(ترجمة: أمين خير الدين)
أُطْلِق سراح بلال كايد من السجن بعد أن أمضى عقوبته كاملة، 14 سنة ونصف. انتظرته عائلته بتوتر عند الحاجز، لكنه أُرْسِل فورا إلى معتقل إداري، بدأ إضرابا عن الطعام، والآن يرقد في المستشفى مُقيّدا بالقيود.
حُكِم عليه 14 عشرة سنة سجن، بعد ذلك حُكِم عليه نصف سنة إضافية، لأنه قاد إضرابا في السجن، وتدور الأيام، ويأتي اليوم المُنْتَظَر، يوم إطلاق سراحه، بعد 14 عشرة سنة ونصف بدون إجازة ليوم واحد، منها سنة تقريبا في حبس انفرادي، توفى والده وهو في السجن، ولم يُسْمح له بوداعه حتى تلفونيا، مُنِعت عائلته من زيارته لمدة سنة، ولم تزره أيضا طيلة السنوات الثلاث الأولى من حبسه.
نُقِل السجين إلى سجن آخر، كان مقتنعا أن ذلك تمهيدا لإطلاق سراحه، عرض عليه رجل المخابرات صورة بيته الجديد، تستعد عائلته بانفعال لليوم المُنْتَظر، وترتدي قريته حُلّة العيد، وتأتي أخته من ألمانيا، وأخوه من السعودية، وينتظر أقاربه بانفعال عند الحاجز، للقاء عزيزهم، فقط أمّه العجوز وأمّه الثانية (زوجة أبيه) بقيتا تنتظرانه في البيت، ويأتي النبأ المختصر والحقير: سيبقى في السجن نصف سنة أخرى على الأقل. بلا محاكمة، وبلا تبرير، لماذا ؟ هكذا. السجن الإداري لا يحتاج إلى تبرير.
قائمة اليأس تضاعف اليأس، من الآن لا نهائية لها، لأن الاعتقال الإداري قابل للتمديد المرة تلو الأخرى، بلا نهاية، قرر أن يبدأ إضرابا عن الطعام، بعد 45 يوما أُدْخل مستشفى برزيلاي في اشكلون مُرهقا وهزيلا، يده ورجله اليسرتان مقيدتان للسرير، ورجلاه مربوطتان ببعضهما، وأربعة سجّانين يحرسونه ليلا ونهارا، والضوء في غرفته لا يُطْفأ، وكاميرا الحراسة تصوّره بلا انقطاع، ولا يُسْمح لأحد بزيارته باستثناء محاميته.
عائلته تجلس في البيت قلقة، عَجْز ويأس يملأ صالون البيت في بلدة عصيره الشمالية ، شمال نابلس.العائلة تنتظر، محاطة بصِوَر الأسير، وصِوَر أبيه وأخيه المتوفيان، يافطات كبيرة تغطي البيت من الخارج ومعلقة في الشوارع تدعو لإطلاق سراح الأسير الأكثر شهرة في بلدته، وتُنظّم في العالم مظاهرات لإطلاق سراحه.
هذا ما جرى لبلال كايد وعائلته. كان من المُنْتظر أن يُطْلق سراحه بتاريخ 13 حزيران، قبل شهر ونصف، لكنه فرض عليه اعتقال إداري، منذ ذلك الحين، فأضرب عن الطعام. والدتاه العجوزان، رهيبة الأم البيولوجيّة، ونعيمة الزوجة الأولى لأبيه، والتي هي بمثابة أم ثانية له، تجلسان بجانب بعضهما بملابس الحزن، صُوَرُه بينهما، وأخته سُها ابنة الـ 41 سنة تطرح أمامنا حكايته باللغة الألمانية، لغتها الثانية منذ هجرتها إلى ألمانيا. أُصيب والده وجيه بمرض عُضال وتوفى قبل سنة، ولم يُسْمح لبلال بوداعه. قُتل أخوه البكر محمد بحادث في السنة التي اعْتُقِل بها. أخوه محمود يجلس معنا."والله يا بلال" يصرخ محمود صديق بلال، هذه هي رنّته. عصيره الشمالية مملوءة باليافطات على الجدران: "أطلقوا سراح بلال".
(عن هآرتس 29-7-2016)
**
آخر مرة رأت ابنها قبل سنة، قبل أن يُحْكم عليه بالحبس الانفرادي. عمرها 74 سنة. أمّا حليمة لم تره قبل اعتقاله، لأنه لا يُسْمح للأم غير الأم البيولوجية بزيارة السجن، هو غالٍ عليها كابنها. بلال 34 سنة. كان عمره عندما اعْتُقِل 19 سنة. وكان هذا أول اعتقال له. قبل ذلك تعلّم في ثانوية عصيره، وتعلم التكييف الهوائي في كليّة قلنديا. عمل كشرطي في السلطة الفلسطينية. بتاريخ 14 كانون الأوّل، في الساعة الثانية ليلا، جاء الجنود لاعتقاله. اهتمت أمه أن يأخذ معطفا، لكن الجنود جردوه من ملابسه، وألقوا به عاريا على الشارع. لكنها استطاعت أن تضع عليه المعطف قبل ان يأخذوه بلا عودة. استطاع أن ينادي عليها قائلا: "لا تبكي، يا أمّي، لم أفعل شيئا، وسأعود قريبا" وهذا لم يحصل.
