كان لي، ولغيري شرف المشاركة في وفد الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، يوم الجمعة 3.8.12، إلى ذلك الجزء وتلك المساحة الغالية من ارض الوطن، انه النقب الأشم والغالي علينا وعلى أهله المنزرعين فيه وعليه، وبالذات إلى قرية العراقيب التي أبت إلا أن تتحدى سياسة الهدم والتشريد، لكن الصابرة والصامدة، وهي تكابد صروف الحياة والبقاء رغم أنف الصهيونية وحكام الوطن الجدد، وذلك في احد أيام شهر آب اللهاب ومنتصف شهر رمضان المبارك والكريم، كان هدف الوفد والزيارة، ليس بث روح الاخوة والتضامن والتواصل فقط بين أبناء الشعب الواحد، وإنما ربط أجزاء الوطن أرضًا وشعبًا وسكانًا مع بعضها البعض من خلال الانصهار والتداخل المشترك وكيفية العيش فوق تراب ورمال هذا الوطن الذي لا وطن لنا سواه، والعمل على ربط قرانا ومدننا وتجمعاتنا السكانية وحياتنا عامة من خلال ما تم التوصل إليه في وثيقة التوأمة الجماعية مع قرى وتجمعات إخواننا أهالي النقب عامة والعراقيب خاصة، هذه القرية التي سطرت أروع ملاحم البقاء والصمود والمواجهة في وجه الظالم الصهيوني، بعد ما تعرضت للهدم والبناء معًا حتى الآن ولأربعين مرة.
- التحدِّي والإصرار
ينساب الحديث إلى القلب، وأنت تسمع وسط الصحراء، حين تفترش الأرض وتلتحف السماء في صمت لا يقطعه إلا صوت الشيخ أبو عزيز صياح الطوري شيخ الصمود لأهالي العراقيب، وهو يحيي ويصافح بحرارة قل مثيلها، وهو يخطو بخطوات ثابتة إلى الأمام وممسكًا طرف قمبازه ويعتمر كوفيته العربية الفلسطينية الأصيلة، ينادي على أبنائه وأقربائه وأهالي العراقيب عامة مرحبًا بالضيوف من المثلث والجليل والنقب عامة، الذين جاءوا للوقوف والتضامن والمؤازرة الأخوية معنا، وبالأخص النائب محمد بركة والمحامي أيمن عودة الذي حصل على مواطنة شرف من اهل العراقيب والنقب عامة، على دوره ومكانة الجبهة، ليس في دعم الأهالي وصمودهم، وإنما في تقريب الحال بين الأهل وأبناء الشعب الواحد لدرجة ان برنامج التوأمة قد خرج إلى النور وان قطار التنفيذ قد انطلق لبناء وتعزيز وتعميق مفهوم التواصل السكاني والاجتماعي والوطني، في الوقت الذي تحاول السياسة العنصرية الصهيونية تفتيتنا وعزلنا في تجمعات سكانية غير مترابطة ومتماسكة، لا جغرافيًا ولا تاريخيًا ولا أرضًا ولا لغة، مما يعني وكأننا غرباء في عروبتنا وعلى ارض وطننا.
إن من يرى ويستمع ويتعايش لبضع ساعات مع أهالي النقب والعراقيب، لا بد ان يكتشف الروح النضالية والكفاحية العالية المجبولة بالتضحية والفداء إكرامًا للوطن والأرض والبيت، وأقول ان واقعهم وتجربتهم الطويلة والمرة مع سياسة الاضطهاد والتمييز من قبل الحكومة وظروف معيشتهم الحياتية اليومية وصعوبة العيش بدون ماء وكهرباء وشوارع وكل مستلزمات الحياة الأساسية غير المتوفرة بتاتًا، وصعوبة التنقل وسط الصحراء والرمال، كل ذلك، قد عمّق ونمّى مستوى الوعي الوطني والسياسي وروح العطاء في قالب المجموع الشعبي الجماعي والتسلح بالعلم والمعرفة لمواجهة ما تخطط له حكومات إسرائيل السابقة والحالية وحتى القادمة، ان وحدة الصف تعني الدفاع عن الأرض والبيت والإصرار على المواجهة وقبول التحدي وتحديد من هو العدو ورفض كل الحلول والإغراءات الحكومية المشبوهة والحفاظ على الوحدة الداخلية، وإفشال سياسة فرق تسد السلطوية، قد جعل منهم مدرسة لتعليم معنى الصمود وفن العمل السياسي الوطني، وكيفية المواجهة مع السلطة في إفشال مؤامراتهم للنيل من عزيمة وإصرار أهل النقب في العيش على أرضهم، وحقهم في البقاء والتطور والازدهار وبناء المجتمع العربي المتواصل مع الجزء الآخر من المجتمع العربي الواسع في الجليل والمثلث والساحل.
