العائلة بين النقد السلبي والايجابي

single

 تتخذ الانتخابات للسلطة المحلية في مجتمعنا العربي أهمّية خاصة،ولها ما يبررها، ففي عشيّة كل انتخابات للسلطات المحلية، العربيّة، تغرقنا الصحافة ووسائل الاعلام بعاصفة وسيل من التعليقات، ويعود ويطفو على السطح، النقاش حول العائلة والعائليّة، ويشن البعض ضدّها حملة شعواء، ولا يختلف اثنان أنّ مفهوم العائليّة، مفهوم مقيت، ومُنفّر، وبغيض، وبعض المتناقشين، يشيرون لها أنها العقبة الكأداء أمام تطوّر المجتمع، ويعود ذلك الموقف، الى امتداد مفهوم القبيلة، الذي كان ينضح بظاهرة التّعصّب القبلي البغيض، الذي تجذّر في اعماق أذهاننا وسرى في عروقنا من تلك العصور الغابرة في الجاهلية والتي حاربها الاسلام بقوّة عاتية، منذ البدايات، حيث شهد تناحرا قبليًّا كانت عواقبه وخيمة على مجتمع ذك الزمان، آلت الى حروب وغزوات دامية وسلب ونهب، دامت سنوات طويلة ،كالتي دارت وعصفت بين قبيلتي عبس وذبيان وقبيلتي تغلب وبكر، وانكوت بنارها قبائل اخرى، هلك فيها الزرع والضرع، واستبيح فيها الانسان، وبيت الشعر والشجر. واذا ما نظرنا اليوم الى العائلة بنفس ذلك المنظار من ذلك الزمام فلا شك أننا نشاهدها سوداء داكنة، واذا أزلنا ذلك المنظار ونظرنا اليها بمنظار آخر نراها زاهية، وفيها الكثير من الايجابية لفعل الزمن الطويل الذي مرّ منذ تلك الحقبة السوداء وما تخلله من تطوّر اجتماعي وفكري وسياسي، ونحن في هذا السياق نفرّق بين العائليّة بتعصبها البغيض والعائلية بايلافها وتآخيها، انّ أحدًا لا يستطيع أنْ ينكر أنّ تركيبة مجتمعنا في قرانا ومدننا تركيبة قروية ّ، فلاحية بالرغم من ان الكثير من قرانا باتت وأصبحت، ّمدنا الا أنّ الروابط العائليّة،ووشائج القربى حافظت على قوّتها ومتانتها، ومهما حاولنا تنفيذًا لرغباتنا الجامحة لانتزاعها من داخلنا ووجداننا، فلم ولن نستطيع الى ذلك سبيلا.
واذا امعنا النظر جيّدًا بإرهاصات حياتنا اليومية العادية السائدة، وما يواكبها من علاقات اجتماعية، نجد أنّ هناك ظاهرتين سائدتين في مجتمعنا، من الصعب التخلص منهما أو محوهما، ظاهرة الأفراح من أعراس وموالد ورثناها أبا عن جد، حيث تجتمع وتحتشد العائلة، قديمًا ولا زالت، لتشارك ذلك القريب بفرحه وسروره ، والظاهرة الاخرى، ظاهرة الاتراح، فتجتمع العائلة لتشاركه أحزانه وتواسيه في آلامه،وفقدانه عزيزه، فهاتان الظاهرتان ملازمتان لطبيعة الحياة وامتدادها في حياتنا اليومية، ويمكن أنْ نشير اليهما بالبنان أنهما ايجابيتان، ومن عقدة النظر للعائلة بالمنظار السلبي، عندما كانت تهرع العائلة برمتها تناصر الفرد، أي فرد منها، اذا ما وقع شجار بين فردين من عائلتين مختلفتين أخذًا بمقولة (انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا) بمفهومها السطحي، فنشاهد اليوم ان هذه الظاهرة آخذة في التلاشي والاضمحلال، كنتاج للتطوّر في النسيج الاجتماعي الحاضر والمعاصر الذي يمليه الزمن من النقلة النوعية في ازدياد التعليم، واتساع مساحة الثقافة وبناء المدارس وازدياد عدد المتعلمين والمثقفين ليتناسق مع الزيادة الطبيعية للسكان.
وهنا لا بدّ من الاشارة أنه وفي بداية القرن الماضي القرن العشرين، دخل في حياتنا عنصر جديد، وهو تعاظم دور الحزب الشيوعي وفي الربع الاخير منه، دخلت الجبهة الديمقراطية بزخمها الجارف و سيلها المتدفّق الى مجتمعنا العربي،حيث لم يكن حين ذاك أي تنظيم حزبي فاعل في الساحة النضالية إلا تنظيم الحزب الشيوعي، ومن شعاراته الهامة الاجتماعية محاربة التعصّب العائلي البغيض. ومع تنامي الحزب وتعاظم قوّة الجبهة وتغلغلها بين العائلات وانضمام العديد من الشباب من مختلف العائلات الكبيرة منها والصغيرة الى صفوف الحزب، في قرانا ومدننا، ومع تعاظم اللُّحمة بين أعضاء الحزب والجبهة من العائلات المختلفة، وباتت العائلات بشتى ساحاتها مسرحًا لنشاط الجبهويين على الصعيد السياسي والاجتماعي بحيث أفرزت قلاعًا وحصونًا في العديد من العائلات، ومع تعاظم دور نشاط الجبهويين ونجاحهم في تسييس أفراد هذه العائلات واحداث نقلة نوعيّة، اجتماعية في اطار هذه العائلات، وتعاظم أعضاء الحزب، الجبهة من ابناء هذه العائلات وتصاعد دورهم السياسي، في قيادة أو التأثير الايجابي على مسار العائلة واستثمار هذا التحوّل لتخفيف حدّة التعصب العائلي، فتلاشت حملات التهويش العائليّة، والتناحر البغيض.