لم يروه لمدة ثلاث سنوات. بعد عدّة شهور أحضرت لهم سيدة وريقة كَتَب عليها أنه في سجن الرملة. رأوه لأول مرة عند محاكمته، وحُكِم عليه في نهايتها ب – 14 سنة سجن، عن نشاطه في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. يقولون إنهم تفاجئوا من نشاطه في الجبهة: والده كان مع فتح، وعمل هو كشرطي، ولذلك ظن أعضاء الجبهة عندما قصفت طائرة أف – 16 انه هو أيضا مع فتح، لكنه عندما قُتِل 11 شخصا من أصدقائه عام 2000 بالقرب من نابلس، قرر أن ينضم إلى الجبهة الشعبية.
تنقّل في كل سجون إسرائيل تقريبا: الجلبواع، أشكلون، رامون، الرملة، مجيدو، بئر السبع، لم يره أبوه آخر سنتين من حياته. طلب وهو على فراش الموت أن يأتي بسيارة إسعاف لزيارته، لكن السلطات لم تسمح له، وحتى لم تسمح له بمحادثتة هاتفيا.
أكمل دراسته في السجن، نجح بامتحانات البجروت، تعلّم اللغات: الانجليزيّة، العبريّة والفرنسيّة وقليلا من الألمانيّة، كان قائدا محليا، وناطقا بلسان الأسرى. من غير الواضح لماذا نُقِل في آب الماضي إلى الحبس ألإنفرادي في سجن الجلبواع،. تلقى بتاريخ 20 أيار خبرا من سجنه أنه سيُفْرج عنه في 13 حزيران، أي بنهاية مدة عقوبته. طلب في الرسالة التي بعثها لعائلته أن يبعثوا له ملابس بمناسبة إطلاق سراحه. التقى في منشأة تحقيق في سالم، برجل مخابرات اسمه غلعاد، جيء به من سجنه، تحدث معه عن خططه في المستقبل. قال له بلال إنه ينوي التفرغ للاعتناء بأمه العجوز وبأمه الثانية زوجة أبيه، وبتكوين عائلة. وكتب بلال لعائلته إن هذا "الغلعاد" عرض عليه صورة الطابق الجديد الذي بُني خلال مكوثه في السجن، وعبّر بلال لعائلته عن ارتياحه من المحادثة، التي استمرت حوالي ثلاث ساعات. "بعد إطلاق سراحك سأزورك لأشرب القهوة معك" هكذا قال له.
بدأت العائلة بالتجهيز للإفراج، اختاروا له عروسا للخطبة، عرفوا أن أصعب ما يكون عليه عدم التقائه بأبيه، لأنه كان قريبا منه كثيرا، لذلك حضرت أخته سُهى من ألمانيا، مع ولديها لدعمه ولملء الفراغ الذي خلّفه موت الأب، يوم 13 حزيران سافر أبناء العائلة (باستثناء الأمهات الاثنتين) إلى حاجز الظاهرية قرب الخليل، حيث ظنوا أن بلال سيصل إلى هناك. وانتظر باقي الأصحاب والأقرباء في رام الله، حيث ظنوا أنه سيصل إلى هناك بعد ذلك.
وصلوا الحاجز حوالي العاشرة والنصف صباحا، وانتظروا.عندها وصلت مُكالمة من مؤسسة الضمير لرعاية الأسير:
بلال موجود في مُعَسْكر عوفر. ظنّت سُهى أن الأمر مُدبّر لتضليلهم، كي يُمْنع التجمهر، فبقوا في الظاهرية ، ثم بدؤوا بالسفر ببطء نحو مُعسْكر عوفر قرب رام الله.، وعندها وصلت مكالمة من مؤسسة الضمير، أُرْسِل ببلال لنصف سنة لمُعْتَقل إداري بدون محاكمة.
"لم أصدِّق"، قالت أخته سُهى، " في السنة الأخيرة، كان في الحبس الانفرادي، ماذا كان يمكنه أن يفعل؟".
حاولت الأسبوع الماضي نشيطتان من جمعية حقوق الإنسان، د.عينات مطر وتمار فلايشمان زيارته، منعهما السّجانون، لكنهما استطاعتا إيصال بعض كلمات التشجيع إلى بلال عبر الباب، قال بلال لمحاميته إنها كانت اللحظة الأكثر انفعالا خلال إضرابه عن الطعام. وطلب الاعتذار من الإسرائيليتين اللتين لم يستطع الرد عليهما، بسبب ضعف صوته، وكذلك نظره مشوّش وكليتاه في خطر. حالته تسوء، يرفض أي فحص أو أيّ علاج طبي وليس على استعداد لأي حوار باستثناء الإفراج عنه.
اقترح عليه جهاز المخابرات النفي للأردن لأربع سنوات مقابل إطلاق سراحه، رفض. يقول إخوته إنهم يساندونه في أيّ قرار قد يتخذه. وتقول أمه إنها لا تريده أن يطأطئ رأسه، تبدو علامات القلق على سلامته، وعلامات الشوق له على الوجوه، يقول أخوه محمود "هذا المخرج الوحيد الباقي مفتوحا أمامه". وتقول سُهى إن أصدقاءها في ألمانيا يفهمونها الآن عندما تقول إنها تكره إسرائيل. لكنها تقول أيضا إنها ترفض الكراهية – لا تريد أن تربي أبناءها على الكراهية، ويهزّ ابناها رؤوسهم بالموافقة، ثمّة شك بالموافقة، وثمّة شك في حُسْن السلوك.
201/76/29