- التواصل بين أبناء الشعب الواحد
إن ما قامت به الجبهة بتوقيع وثيقة التوأمة والتواصل مع الأهل في النقب والقرى غير المعترف بها بداية عشر قرى وتجمعات سكانية كمرحلة أولية إنما يشكل بحد ذاته عملا وانجازًا وطنيا قوميا اجتماعيا يتناسب مع خطورة المرحلة والحاجة الجماعية والمطلبية التي يمر بها المجتمع العربي عامة وأهل النقب خاصة، وفي رفع مكانة المجتمع العربي في الحفاظ على خصوصية المواطن العربي في ظل استشراس وتنامي خطر سياسة التهجير والتشريد الحكومية، حكومة نتنياهو – براك – ليبرمان العنصرية والمتطرفة ذات التوجهات الفاشية والمعادية للحقوق العربية والفلسطينية ولموضوع السلام العادل، وسواء ضد أهلنا في النقب ومواجهة مخطط برافر، أو الاستمرار في سياسة مصادرة الأراضي في الجليل والمثلث أو النقب ومحاصرة القرية العربية بالحد من توسيع مسطحات البناء ومناطق النفوذ وغياب بل تغييب المجتمع العربي عن الإقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي لمجمل المجتمع الإسرائيلي، وحق المجتمع الفلسطيني في التطور الحضاري والزراعي والتكنولوجي والثقافي واستيعاب القوى والطاقات العلمية والأكاديمية التي أصبح المجتمع العربي يفخر بها. فموضوع التواصل والتوأمة بين طرفي الوطن الجنوبي والشمالي، أي النقب والمثلث والجليل والساحل، له جانب ثقافي وحضاري في تعميق مفهوم البحث في الحفاظ على ترسيخ الجذور التاريخية للشعب الفلسطيني على أرضه وفي داخل وطنه، فرغبة وإصرار الأهل في النقب عامة والقرى غير المعترف بها خاصة على المضي قدمًا في هذا المشروع الهام، الحيوي لمجمل المجتمع العربي ككل، هو نابع من ثقافة واحدة ثقافة الصمود والتحدي والمواجهة في قهر وسحق السياسة الظالمة التي تمارسها إسرائيل بكل حكوماتها وأخطرها الحكومة الحالية ضد أهالي النقب عامة، فكلما أمعنوا في الاضطهاد والحرمان والهدم والمصادرة عندها يكون الجواب المزيد من البناء والصمود والتحدي، وفي تعميق مبدأ المواجهة والمزيد من بناء وصيانة وتعميق الوحدة الداخلية والتواصل بين أبناء وبنات هذا الشعب الطيب الصابر والصامد القابض على جمرة النضال اليومي واستعداده ان يقدم روحه فداء للأرض والوطن.
من هنا ندعو كل جماهيرنا العربية وشعبنا عامة، من خلال المنظمات والاطر والمؤسسات وفي الطليعة لجنة المتابعة العليا واللجنة القطرية للسلطات المحلية العربية، ان تتبنّى ما طرحته وبرمجت له الجبهة من تعميم مفهوم التواصل والتوأمة بين مناطق وقطاعات شعبنا في المثلث والجليل والنقب والاستفادة أكثر كتجربة رائدة في مفهوم العمل الوطني والاجتماعي وزيادة اللُحمة الداخلية والوطنية واستنهاض الطاقات الكامنة داخل مجتمعنا العربي.
من الضروري ان تنشأ علاقات العمل والتعاون وتبادل الزيارات والنشاطات المختلفة، ضمن مشروع التواصل والتوأمة، وبالذات بين جيل الشباب، هذا الجيل الذي هو مُعد لعملية التطور والبناء، لأنه يحمل صفة جيل المستقبل، وهذا الجيل لا يستطيع ان يبني ويتواصل إلا من خلال زيادة الوعي الوطني والإنساني عامة، ومن ثم يُكوّن مبدأ الانتماء لهذا الشعب، فالشباب هم جزء هام وكبير وأساسي بل محرك وطلائعي في عملية البناء الوطني ولذا يتطلب زيادة الاهتمام بالجانب الإعلامي وتكوين مبدأ المعلومات بدءًا من المعلومات في الجغرافيا والتاريخ والأرض، إلى معلومات أسماء القرى والتجمعات والمواقع ليشمل المدارس والنوادي وغيرها، وأنا أقول بصراحة نعم تنقصنا المعلومات عن مجمل حياة وكفاح ومعيشة أهلنا في النقب والعراقيب وكل القرى والتجمعات السكانية هناك، وأيضًا في الجانب الآخر، ان ترتيب الرحلات المدرسية والنوادي وإقامة المخيمات الصيفية المشتركة للأطفال والشباب أمر ضروري لزيادة المعرفة عن حياة وعمل وكفاح أهلنا في النقب، وهو أمر يحتاج إلى التنبيه والإشارة إليه، وهنا يكمن دور معلمينا ومربي الأجيال، مسؤولي الأندية ومركزي الشبيبة.
تستطيع الشبيبة الشيوعية ان تلعب دورًا هامًا ورائدًا في هذا المضمار وفي هذا المشروع الثقافي الحضاري والإنساني. وهو يدخل في صُلب عملها وبرامجها وكفاحها من اجل مجتمع العدل والمساواة، فالمجتمع العربي بجوهره يتكون بالأساس من جيل الشباب والحنكة في تثقيف وتنظيم وقيادة هذا الجيل، كي لا يقع فريسة لسياسة الاضطهاد والتمييز واليأس بل التجهيل وتعميق مفهوم العدمية القومية بين الشباب للحيلولة دون تنفيذ مخطط الخدمة المدنية التي هي مقدمة أولى وأساسية للخدمة العسكرية. وعلى ذلك تقع المعركة وعلينا إفشالها بكل ثمن من الجليل والمثلث والنقب.
(كويكات / أبو سنان).