ففي بداية السبعينات، من القرن الماضي، استطاع الحزب الشيوعي بحملاته النضالية المتواصلة ان ينجح في القضاء على نظام المخترة الخنوع، وتحويله الى سلطة محلية، منتخبة في مرحلة متأخّرة، ومع إجراء أوّل انتخابات للسلطة المحلية عادت قرانا ومع الأسف لتشهد عودة النشاط والاصطفاف العائلي واستثماره لدعم مرشح العائلة لخوض حملة الانتخابات، لضمان وصول المرشح ابن العائلة للسلطة المحلية للعضوية أو للرّئاسة. ولم تنج عائلة من هذا المرض صغيرة كانت أو كبيرة، وما اضمحلّ ونسيناه عاد ليطفو على السطح من جديد بحلّة جديدة حلة التآخي تحت مظلّة التنافس الديمقراطي وان حدث صدام معيّن يكون ذلك نشازًا. وقد نجح الحزب في سنوات الستينات والسبعينات أن يتغلغل داخل العائلات، وبنى له في معظمها قلاعًا وحصونًا جبهوية، قوية، باتت قواعد استراتيجيّة داعمة ومؤيدة له في جميع النضالات السياسية والاجتماعية وفي جميع المعارك الانتخابية للكنيست والنقابية والأمثلة والنماذج عديدة، واذا بات الحال هكذا في العائلات الصغيرة ولا سيما الكبيرة منها وفي سياق الانتخابات للسلطة المحلية اذا ما تماهى طموح فرع الجبهة في الوصول الى رئاسة السلطة المحلية، مع طموح عضو جبهة عريق وأصيل أفرزته العائلة الكبيرة، ومن اجل ضمان النجاح وفي انتخابات تمهيدية ديمقراطية محلية ما الغضاضة بذلك وأين العيب أو الخطا بذلك؟، علمًا ان الترشيح لرئاسة قائمة الجبهة لم و لن يكون حكرًا للعائلة الكبيرة وفي حالات عديدة استجابت الجبهات المحلية للاصوات التي نادت بترشيح مرشح عن عائلات صغيرة ويستاهل الترشيح، وحظي بتأييد عارم من العائلات الكبيرة ووصل الى رئاسة السلطة المحلية، وفي مواقع عديدة، من المواقع الجبهوية المختلفة ايمانًا بمبدأ الشخص المناسب في المكان المناسب، ثم يطرح السؤال نفسه من منّا ليس ابن عائلة، ويعتز بعائلته، أكانت صغيرة أم كبيرة، وخاصة اذا كانت تقدمية نفضت عن جسدها رداء الرجعية وتجلببت بلباس الوطنية والتقدم.
ولو استعرضنا اليوم ونظرنا الى مدينتنا والانجازات، التي انجزت وعلى مدار اربعين سنة خلت، لوجدنا ويشهد لها الخصم قبل الصديق، انها كانت بغزارتها ووفرتها من صنع الرئاسة الجبهوية من صروح ثقافية، ومدارس و تعبيد شوارع وتطوير البنى التحتية، وظاهرة النقاش وحدّته لا تقتصر على مدينة واحدة أو قرية فهي باتت ظاهرة شاملة تغذيها وتذكيها وسائل الاعلام المقروءة والمسموعة، ولا بدّ أن نشير أنّ النقاش الذي يظهر عشية كل حملة انتخابية للسلطة المحلية في جوهره ديمقراطي وشرعي وهو تجسيد او انعكاس لطموحات شخصية ترغب بالوصول الى السلطة المحلية، ولكن ان نتعامى عن حقيقة أن مجتمعنا لا زال بتركيبة اجتماعية عائلية، خطل في التفكير، لا بأس في صب جام غضبنا على العائلة الا اذا كان تصرّف العائلة مشينا وتعصّبا قبليا، وهذا بات مرفوضا. اما اذا تحالفت العائلة، وليس كل عائلة في تحالف مع الجبهة، في سبيل خدمة البلد وتقديم الانجازات، فهذا امر ليس من الصحي ان ننتقده او نعيبه واذ تحلينا بالنأي عن الذات نرى الامر ورديًا ايجابيًا و ساطعًا سطوع الشمس.
(عرابة)

قد يهمّكم أيضا..
featured

الأخطر من إخراج الحركة الإسلامية خارج القانون، هو القانون نفسه

featured

لماذا يا هذا، لماذا؟

featured

من السجن إلى المعتقل، بلا محاكمة أو تفسير

featured

في مواجهة إعلام الاحتلال

featured

ميليشيات إعلام تزييف الوعي

featured

درس في الانشاء

featured

إرفعوا ايديكم عن النائب محمد بركة !