* حوار الثقافات، على معنى حوار القيم، ينبغي أن يحتسب موازين القوى التي تصدر عنها القيم *
لا أزعم أن الأدوات الفلسفية التي صنعها اليونان، وورثتها عنهم الفلسفة الأوروبية وطورتها، قاصرة عن تناول العالم وفهمه. وأقول ان ثمة مسائل يثقل على الهيكل النظري اليوناني تناولها وإعمالها. وأدرك تمام الإدراك ان الفكر اليوناني اضطلع بمهمات نظرية عظيمة، من ثمراتها العلم والديمقراطية. وشأن هذين ليس بالقليل! ولكن الفكر اليوناني، على مثال عام لا يشذ عنه، وسعه تقريب أشياء الى الفهم والعقل، وقصّر عن تقريب أشياء أخرى لم يولِها اهتمامه وتركها في الظل. فهو شاء تدبر الصور والرسوم الجلية التي سماها "الماهيات" أو "المثل"، وانصرف عن الأطوار الوسيطة والدقيقة، وعما هو في منزلة بين منزلتين، وما لم يستقر على حال. فليس هو بصورة، ولا هو نقيض صورة. ما حال الثلج الذائب؟ ليس هو ثلجًا ولا ماء. وهذا ما يخفق أفلاطون في تناوله. وعلى خلاف أفلاطون، لا يعصى الفكر الصيني تناول الحال هذه. ويصدق القول ان الفكر الصيني يقف سعيه على التفكير في هذا: اي في الأطوار الوسيطة والمجرى والمتصل، اي ما أسميه السيروري.
ولنفكر في مثل آخر يفوق مكانة الثلج والماء هو الهَرَم أو الشيخوخة. فنحن قاصرون، في المدرسة اليونانية، عن فهم الشيخوخة. وقصورنا ناجم عن انصرافنا الى فهم الأول والآخِر، وتعريفنا الفهم على الركن هذا، فمتى ابتداء شيخوختنا؟ وهل تنزع الحياة الى غاية أو ختام؟ وكان مونتاني يذهب الى أننا، في أثناء الحياة، "مائتون". وإذا حملنا تفكر الشيخوخة على أطوار المتوسط، تفادينا المجابهة بين الحدين: الحياة والموت. والطور الوسيط هو اتصال الحياة، ولا يبدو الموت، في ضوء الطور هذا، الصرم العظيم والقاطع، ماحي كل شيء أو هاتك الأستار عن كل شيء. والصينيون يسمونه "التحوّل العظيم".
وقصورنا عن التفكير في الانقلاب غير الظاهر من حال الى حال يجردنا، اليوم في عصر التكنولوجيا، من القوة على مقاومة ديكتاتورية الحادثة الكارثة، والعابرة. فـ"الزمن" نفسه ليس غير حوادث تتصور في صورة انقطاع متجدد ولا يستقر على قرار. ويترتب على هذا رغبة محمومة تلد، بدورها، صورة مسرحية ومشهدية عن التاريخ. ويبلغ التوليف الإعلامي للحوادث مبلغ المراوغة والتخييل والبناء الأسطوري، وينقلب مفعوله على الحياة السياسية نفسها. والانتباه الى الأحوال الخفية يصرف عن الترجح بين "الحادثة الصائتة" وبين "البنية" التي تكاد لا تحول، على قول بروديل. وثمة بين الحدين، حال هي الغالبة على الاختبار على رغم خفائها، هي حال الاتصال والشمول التي لا تبرز ولا تلاحظ.
ولا يغيب عن الفيلسوف الإعجاب بجرأة العقل وتنطحه الى الإحاطة بـ"الكل" ولا ينبغي إنكار هذا التراث، ولا الرجوع فيه، بل الإلمام بما تركه الفكر اليوناني وأهمله، وتجديد الفلسفة من هذه الطريق، ومن خارج. وإلى اليوم، قادت محاولة نقد الميتافيزيقا، على وجه أو آخر، الى استئناف التقليد العبري، وتسديد "الدّيْن المضمر"، على قول هايدغر. وأصغي إلى الصين لعلي أسمع قولا أصيلا آخر، وأخرج من الترجح بين أثينا وبين أورشليم، بين السعادة اليونانية والوجدان العبري الشقي، ومن ابراهيم بإزاء سقراط.
والتنبيه الى ان الصين نفسها اعتنقت دين الحادثة، وترفع نصب هاري بوتر، لا يصرفني عنها. فالفيلسوف لا يجاري الحوادث ولا يماشيها. والفلسفة على الدوام متأخرة. فهي شأن بومة مينيرفا لا تستفيق إلا في العشية. ولكن تفادي التأخر الذي يبلغ مبلغ الفوت يضطر الفلسفة الى الاضطلاع بدور نقدي ومدافع. ولا يدعوها الى الدور هذا رغبتها في الطعن في عيوب العالم وأحواله بل التطلع الى آفاق محتملة. والسعي في بلورة آفاق جديدة تجلو التجربة الإنسانية يقتضي التفكير في ما تغفل الفلسفة التفكير فيه. وقد يفترض هذا استراتيجيات مواربة. واستراتيجيتي تمر بالصين. وتوسلي بالخارج الصيني يتيح لي تناول مصادرات العقل الأوروبي المضمرة. وهي ما نتناقله ونتداوله على صورة "بداهة"، ولا نُعمِل فيه الفكر تاليًا. ووصف الأطوار الوسيطة والخفية المعاصرة ذريعة الى استعادة المبادرة والخروج من الانفعال السالب بالظواهر الطيفية التي تصب في أطوار التاريخ الكبيرة.
وأنا لا أدعو الثقافات الى شبك أيديها الواحدة بالأخرى، ولا إلى معانقة بعضها بعضًا، و"تعاطف" بعضها مع بعض. ويدعوني تحفظي عن "الفرق"، وهو يستدعي الهوية، الى تقديم مفهوم "البين". وكثرة الثقافات ينبغي بسطها وجلاؤها واستعراضها، وليس الحدس فيها. وحوار الثقافات، على معنى حوار القيم، ينبغي ان يحتسب موازين القوى التي تصدر عنها القيم، ويقود الى البحث عن التفاهم والنسبية والنزول عما لا يطيقه الآخرون. وأنا أوثر الفهم على المساومة. وقبول الثقافات النظر إليها، وتناولها من خارج، يحملها على حركة داخلية. والحوار يفترض "البين"، أو "المباينة"، على قدر ما يفترض العقل. والتفكير في الآخر يحمل على التفكير في النفس على وجه مختلف.
وفي سبيل هذا علينا تفادي العمومية الكونية الرخيصة (الإنسانوية الرخوة) والنسبية الكسولة (الثقافوية). فالأولى تختصر العالم في قيمها، وتزعم الثانية غلق الثقافات على نفسها. ويتهددنا تجانس شامل يرتدي ثوب الجامع العام ومشروعيته. فالجامع العام يصدر عن العقل، والتجانس يصدر عن الإنتاج. ويترتب الجامع العام على الضرورة والمنطق، ويترتب التجانس على اليسر. وأنا أزعم، وزعمي سياسي، أن إعمال المباينات بين الثقافات لا غنى عنه، وأن الثقافي معقول كله، ويقبل التعقل والإحاطة. ومشترك الإنسانية هو القدرة على التجوال بين نظم المعقولات المتفرقة، وحملها على المطارحة والمناقشة.
* مدير معهد الفكر المعاصر وأستاذ في جامعة باريس السابعة ("لوبوان" الفرنسية)
