرة للثقافة ولدافيد بيطان كرئيس للائتلاف الحكومي والعديد من الخيارات الأخرى ليست محض صدفة، بل تخطيط استراتيجيا من اليمين لـ"حلّ مشكلتنا" مرة واحدة وإلى الأبد.
مؤخرًا، نجح الفرنسيون في ردع "ماري لو بين" من الوصول إلى سدة الحكم مستندين إلى إرثهم السياسي، بما يشمل كونهم مُحتلين. وهم مارسوا الحق وربما الفرصة الأساسية في الأنظمة الديمقراطية للتأثير المباشر على الوجهَة العامة للسياسة الداخلية والخارجية للدولة؛ بالرغم من أن هزيمة لو بين لا تعني أن الفكر اليميني المتطرف سيختفي بسهولة من فرنسا أو أوروبا في الوقت القريب. بكل الأحوال، لست بصدد عقد أي مقارنات بين الوضع هنا وأي مكان آخر، لكن بعد 69 عامًا لم ينجح المجتمع الإسرائيلي بعد بالاعتراف بالصهيونية كحركة عنصرية وبالتحرّر من أساليبها التي توهمه وترعبه أن لا وجود له ولأفراده دونها ودون ممارساتها؛ مجتمع تعترف قيادات استخباراته بأنه قد مرّ بتحوّلات نفسية أنتجتها الخدمة في جيش الاحتلال تجعل منهم قتلة مأجورين في خدمة المصالح السياسية والعسكرية. ولم تنجح الأغلبية الساحقة من الإسرائيليين اليهود في الربط بين مصالح الهيمنة على عقولهم ووضعهم الاقتصادي، كبداية مثلا. فإضافة إلى معضلتنا نحن مع أنفسنا كفلسطينيين، تحلّق فوق رؤوسنا دائمًا الشكوك حول مدى قدرتنا على التأثير على هذا المجتمع وهذا هو الوضع المثالي بالنسبة للدولة.
أين مخرج الطوارئ في معضلة المواطنة؟ لست أدري. لكن ما أعلمه أن الفكر السياسي اليساري يطمح إلى تشكيل صورة عمّا قد يكون ممكنا تحصيله من خلال النضال السياسي والفعل السياسي الجمعي، وأعلم أيضًا أننا هنا باقون كمعطى أساس، و-"هم" باقون كذلك –ويبقى الحل الوحيد هو في قلب موازين القوى وتعريف قيم وسياسات الدولة من الأساس من خلال إعادة بناء حركات النضال السياسي الشعبي اليساري والوطني إضافة لاستمرار المشاركة في اللعبة الديمقراطية ولو ان  الأخيرة تبدو مؤخرًا غير ذات تأثير.

قد يهمّكم أيضا..
featured

الصهيونية وحكام إسرائيل: ما بين الحقد الأعمى وفن صناعة الكذب

featured

لتسييس معركة الانتخابات بعُمق

featured

النقاش معركة أم جولة استكشاف ونمو فكري

featured

الأشجار تموت واقفة

featured

التحدِّي والإصرار على التمسك بالحق، علامة النصر الأولي

featured

انتبهوا لحركة فتح

featured

ذكريات ختيار لم تمت أجياله (43)

featured

مقالات في الذات والآخر: الخيال الذي نعتقده واقعا (2)